
سنحاول في هذا السياق الكشف عن بعض دلالات قصيدة الشاعر والمؤرخ ” صدقي علي أزيكو” من خلال آلية التأويل.
نص القصيدة:
تيفاوين دا-سا سيگّيلخ ( الأنوار التي أبحث عنها)
شّانتّنت تيلاّس ( التهمها الظلام)
تيموضان غ-وول ءينو ( الجروح في القلب)
بّينت ءيزوران ن-تيطّ ( مزقت عروق العيون)
ءيدامّن ن – وييّاض ( دماء الآخرين)
نغان غ – وينّخ تيزيضار ( أتنت عزائمنا)
گان ءيتران ءيناگان ( النجوم شاهدة)
مضلن ءوسّان نّخ ( قبروا أيامنا)
ءيفادّن ءوگانين ( العظام انهارت)
ءاديف غ – گار ءوسّان ءيقّور ( ولم تعد قادرة على الأيام الشاقة)
نغان ءيدمارن ( وصدرونا تتألم)
ما گّيسن ءيكّوسان ءيميكّ ( فمن يرث منا القليل)
دلن ءيفراون غ-ءوزور ( غطت الأوراق في الجذور)
تامّنت ن –تودرت ( عسل الحياة)
ءاسطّا ركمن ( وتهالك النسيج)
ءاجديگ ءايلسا ءاشتشي ن – لموت ( ارتدى الورد أكل الموت)
ماني كّان ءينمّودّا ( أين ذهب المسافرون)
رميخ ءاكّا تقّلح؟ ( تعبت من انتظارهم)
كيگان ءايد ءوكان ندّرن ( كثيرا ما ينوح)
ءيموضان ن- فاد ( مرضى العطش)
ءاسافار گان –ءاس مگو ( والدواء بعيد عنهم)
غ – واسيف ن-تيلاّس ( في نهر الظلام)
إن محاولتنا لتأويل قصيدة تانكرا لأزيكو باعتبارها آلة كسولة، تقتضي منا أن نكون قراء نموذجين من خلال التسلح بموسوعة.لكي يكون تأويلنا في حدود العوالم الممكنة، وبعدها سننطلق من طوبيك؛ أي افتراضات سنتبعها لنتحقق من مدى معقوليتها بعد التأويل، وخلال هذا يجب أن يتحقق التفاعل النصي بيننا والقصيدة، وسنعمل على جعل تأويلنا اقتصاديا لا إفراطيا ولا تفريطيا.
سنبدأ بعنوان القصيدة؛ ” تانكرا ” بمعنى النهضة، وهي مصدر مشتق من الفعل ” إنكر” ويدل على عملية الاستيقاظ ومحاولة التحول من حال إلى أخرى، غير أن هذا العنوان يحيلنا إلى سؤال جوهري، ستكون الإجابة عنه بافتراض (طوبيك) سننطلق منه في تأويلنا، وهو يتمثل أساسا في: ماذا يقصد أزيكو بالنهضة؟
استنادا إلى موسوعتنا في جانبها المرتبط باللغة، فكلمة ” تانكرا” قد تحمل معنى كلمة أخرى وهي ” تاگراولا” بمعنى ” الثورة”؛ أي أن ” أزيكو” يقصد الثورة، ولكن كيف؟ ولماذ؟ وعلى ماذا؟ ومن قبل من؟ هذا ما سنكتشفه من خلال تأويلنا الذي سنملأ به بياضات نص القصيدة.
يستهل أزايكو قصيدته بالتحسر على الأنوار التي طغى عليها الظلام، وتتمثل البياضات في هذا السطر في ما المقصود بالأنوار؟ وكيف طغى عليها الظلام؟
وبالعودة إلى الموسوعة سنجد أن الأنوار تشير في المتعارف الثقافي إلى العدالة، وهي التي غطاها ظلام الظلم والاضطهاد وهو ما يفسر تحسر الشاعر بعدما غطاها الظلام.
ثم يقول:
الجروح في قلبه قطعت عروق عيونه
دماء الآخرين قتلت إرادته
والبياض في هاذين السطرين يتمثل في كيف لجروح القلب أن تؤثر على العيون؟ ثم ما علاقة دماء الآخرين بإرادة الشاعر؟ نعلم أن جروح القلب المقصودة في الشعر تكون معنوية بمعنى ليست مادية حتى نتمكن من رؤيتها، لذلك كان لزاما على الشاعر أن يورد عنصرا آخر تظهر عليه أعراض جروح القلب، وهذا العنصر هو العين، ومتى ما كان القلب مجروحا دمعت العيون، فكيف الحال إذا تقطعت عروقها بسبب ذلك. أما ارتباط إرادته بدماء الآخرين فهي تفسر بأن سقوط الشهداء في سبيل العدالة – الاجتماعية والهوياتية والثقافية- يجعل عزيمة الشاعر تهتز وإيمانه بقرب الانتصار يخفت، ولكي يؤكد ما أدلى به في هاذين السطرين أشار إلى كون النجوم شاهدة على ما حدث له وللشهداء، وهو ما يدل على طغيان الظلام المرتبط بالليل، وذلك لأن النجوم تقتضي وجود الليل.
ويسترسل في إيراد معاناته بالأسطر التالية:
قبرت أيامنا
وعظامنا لم تعد تقوى على الأيام الشاقة
وصدرنا يتألم
فمن يرث منه القليل
إن توظيف كلمة قبر مقرونة بأيام تعني السجن، على اعتبار أن الشاعر مر بتجربة السجن، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المقصود هو الزنزانة بل قد يعني السجن بمعناه المجرد المتعلق بسجن الأفكار، هذه التجربة نخرت عظامه وأذاقته الكثير من الألم لدرجة صار يطلب فيها من يتقاسم معه آلمه. ويكون بهذا قد صور لنا حال المناضلين في سبيل العدالة.
ومع هذا الوضع فمن الطبيعي أن تغطي الأوراق في الجذور العسل عن حياته، فتصير بذلك حياته كلها مرارة مادام أن العسل في الثقافة الشعبية إذا اقترن بالحياة، فهو يعني الرخاء والعيش في كرامة ووضع لائق، وهي مراد كل المناضلين والشهداء.
ونتيجة لكل هذا سيتهالك جسده، وستصير حياته أشبه بالموت، وهو ما يعبر عنه قوله:
النسيج تهالك
والورد ارتدى أكل الموت
أما قوله:
أين ذهب المسافرون
تعبت من انتظارهم
فالمقصود ليس المسافرين بل الموتى الذين سافروا من الدنيا إلى الآخرة، فهم لن يعودوا أبدا لذلك ظل ينتظر طوال حياته حتى فني صبره، وهم على الأغلب الشهداء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل ما سلف ذكره.
وأما:
ينوح المرضى بالعطش كثيرا
والدواء عنهم بعيد
في نهر الظلام
فالمرضى هاهنا هم المتعطشون إلى الكرامة والعدالة البعيدة والتي أخفاها نهر الظلام؛ أي الظلم والاضطهاد، وإذا ما حاولوا الجهر بها سيلقون المصير نفسه الذي تلقاه المسافرون؛ أي المناضلون ( ستسفك دماؤهم وستقبر أيامهم وسيتألمون، ويتهالك جسدهم إلى أن يموتوا).
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر