إميضر: حركة على درب 96 تتشبّث بحقوقها والمقاربة القانونية تحرج الدولة.. الأفق ينذر لتطورات جذرية

عمرموجان - المعتقل السياسي لحركة "على درب 96 ـإميضرـ" سجن توشكا، الراشيدية
عمر موجان – المعتقل السياسي لحركة “على درب 96 ـإميضرـ” سجن توشكا، الراشيدية

يمكن القول أنه منذ صيف 2011 تواصل حركة على درب 96 (ساكنة إميضر) اعتصامها واحتجاجاتها في صمت، وخلال هذه المدة القصيرة تراكمت تجارب مهمّة، ويمكن اعتبار تجربتها التأسيس الفعلي لجيل يحمل أفكارا ومواقف، جيل يملك رؤية واضحة للواقع الإجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي… وإن كانت لم تحض ـ للأسف ـ بالمتابعة النقدية الموضوعية.

إميضر بين جدلية البؤس والثروة والسلطة، بصمت معارك نضالية متوالية ليكون اعتصام “ألبان” آخر هذه المعارك، كثيرون هم من يتساءلون عن سبب طول اعتصام إميضر وعن الأطراف المتدخلة في هذا الملف الذي بات مستعصيا إيجاد منفذ لحلّه، و التدابير المتخذة لإنهاء الاحتقان بإميضر وغيرها. كلّها استفهامات مشروعة يحق لأي مهتم أن يطرحها، وسعيا لتنوير الرأي العام الذي كاد لا يفهم ما وقع ـ ويقع ـ بإميضر نتيجة تغليطه عمدا وتزييف الحقائق… سأحاول، وبكل موضوعية، أن أقدم قراءة بسيطة ـ بعيدا عن التفاهات و التغريدات التي يلتفت إليها الكثيرون ـ عن ملف إميضر الحقوقي الذي رفعته حركة على درب 96 وعن اعتصام “ألبان”. فما هي الأطراف المباشرة المعنية بملف إميضر الحقوقي؟ وما التدابير التي تتخذها الأطراف لإنهاء الاحتقان ؟ وما هي الإكراهات التي تواجهها، والتي تتسبب في تماطل الحسم في ملف اقترب من عامه الرابع؟ وهل المقاربة القانونية التي تشبثت بها الحركة سترضي الطرفين الآخرين؟

اعتصام “ألبان” محطّ جدل سياسي، قانوني أخلاقي وإنساني… له حيز هام في نقاشات الرأي العام، حيث تشكلت توجهات مختلفة، بعضها يرى فيه تطوير نمط عيش الساكنة وضمان مستقبلهم، وذلك بالإستفادة من خيرات وثروات المنطقة، وبالحدّ من سوء و حدّة استغلالها… فيما يشدد البعض على ما يشكل من عوامل تشتيت المجتمع وتلغيم المستقبل، لما يكرسه من تنافر العلاقات الأسرية والاجتماعية وتدمير الشباب وغيرها.

يمكن القول إذن أن أثر الاحتجاج عميق، خصوصا الحياة الاجتماعية، وارتباطه بالثروة أعطاه صدى وطني، حيث أن معظم المناطق المنجمية شهدت احتقانات وانتفاضات، ولعل برنامج “تصفية أي حراك متوقع بالمناطق المنجمية” (أو برنامج تنمية المحيط المنجمي) الذي صادفناه بحر 2012 يفسر هذا التأثير، ومن تم فاعتصام “ألبان” مرتبط بالعامل الجغرافي، فمنطقة إميضر تتواجد بموقع جد ملائم لتوسيع دائرة الاحتجاج، نظرا لعدة مميزات، أبرزها بنية المجتمع بالجنوب الشرقي، هذا الأخير الذي يحمل دلالات تاريخية تختزنها الذاكرة الجماعية، ومن السهل جدا استحضارها في أي وقت وحين، أما الموقع الجغرافي للمعتصم “جبل ألبان” يقابل منجم إميضر شمالا، فقد تمخض أحداث 2004 و2010، باعتبارها أحداث مأساوية في تاريخ إميضر و في سفوحه وشمت أحداث 1996 بدماء المناضلين والشهيد “أسبضان”، وانتهت بالاعتقالات وتطويق الدواوير.

هذا ووجب التأكيد على أن ملف إميضر يتطور يوما بعد يوم بتطور الأحداث، وتسلسل المعطيات وتراكم التجربة، ويرتبط بثلاث أطراف مباشرة، تختلف مرجعية كل طرف عن الآخر، فالأمر يتعلق بصراع تاريخي بين السلطة والثروة من جهة ومصير منطقة وساكنتها من جهة أخرى، ونوضح الأطراف كما يلي:

ـ ساكنة إميضر: عمرت هذه المنطقة لقرون وعقود، تضررت من أشغال المنجم وما يخلفه من تدمير للبيئة، وتعاني النهب والقهر والقمع… دخلت في عدة نضالات منذ بداية استغلال ثروتها وانتهاك كرامتها واغتصاب أراضيها… تسعى الساكنة للقطع مع العوز والإقصاء… وتكافح من أجل تحقيق التغيير المنشود وتنمية حقيقية تنبع من إرادتها.

ـ شركة معادن إميضر: اشتغلت بالمنجم منذ 1969 لإنتاج الفضة، وهي تابعة لمجموعة مناجم التابعة بدورها للشركة الوطنية للإستثمار التي امتصّت ONA في 25 مارس 2010، لم تنحصر أشغالها في التنقيب عن المعدن وإنما شملت معالجته أيضا في إميضر مما حتم عليها استغلال الثروة المائية والتوسع في أراضي غير مسندة لها زيادة على المقالع الرملية والمواد الكيميائية المستعملة للمعالجة، و تسعى لإنماء رأسمالها : منطق “الربح بأقل الخسائر، وجمع الأموال في أقل وقت ممكن”.

الدولة: السلطات: تسهر على ضمان الأمن و الاستقرار وحماية المواطن، بتوفير العيش الكريم التمدرس والصحة… وتعمل على تطبيق القانون، إلا أنها انحازت عن دورها وأرجحت تساند الشركة المنجمية، هذا ما تعلمناه في درس من دروس النضال (الثروة والسلطة، معادلة متكاملة). وتسعى لبسط السيطرة، وتصفية أي صوت يكاد يكشف خباياها، وتكبح أي حراك يكشف عن زيف شعاراتها البراقة (في أحد المشاهد من مسرحية محاكمتنا ـ محاكمة مغلقة ـ يوم 30 أبريل 2014، قالت النيابة العامة إن الهدف من هذه الأحكام القاسية هو ردع الساكنة)، فلماذا ردع ساكنة تناضل على حقوقها؟؟؟

هناك تواطؤ بين الأطراف المتدخلة في هذه القضية التي تشغل الرأي العام، إذ هناك من حسم موقفه وهناك من انقلب عليه فجأة، والبعض الآخر لم يعد يفهم شيئا، وسنقف هنا لنوضح بعض الأزمات المفتعلة و الإكراهات التي تشكل عراقيل للوصول إلى مقاربة متكاملة للحسم في الملف بعيدا عن أي لبس وتغليط، فهي أزمات عميقة ومتداخلة معقدة أحيانا : أزمة موقع الحدث (إميضر)، أزمة تاريخية وأزمة إستراتيجية، وترصد خصوصيتها فيما يلي :

1 أزمة موقع الحدث: ترتبط بمنجم إميضر والمنطقة التي يتواجد فيها، وللتقريب من فهم هذه الأزمة أكثر، نعيد طرح أربعة أسئلة سبق أن طرحها نائب برلماني من تنغير بالبرلمان ـ ونطرحها على صيغة : من؟ ماذا؟أين؟ وكيف؟ ومن يستغل منجم إميضر؟ أو بعبارة أخرى: استغلال الثروات والخيرات (المعدنية، المائية، البيئية والبشرية…)، بمنطقة إميضر التي تعاني الإقصاء والتفقير… بطرق غير عقلانية، دون الإلتزام بالنصوص القانونية المتعلقة بالموضوع، من طرف شركة معادن إميضر، أحد رؤوس الأخطبوط الملكي (الهلولدينڭ الملكي)، وتمثل هذه الأزمة من الطابوهات المسكوت عنها، وكانت وراء تراجع بعض المهتمين، معظمهم إعلاميين، إلا أن بعض الإعلاميين الدوليون غالبا أماطوا اللثام وكشفوا الستار وعبّروا عنها بالعناوين وفي المواضيع.

2 أزمة تاريخية : منها ما يتعلق بتاريخ المنطقة، والتي أغلب سكانها ينتمون إلى اتحادية أيت عطّا ، وما تختزنه الذاكرة الجماعية، خصوصا ما يرتبط بإنسان الجنوب الشرقي، هنا نستحضر زيارة مناضلي إميضر لمناضلي اعتصام “واكليم” بداية 2012 وما خلق من استنفار أمني آنذاك، تحسبا لأي تحالف محتمل (ساكنتي واكليم و إميضر تنتميان لنفس الفخذة ونفس الخمس من اتحادية أيت عطا)، وعندما نتحدث عن الجنوب الشرقي فإنه مخزن هام للمعادن بنسبة 54% من الاحتياط المعدني حسب المعطيات. ومنها ما يتعلق بتاريخ إميضر، الذي عرف محطات نضالية بطولية، رسخت في الذاكرة الحية وأذان أبناءه، وهي قابلة في أي وقت ومكان لاستعادتها، ما يوجس تخوفا من إعادة تكرار تلك التجاوزات والخروقات، التي لم تعد تقبل في هذه المرحلة التاريخية (ما دفع المخزن إلى جانب دوافع أخرى، للتعامل مع الوضع بطرق سلمية واستبعاد التدخل الأمني).

أزمة إستراتيجية : تعد هذه الأزمة محكا حقيقيا للسلم والأمن الاجتماعيين، وتشكل مفترق تصور ورؤية كل طرف، وتوجه تدبير كل واحد منهم لملف إميضر. لقد صار استغلال المناجم من النقاط الحساسة، مما يتطلب تنفيذ مخططات وبرامج تحد من الاحتجاجات بالمواقع المنجمية، ومن هذا المنطلق صرفت ميزانيات ضخمة لإخراج “برنامج تنمية المحيط المنجمي” إلى الواقع، فهو بمثابة خطوة استباقية باءت بالفشل. و لم تختلف خطوات الدولة عن خطوات الشركة، فاحتواء أي حراك قد يشوه سمعة الدولة ويكشف وجهها الحقيقي أصبح ضرورة حتمية، إن الإستراتيجية المتبعة من طرف الدولة تفسر فشلها في حل أو احتواء الحراك بإميضر، وهذه الأزمة تفسر غياب الجرأة في حل ملف إميضر الحقوقي الذي أخذ من النضال عقدين من الزمن، فأين يكمن الخلل إذن؟؟

كلها أزمات تستوجب الحس بالمسؤولية والكفاءة والتحلي بالقيم الأخلاقية لتجاوزها في أفق حل منصف ومرضي، أشير هنا إلى أن استمرار الوضع على هذا النهج يزيد في تعميق هذه الأزمات، علما أن المرحلة مرحلة تفهم الوضع لتقليص المسافة بين الأطراف تمهيدا لمقاربة متكاملة ومتجانسة، وهنا وجب التأكيد أن جذور هذه الأزمات تعود إلى صراع مديد وكفاح مرير، عبر تاريخ فسيح، وقد تستمر للأجيال المقبلة في حالة غياب حسن النية وغياب الثقة، لإعداد برامج تستجيب لتطلعات الساكنة وتنهي معاناتها… وقد يزيد تعميق الفوارق أمام أصوات تعلوا لتكافؤ الفرص، وبجدر التذكير في السياق ذاته أن الإنزلاقات والزلات المرتكبة في هذه المرحلة تعمق الجذور أكثر، حيث معالجتها أمر ضروري في سبيل وصل الخلل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والبيئي والأخلاقي القائم.

يدخل ملف إميضر، إذن، مرحلة خطيرة تتحمل الدولة مسؤولياتها، اعتبارا أن الملف حقوقي يستلزم مقاربة قانونية، أي تطبيق القانون، غير أن غياب بعض القوانين (بعضها يجب تحيينه أو صياغته) المتعلقة بالمناجم و المقالع… يخلق نوعا من الفراغ القانوني (مثل غياب قانون ينظم الأراضي السلالية، فالقانون المعمول به يعود إلى سنة 1919، ومناطق الجنوب الشرقي عموما آنذاك لم تكن معنية بذلك القانون ونظامها عرفي ـ إلى الآن ـ فالمناطق المعنية به، هي المناطق المسيرة تحت النفوذ الفرنسي). وهذا الغياب يفسر هرب الدولة من مسؤولياتها، وهو المؤشر الذي يمكن من خلاله استنتاج رفض المقاربة القانونية التي تنادي بها الحركة.

إن تمسك حركة على درب 96 بملفها الحقوقي ونضالها السلمي علاوة على فتح باب الحوار جعل من المسؤولين يستعصون استوعابها، في المقابل جعل من الحركة قوة بقوة المواثيق الدولية، لذا استقطبت تعاطفا ودعما معنويين كبيرين أمام القوى الحية واستغلت الحركة تهور المسؤولين في عدم التدخل مبكرا لحل ملف ستقوى يوما بعد يوم مما فسح لها المجال للتركيز على المقاربة القانونية وتقسيم الملف إلى مجالات وضع المصالح الخارجية في موقف حرج، و قلنا سالفا أن التدابير المتخذة مختلفة تماما، فكيف يتم تدبير الملف؟

إن الأطراف المعنية تنفذ تدابير مختلفة و منفردة غالبا، وليست تدابير مشتركة و موحدة في خطة أو برنامج أكثر موضوعية وواقعية؛ فالحركة منهجها المنفرد يميل إلى مقاربة قانونية و تشاركية، بينما يميل تدبير الدولة نحو التطاول ومقاربة أمنية، أما الشركة المنجمية فلا تبالي بالملف وتتجاهل الحراك… وهكذا يتم تنفيذ التدابير :

1 تدبير الشركة المنجمية : اتسمت سبلها في أغلب الأحيان باللامبالاة، وتركز على الجانب القضائي (شكاية 23 غشت 2011 ضد لجنة الحوار…)، أما موقفها: “هناك أطراف يرفعون مطالب تعجيزية، هدفهم استمرار الاعتصام، لكونهم يستفيدون من التطاول ويخدم مصالحهم”، مما دفعها إلى رفض الحوار ـ بعد 16 جولة ـ مع الساكنة، لكن لم يدم طويلا حتى استندت إلى بعض الأعيان لمحاورتهم في نفس الملف الذي صنفته من الخيال و المستحيل لتبرير اتفاقية مبنية على مقترحاتها إبّان آخر جولة حوار مع الساكنة، هذا إلى جانب اتخاذ مجموعة من التدابير داخل المنجم، وبالضبط ما يتعلق بالبيئة والمياه الصناعية…

تدبير السلطات (الدولة) : استغلت وبكل ذكاء الوضع لتصفية عدة ملفات، ترتكز على إجراء ات وإصلاحات ترقيعية عوض مقاربة قانونية، استبعدت التدخل الأمني لفك الاعتصام، لكن هذا لا يعني أنها بقيت مكتوفة الأيدي، بل تستخدم كل آلياتها وأجهزتها السلطوية لاحتواء القضية وإفراغها من محتواها، وتمييع المناضلين وإذكاء النزعات العرقية، وزرع البلبلة في أوساط الساكنة في أفق تشتيت القوى، بدل تحريك المسطرة وتطبيق النصوص القانونية الجاري بها العمل والتحقيق في الملف. و للاعتقالات قسط وافر منذ بداية الاحتجاجات (20 شتنبر2011)، لتتخذ من إميضر مختبر تفعيل النصوص الجنائية عوض تفعيل الدستور وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى غير ذلك، كلها تدابير تخدم الشركة المنجمية إلى أبعد مدى.

3 تدبير حركة على درب 96 : دخلت في أشكال احتجاجية سلمية للضغط على المسؤولين وركز خطابها على ما هو حقوقي، ثم رفضت الحلول الترقيعية المقترحة، ويبقى الحوار الواعي أحد اختياراتها الإستراتيجية، دون التنازل عن أي حق، مع وضع إمكانية تقديم تنازلات (جدولة زمنية)، ولا يمكن أن ننسى أن الحركة تلح على ضرورة حل الملف داخل المجال الترابي لإميضر، وترفض الحوار خارجه لدوافع مختلفة منها طريقة تدبير الأطراف الأخرى للملف…

يرجع اختلاف التدابير إلى اختلاف المرجعية والتصورات، ويمكن أن أقول أنها تمثّل الإكراهات التي تشكل حجرة عثرة للوصول إلى الحسم النهائي للملف، وأمام هذه الإكراهات فضلت الشركة الابتعاد أكثر أما السلطات فاختارت سياسة اللامبالاة حتى إشعار آخر، اعتمادا على التماطل والوقوف موقف المتفرج على ما تشهده المنطقة، واستمرار التعامل بمنطق “كم حاجة قضيناها بتركها”، ولا يبقى للحركة سوى آلياتها النضالية المشروعة، هذا علاوة على مواقفها وأفكارها، وعليها خلقت آليات وأبدعت طرق جديدة تعتمد أساسا على الكيف قبل الكم.

لا بديل عن الجدية، فقضية إميضر قضية إنسانية قبل أن تكون حقوقية… فالأطراف مدعوة أكثر من أي وقت مضى ـ وبكل روح نقدية ـ إلى إعادة مراجعة طرق تدبيرها للملف، واستيعاب تأثير الأزمات وإدراك المخاطر التي ينذر بها المستقبل، وينتظر تدخل الدولة في بلورة وإرساء خطط تكسوها المسؤولية، الإرادة الخالصة والحوار الواعي والكف عن المخططات المسمومة وبعيدا عن تزييف وعي الرأي العام واستفراد الحركة للإجهاز عليها. انطلاقا من هذا الإطار الموضوعي، أؤكد أن الوضع بإميضر يقترب من حافة الإفلاس، فهو في نمو و تقدم مستمر، قد يؤسس ـ من حيث لا نشعر ـ لانزلاقات وتطورات يصعب التحكم فيها و توجيهها… قد أجازف بالقول أن الدولة لا تمارس دورها وحضورها وقد أجازف أكثر بالقول أنها المسؤولة عن هذا الوضع وما سيؤول إليه مستقبلا.

هكذا على الدولة ملأ فراغها الناتج من فشل كل مقارباتها، وبعد إبراز الإكراهات التي تقف ندا لحل الملف، وإبراز الأزمات وطرق تدبير الملف، فالأطراف مدعوة للدخول في المصالحة والمصداقية والحوار الواعي، إذا كانت هذه المبادئ تفضي إلى فعل إيجابي لطرفي الشركة المنجمية والدولة، أما الحركة فخيارها يتجلى في الحوار الواعي، فكيف السبيل إلى الحوار الجدي والمصالحة والمصداقية؟ لا أعني بالحوار الواعي الاستسلام والإذعان والصمت والقبول، ولا أعني بالمصالحة نسيان هضم الحقوق ودس الكرامة ونهب الثروات واغتصاب الأرض والإنسان، وإنما الانفتاح ومعانقة العدالة الإجتماعية وإقامة المبادئ والقيم.

الحل سهل وصعب في آن واحد، فالحل صعب في استمرار تعنّت الشركة المنجمية وعجز الدولة عن تحريك المسطرة وتنزيل القوانين، واستمرارها على النهج الأمني، الحل سهل.. كيف وأغلب المكترثين يلاحظون تباعد تصورات الأطراف؟ فرغم هذا التباعد وشد الحبل بين الأطراف، إلا أنها تتقاطع وتتلاقى في القانون، وعندما نصب تصوراتنا ووجهات النظر في محيط القانون فإننا نجد أن الحل سهل وغير مكلف وأطرحه على الشكل التالي :

ـ الدولة : تفعيل التشريعات والنصوص القانونية (وصياغتها)، تفعيل الحوار الاجتماعي، تنزيل (((الدستور))). حل الملف بالقانون بعيدا عن العلاجات التقليدية (ليس لحل الملف وفقط، لكن لأن الوضع وصل إلى حد تهدي السلم الاجتماعي)، ثم إرغام الشركة على العودة لطاولة الحوار لتقريب وجهات النظر وإقناعها بعدم بسط تصورها واستيعاب المقاربة القانونية.

ـ الشركة المنجمية : لكونها طرف، لا مجال للتهرب من مسؤولياتها، عليها واجبات يجب أن تلتزم بها بقوة القانون ولها حقوق ستنالها بقوة القانون، فزمن الغدر والتسلط قد ولّى، وخرق القانون لم يعد مقبولا وإبرام اتفاقيات فارغة دون تنفذها أمر مرفوض.

– حركة على درب 96 : ليس من العدل التنازل عن القانون، وأي حق يضمنه يجب على الدولة أن تضمنه، والتنازل عن الحق ذل، فالنضال من أجل الحق واجب، ومن المحتشم أن تكون الضروريات موضوع نقاش تكون الدولة طرفا فيه، والحركة منذ البداية تدعو إلى مقاربة تشاركية وقانونية.

مما تقدم وكما هو معروف، فإن عين الدولة على إنهاء المعتصم وإجلاء الحراك، ومبتغى الشركة المنجمية هو السير العادي للعمل وإنهاء الاحتقان بمحيطها، أما الحركة فالاستفادة من ثرواتها وخيراتها لا يقبل النقاش، لذا فبالعودة للقانون والامتثال له سنجد الحل، أي أنه بالقانون ستنهي الحركة احتجاجاتها واعتصامها وهكذا يتحقق مبتغى الدولة، وبالقانون نفسه ستستمر الشركة في أشغالها (أو إفراغ المنجم إن فرض القانون ذلك) وتتحقق غايتها وبالقانون تستفيد الساكنة من ثرواتها وخيراتها، وبهذا فإن الحل سهل، لا يتطلب سوى روح المسؤولية، فكيف السبيل للحوار الواعي؟ لكن من المؤسف أن المعنيين يضعون أولويات أخرى قبل المقاربة القانونية،

أقول هذا لأنني متأكد أنه لو كانت التدابير التي تتخذها كل من الدولة والشركة المنجمية تجدي نفعا لحقق الهدف وحسم الملف وقدمت حلول مناسبة، ومنه، فإنه لا بدّ من :

ـ الحوار الواعي والجدي، الالتزام بالموضوعية والمصداقية…

ـ المقاربتين القانونية و التشاركية لتكريس النزاهة.

ـ الحس بالمسؤولية لتكريس ثقافة الواجب والقيم الأخلاقية.

ـ إلغاء الأحكام المسبقة و الحزازات الضيقة والخلفيات الإيديولوجية.

…………

*المعتقل السياسي لحركة “على درب 96 ـإميضرـ” سجن توشكا، الراشيدية

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *