اكتشاف بقايا مجتمع يهودي مغربي يعود لقرون بمنطقة “تمنارت”

اكتشف باحثون مغاربة وإسرائيليين وفرنسيين مؤخرا بقايا مجتمع يهودي مغربي يعود لقرون، بمنطقة “تمنارت” التابعة لإقليم طاطا، بعد التنقيب عن كنيس يهودي مدمر في جبال الأطلس لإنقاذ القطع الأثرية القديمة التي تسلط الضوء على الحياة اليومية لليهود.

وقام الجغرافي بجامعة السوربون في باريس وعضو فريق البحث ديفيد جويوري بالتصوير لـ i24NEWS ما وجدوه في محاولة لفهم دلالة هذه القطع الأثرية المهمة جدًا في الكشف عن مطعيات جديدة عن تاريخ اليهود بالمغرب.

وقال جوري للمصدر الإعلامي: “وجدنا آلاف الصفحات من النصوص الدينية ونصوص مكتوبة بخط اليد بلغات مختلفة” وتابع “كان يوجد الكثير من يهود الصحراء في المغرب، منذ أكثر من 2000 عام في هذه المنطقة” وتابع بأن” نتائج البحث ستعطينا مزيدًا من المعلومات حول الحياة اليومية للمجتمع اليهودي”.

وأشار جوري إلى أن “اللصوص دمروا الكنيس وأجزاء منه وسرقوا الكتب الدينية، مما دفع الجامعات الإسرائيلية والمغربية إلى التعاون بسرعة وإنقاذ القطع الأثرية المتبقية.وأضاف أن “هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها مؤسسات إسرائيلية ومغربية بحفر جماعي”

وأوضح ديفيد جويوري: “ما نريد دراسته هو الحياة اليومية للجاليات اليهودية بين المجتمعات المسلمة، وكيف تمكنوا من تنظيم طرق وشبكات تجارية مهمة جدًا من غرب إفريقيا إلى شمال إفريقيا، وحتى آسيا”.

وقال الباحث “من أجل توثيق جميع الروابط بين المنطقة الصحراوية والموانئ الأفريقية، يجب على الفريق الآن ترجمة أرشيف الكنيس القديم لفهم أعمق لما كان يحدث في المعابد اليهودية الأخرى في المنطقة”.

وتعكس هذه الاكتشافات الأثرية؛ وهي لقى ووثائق مكتوبة بالعبرية، معيش اليهود المغاربة بمنطقة يغلب عليها الطابع الجبلي الأمازيغي، وتعايشهم مع المسلمين قبل ما يزيد عن خمسة قرون.

وقال مسؤول التراث الثقافي بجهة سوس ماسة، العربي بروان، إنه في إطار “تدخل فريق مغربي بشراكة مع أساتذة من جامعة بن غوريون الإسرائيلية لإنقاذ كنيس تمنّارت الذي كان في حالة جد متردية، عثر على عدد كثير من الوثائق أغلبها مكتوبة بالعبرية”.

وأوضح في تصريحه لـموقع “سكاي نيوز عربية” أن هذه الوثائق التراثية “تتضمن بشكل أساسي عقود شراء وعقود زواج، إلى جانب وثائق دينية وبعض التمائم”.

وقال المصدر نفسه: “من خلال مختبر لمعالجة الأرشيف في عين المكان، تمكنا من حفظ البعض من هذه الوثائق التي تضررت جراء الأمطار التي عرفتها المنطقة، فيما يُرَمّم الكنيس على يد المهندسة المعمارية سليمة الناجي”.

وتابع المسؤول بوزارة الثقافة، أن “الوزارة اشترطت على الفريق أن يُحتفظ بهذه الوثائق كتراث وطني، وهي توجد كلها بمقر مديرية الثقافة بمدينة أكادير”.

ويرى الباحث في التاريخ اليهودي المغربي، رشيد دوناس، أن أهمية الاكتشاف الأخير، “ينبع من كونه يؤكد على قدم التواجد العبري ببلاد المغرب في فترة لاحقة، وهي حقيقة تاريخية يؤكدها كل الباحثين ذوي الصلة بهذا الموضوع”.

ويقول دوناس في حديثه لـموقع “سكاي نيوز عربية” : “الجماعة اليهودية تجذرت في هذه البقعة من العالم؛ ونعني بذلك اليهود التوشابيم، أي اليهود البلديين وهي الجماعة اليهودية المحلية، التي طعمت بقدوم يهود الأندلس أي اليهود الماغوراشيم، وهي الجماعة اليهودية التي نزحت من شبه الجزيرة الإيبيرية، بعد رحيلهم خلال وبعد سقوط الاندلس إثر تعرضهم للاضطهاد”.

لكن الباحث في التاريخ اليهودي المغربي، ينبه إلى أنه في “إشكالية تأصيل التواجد اليهودي بالمغرب، يجب أن يدرس أكاديميا عبر مناهج العلوم الإنسانية، وبدون خلفية إيديولوجية، وبدون مزايدات سياسية، وهو ما سيسمح لنا بالحصول على أجوبة موضوعية، تفيدنا في إعادة بناء ذاكرتنا الجماعية المشتركة”.

ويعتقد المتحدث ذاته، أن اليهود والأمازيغ في المغرب “شكلا منذ تاريخ موغل في القدم مكونا أصيلا من مكونات الشخصية المغربية، وهو ما يفسر التشابه والتماثل الحاصل في العديد من الطقوس والعادات الحضارية المشتركة، النابعة من التثاقف بين الطرفين سوسيو-ثقافيا منذ قرون، بشكل يؤكد توفر مناخ الاعتراف بالآخر والتعايش معه”.

وهذا التعايش الفريد من نوعه، “اغتنى أيضا بتعاقب العديد من المكونات الحضارية على بلاد المغرب (المنحدرة من المجال المتوسطي بكل غناه وتنوعه)، وهو ما يعني أن الثقافة الأمازيغية كانت دائما ثقافة منفتحة، وغير منغلقة على ذاتها على الدوام”، يردف دوناس.

ويعتبر الباحث في التاريخ الاجتماعي لمنطقة الأطلس الصغير، الحسن تيكبدار، أن “يهود تمنّارت يدخلون مع المسلمين الأمازيغ في علاقات يومية مختلفة، يطبعها في غالب الأحيان طابع تجاري وهي علاقة متبادلة وتتميز بنوع من البراغماتية؛ فاليهود والمسلمون في مختلف القبائل يخضعون لأعلى سلطة في القبيلة والتي تتمثل في شخص أمغار، إذ تسود بينهم وبين هذا الأخير علاقات حميمة وطيبة ويلجؤون إليه في أي وقت أحسوا فيه بظلم من أي طرف كيفما كان”.

في اتصاله بـموقع “سكاي نيوز عربية” يحكي الباحث في التاريخ الاجتماعي للمنطقة، أن “الرواية الشفوية المستقاة من جل المُسنّين الذين عايشوا يهود تمنّارت، تخبرنا أن الساكنة المحلية دخلت في علاقة شراكة مزدوجة مبنية على الربح، فقد كان يشترك مردخاي اليهودي مع مبارك المسلم بقرة حلوبا ليرعاها بالعلق مقابل النصف من الأرباح وقت بيعها”.

على المستوى الثقافي واللغوي، “كانت العائلات اليهودية بتمنّارت تتحدث بلغتها الأم تشلحيت إلى جانب العبرية، بل لا زال بعض المسلمين المحليين إلى الآن يحتفظون في ذاكرتهم بمجموعة من المفردات العبرية”، يبين نفس المصدر.

وأضاف تيكبدار، أن “هناك تفاعلا بين اليهود والمسلمين بتمنارت عبر العادات والتقاليد والطقوس المستعملة في الزوايا والأضرحة الموجودة غير بعيد عن التجمعات اليهودية، ويشارك اليهود المسلمين تقديس بعض الأضرحة وأحيانا يتبركون بنفس الصلحاء أو يحجون إلى مزارات مشتركة”.

شاهد أيضاً

استمرارية مبادرة “تافسوت ن أوسيرم” و أول مشروع للتدبير الذاتي للنفايات بإزيلف

راسلت جمعية أصدقاء واحة إزيلف كل من رئيس جماعة أفركلى السفلى و رئيس المجلس الإقليمي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.