أخبار عاجلة

الألوان… أمازيغيا!

13087580_10207427972750810_4292382770806645185_n

د. عبدالله الحلوي

سأحاول في هذا المقال أن أنفض الغبار عن جزء صغير من المعجم الأمازيغي الذي يعبر عن “تجربة اللّون” لأبين بأن هذا المعجم يستوفي شَرْطَي “الدقة” و”الغنى” اللذين تتميز بهما التعابير اللونية المتطورة.

ما هو “اللون”؟

اللون تجربة بصرية يخبرها الفرد في حيّز وزمان معلومين، وظيفتها الأساسية أنها تمكّن المبصِر من التعرف على المواضيع البصرية وإعادة التعرف عليها وتحديد مكانها (موسوعة سانسفورد الفلسفية، 1997). وقد أصبح معظم الفلاسفة والعلماء، انطلاقا من هيوم (في “رسالة حول الطبيعة الإنسانية 1738/1911 ك.3، ك.1، ف.1 ص. 177) مقتنعين بأن اللون ليس خاصية من خصائص الموضوع البصري ( = الشيء الذي نبصره) بل هو إحساس ذاتي ناتج عن تأثير الضوء المنبعث من الموضوع البصري.

لذلك يحذرنا پالمر، س.ك. صاحب كتاب “علم البصر” (1999 من منشورات MIT) من الإنخداع بالتجربة الذاتية التي تجعلنا نعتقد أن السماء تبدو زرقاء لأنها زرقاء، وأن العشب يبدو أخضر لأنه أخضر. فالألوان ليست صفة من صفات الأشياء التي نخبرها بصريا (رغم أنها ناتجة عن طول المويجات الكهرومغناطيسية المنعكسة من هذه الأشياء)، بل هي صفات من صفات إدراكنا الحسي لهذه الأشياء.

لذلك فقد طور بعض العلماء مثل أڤريل (في مقال له عنوانه “الطبيعة العلائقية للون” نشر في Philosophical Review سنة 1992) وكوهن (في مقال له عنوانه “الذاتية، المادية، أو لا أحد منهما نشر في Consciousness and Cognition سنة 2001) ـ طوروا نظرية مفادها أن اللون هو في حقيقته علاقة بين المبصر والموضوع البصري يتغير مضمونها بتغير زاوية الإبصار، ونوعية الكائن الحي المبصر (إنسان، نحلة، كلب …). فيلزم عن هذا أن الألوان ليست مجرد قائمة من “الكيفيات” الحسية قابلة للتوصيف والنقل (باستعمال ألفاظ لغوية)، بل هي سديم من “القيم” ينتج مضمونها عن تفاعل الفرد بهذا السديم.

اللغة والألوان

ومما اكتشفه العلماء أيضا (برينت برلين و پول كي في كتابهما “ألفاظ الألوان الأساسية: كليتها وتطورها” 1969 منشورات جامعة كاليفورنيا) أن اللغات الطبيعية تتضمن إحدى عشر لفظا أساسيا للتعبير عن الألوان، وهي: الأبيض والأسود والأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والبني والبنفسجي والوردي والبرتقالي والرمادي. ومما يجمع الألفاظ المعبرة عن هذه الألوان بالنسبة لهؤلاء العلماء أنها ألفاظ بسيطة ( = نعبر عنها بمفردة غير مركبة). وأنها لا تشتق من غيرها (كما يشتق الأحمر القاني من الأحمر)، وأنها غير متعلقة بمواضيع بصرية مخصوصة (كاللون “أشقر” المتعلق بالشعر)، وأنها ظاهرة بالنسبة للمبصر (وليست ك”لون شعر جدتي” الذي قد لا يكون ظاهرا عند الجميع). ومن اكتشافات بيرلين وكي أيضا أنه إذا كان معجم لغة من اللغات يحتوي على لفظين للون اثنين فقط، فلا بد أن يكونا هما الأبيض والأسود، وإذا كان يحتوي على ثلاثة فسيكون الثالث هو الأحمر، وإذا احتوى على أربعة فسيكون الرابع إما الأصفر أو الأخضر (ولا يمكن أن يكون كلاهما ضمن الأربعة).

ولكي تعبر لغة من اللغات بشكل دقيق عن الألوان ينبغي أن يتضمن معجمها خمسة أنواع من الألفاظ وهي: الألفاظ التي تعبر عن المضمون اللوني، كتلك التي تمكننا من التمييز بين الأزرق والأحمر. والألفاظ التي تعبر عن شدة اللون، كتلك التي تمكننا من التمييز بين الأحمر الفاتح والأحمر القاني. والألفاظ التي تعبر عن التدرج من لون لآخر، كتلك التي تمكننا من الإشارة إلى الأبيض المائل إلى لون القهوة (لون ما يسمية عامة المغاربة ب”حليب مهرّس”ّ). والألفاظ التي تعبرعن القيمة الجمالية للون، والألفاظ التي تعبر عن الحالة اللونية لمواضيع بعينها، كأن نصف الشعر ب”الأشقر”.

الأمازيغية والألوان

اللون باللغة الأمازيغية “ئيني” جمعها “ئينيتن”. وعندما تكون الألوان زاهية مُبهجة نسميها “تيكلاتين” من فعل “ئكلا” (ينطق بكاف مدوّرة) أي “صبغ بقصد التزيين”. وإذا قنأ لون الشيء (صار قانئا أي “مغلوق” كما يقال بالدارجة المغربية)، نقول: “ئغما”: قنأت اللحية “تغما تامارت”، فيقال مثلا “تلسا ئركاسن /ئدوكان د أراسن غْمان” “ارتدت حذاء بنيا قانيا”. وإذا كان الشيء فاتح اللون خفيفا وصفناه ب”أشهلال”. ومما تستعمله الأمازيغية للتعبير عن تدرج شدة اللون السابقة الصرفية “أفر …”. فالأبيض مثلا هو “أملّال” و”ؤمليل” (التي منها اسم مدينة “بني ملال”)، فإذا أردنا التعبير عن اللون الذي يمتزج فيه البياض بغيره (كلون الحليب الممزوج بالقهوة) سميناه “أفرملّال”، والأبيض المائل للخضرة “أفرزڭزاو”، وهكذا.

اللون الأحمر في الأمازيغية “أزڭاغ”, والأحمر القانئ “أمزيلو”. فإذا احمرّ الشيء قيل “ئزڭّاغ”. والحمرة التي تعلو وجه الإنسان (من الخجل مثلا): “تازوغي”. إذا اشتدت حمرة الشيء قيل عنه “ئڭّدو” (تاڭّداوت) و”ئجّوحبض”.

واللون الأخضر “أزڭزا”، و”أزڭزاو”. أما إذا كان الأخضر شاحبا، سُمي “أزرڭمو”. و “أدال” هو الأخضر المختص بالطحالب وزخارف الزرابي. وإذا اختضر العشب قيل عنه بأنه “يووْك”. أما إذا زرُق الشيء في أعم معاني الزرقة، نقول عنه بأنه “ئكزي”. وإذا كان في زرقة السماء قلنا “ئزوزو” (بتفخيم الزاي). وإذا زرقت العين قيل: “تزرول تيط”. ف”أزروال” هو أزرق العينين (التي منها اللقب العائلي “زروال” الذي يكنى به الكثير من المغاربة). أما الأزرق المائل إلى الخضرة فهو: “أويناغ” (توصف به العين خاصة). والأزرق المبقّع هو “أزرو ن واسيف” وشديد الزرقة “أموري”.

واللون الأصفر هو “أوراغ”. وفعل “اصفرّ” على العموم هو “ئوْراغ، ئوْريغ”. أما إذا اصفرّ التمر نقول “ئڭورضم”. والبني “أراس” .. فتقول: “أرازال ئنو ئڭا أرا” الذي معناه “قبعتي بنية”. تصف العين بهذا اللون فتقول: “تيطّاوين نس د تاراسين”.الوردي “أزواواغ” (ئزويوغ). ولون الورد “تيزويوْغت”. والبنفسجي “أماكزّي” (ئكزي، بتفخيم الزاي).

واللون الأسود “أبخّان”، “أبخّيش”، “أبركان”، أ”برشان”، “أموشّا”، “أسطاف”، “ئيضيلي” “ؤنڭال”، “أسڭان”، “ئسدين”، . أما اذا قصدنا تسويد الكتاب بالحبر قلنا “ئسّركس” (ئسّركس تيرّا)، فتكون المسودة “تامركاست”.

ويوصف الشيء المضيء بغض النظر عن لونه ب”‘أمافّاو” (جمعها “ئمافّاون”) و”أسافو” (جمعها “ئسوفا”). والشيء “اللامع” و”المُلمّع” يسمى “أمسوسغ” (جمعها “ئمسوسغن”) و”أسفلالاي” (جمعها “ئسفلالاين”). والضوء المُتلَألأ “أسيدّ” (جمعها “ئسيدّن” و”ئسادّن”). فإذا تلألأ الشيء قيل عنه “ئسّغ” و”ئسفليلّي”. أما إذا تلألأ الوجه فرحا وابتهاجا، قلنا عنه “ئزمز ؤدم”.

خلاصة

تتضمن اللغة الأمازيغية معجما لونيا دقيقا وغنيا، وذاك مظهر آخر من مظاهر عبقرية هذه اللغة.

abdellahelhaloui@gmail.com

 

شاهد أيضاً

إلى السيد أبو يعرب المرزوقي: من حقنا أن نختار “أخف الضررين”

لدكتور أبو يعرب المرزوقي رمز من رموز الثقافة الإسلامية في تونس، وإن كان البعض ينسبه ...

تعليق واحد

  1. تحية للأستاذ القدير ’أحب أن أضيف الى ماقلتم كلمة أحرملال والتي تقابلها حسب السيد أحمد حداشي مؤلف معجم تامازيغت آيت مرغاد (آيت يافلمان) blanchâtre وهي مركبة من حر أو أحر وتعني في نظري شبيه ب أو أفرب الى لأني سبق أن سمعت بالسابقة في عنوان لحكاية أمازيعية (حرمجوض) وأملال, فاذا كانت كلمة حرمجوض مركبة من حر وأمحوض التي تعني الأصلع فالمقصود بها من يشبه الأصلع وبناء على هذا كلمة أحرملال تعني ما يشبه الأبيض.وشكرا جزيلا على كل مقالاتكم المفيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *