الشعر الأمازيغي- أزايكو- الإيديلوجيا: حوار مع الباحث محمد تايشينت حول كتابه النقدي عن أشعار صدقي علي أزايكو

أصدر الباحث المغربي محمد تايشينت عمله النقدي الأول ” الشعر و الإيديلوجيا: في التحليل النقدي للاستعارة ” عن منشورات منظمة تاماينوت فرع أيت ملول في إطار مشروعها الثقافي تالا للبحث والإبداع الأدبي الأمازيغي، وهو عمل استطاع مؤلفه الاشتغال على إحدى المتون الشعرية الأمازيغية المعاصرة الخصيبة والمؤسسة للحداثة الشعرية الأمازيغية، والتي تتمثل في المنجز الشعري للشاعر الراحل صدقي علي أزايكو، وقد اختار الباحث موقعا قرائيا معاصرا يتمثل في التحليل النقدي للخطاب للبحث في بياضات الإيديلوجيا والتشكيلات الخطابية الثاوية في تجربة شعرية، انبثقت في زمن ثقافي معقد ومركب يطبعه وهج باراديغم الصراع والتطابق و انتفاء الاعتراف والاختلاف والتعدد.

في هذا الحوار نستضيف الأستاذ محمد تايشينت الباحث في مختبر النص والخطاب في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة ابن زهر بأكادير، قصد الاقتراب من تجربته النقدية الجديدة.

إعداد وتقديم: أحمد بوزيد

– اشتغلت في كتابك ” الشعر و الإيديلوجيا ” بواسطة مقاربة التحليل النقدي للخطاب على متن شعري أمازيغي ، ما هي الموجهات التي حكمت اختيارك لهذه المقاربة دون غيرها من المقاربات النقدية المعاصرة؟

جاء اختيار التحليل النقدي للاستعارة مقاربةً للاشتغال بالمتن الشعري لأزايكو نظراً لطبيعة الإشكالية التي سعى العمل إلى الإجابة عنها، والمتصلة بأدوار الاستعارة في الخطاب الشعري لأزايكو، هذا الخطاب الذي ينطلق من خلفية إيديولوجية تولدت من انخراط الشاعر في مهام نضالية لها صلة بالقضية الأمازيغية في بعدها السياسي تحديداً. وقد رأيت، بناءً على ذلك، أن تجربته الشعرية لا يمكن فصلها عن سياق إنتاجها السياسي، وأن استعاراته وظفت لخدمة منطلقاته الإيديولوجية، يكفي أن يقف القارئ على الآليات المعرفية التي مكنت من الانتقال من الاستعارات التصورية وليدة المرجع الثقافي السياسي إلى استعارات إبداعية تمارس عملية الإخفاء لهذا المرجع، وهذا ديدن الشعر عموماً.

ومعلوم أن هذه المقاربة توظَّف في تحليل الخطاب السياسي، بوصفها مقاربة معرفية تتتبع الاستعارات التصورية لتكشف عن خلفياتها وغاياتها. ولأنني رأيت في الخطاب الشعري لأزايكو منزعاً سياسياً سعيتُ إلى تطويع مفاهيم المقاربة لتكون مؤهلةً للكشف عن هذا المنزع، مع الحرص على تجنب الإسقاطات، ولي عنق المفاهيم خدمةً لنتائج معروفة سلفاً. تضاف إلى ذلك غايةٌ أخرى لأجلها جرى الركون إلى التحليل النقدي للاستعارة تتبدى في فتح نقد الشعر على مقاربات جديدة قصد تجديد القراءة، والبحث عن نتائج مغايرة، خصوصاً أن فتح الخطاب الشعري على المقاربات المعرفية رهان جديد نسبيا في الغرب، وغائب كليا في الثقافة الأمازيغية.

إلى أي حد أسعفك المتن الشعري لصدقي علي أزايكو في كشف تجليات اشتغال الإيديلوجيا في التجربة الكتابية والتأليفية لصدقي علي أزايكو؟

لقد مكنتني المقاربة من تجلية مواطن الإيديولوجيا في نصوص أزايكو بشكل كبير، ذلك أنني لم أكتفِ بالمتن الشعري لبلوغ هذه الغاية، بل وسعتُ المتن ليشمل كتاباته الأكاديمية، ومقالاته التي تبرز مواقفه السياسية حول الأمازيغية، وعملت على إبراز التطابق بين منطلقات الشاعر في المتون كلها، بل إن بعض الاستعارات التي نجدها في نصوصه الشعرية، تكون هي نفسها في نصوصه السياسية، وكتاباته في التاريخ والثقافة. كما أن اختياراته الشكلية لم تنفصل عن السياق العام الذي أنتجت ضمنه التجربة، مما يسمح بالقول إن أزايكو كان يشتغل في إطار مشروع كبير يعد الشعر أحد أجزائه الأساس.

– نعرف أن التحليل النقدي للخطاب تتوجه مفاهيمه وآلياته التحليلية لدراسة الخطابات السياسية والتربوية والإعلامية، إلى أي حد استطعت الاشتغال بهذه المقاربة على خطاب جمالي؟

كما قلت لكم سابقاً، إن أزايكو، إلى جانب كونه شاعراً، هو مناضل سياسي، قضى ردحاً من الزمن مدافعاً عن قضيةٍ، ومنافحاً عن موقف، وقد سخر إمكاناته كلها في خدمة قضيته وموقفه، بما في ذلك نصوصه الشعرية. ثم إن تجربته في الشعر نشأت في سياق سياسي سمته الكبرى الصراع الفكري بين إيديولوجيات متعددة، رأى الشاعر أنها مارست إقصاء للأمازيغية من الفضائين الثقافي والسياسي في المغرب وقتئذٍ، فعمل على مواجهتها فكراً وشعراً. ثم لا ننسى أن أزايكو قضى فترة من عمره معتقلاً بسبب مواقفه، وأن جزءا مهما من تجربته الشعرية متصل بهذه المسألة. لكن هذه المعطيات كلها غير كافية للإقرار بوجود أرضية إيديولوجية لخطابه الشعري، ما لم يعمل الباحث على ضبط آلياته النقدية، وهذا ما مكنني منه التحليل النقدي للاستعارة.

– ماهي أهمية هذا العمل في المتداول الثقافي الأمازيغي بالمغرب، وما هي الامتدادات العملية التي يمكن أن يحققها في هذا المجال؟

قد يسهم هذا العمل في الدفع بأسئلة النقد الأدبي الأمازيغي في اتجاه المناهج الحديثة، خصوصا المناهج المعرفية التي تمتح من اللسانيات المعرفية، وعلم النفس المعرفي، والذكاء الصناعي، وغيرها من المجالات المعرفية/ العرفانية cognitives. ولعلني أنخرط، قريبا، في مقاربة متون شعرية أخرى في ضوء أسئلة الشعرية المعرفية، خدمةً لفعل القراءة أولا، وإسهاماً في بناء صرح النقد الأدبي الحديث في الثقافة الأمازيغية، والمغربية عموماً.

– المتتبع لمسارك البحثي يكتشف أن اشتغالك على الخطاب الأدبي الأمازيغي والتعبيرات الفنية الأمازيغية تطبع فعاليتك النقدية، ما سر هذا الاهتمام بهذا الخطاب؟

ولدت في جبال الأطلس الكبير، وفيها ترعرعت وكبرت، وعلاقتي حميمة بأحواش، ممارساً، ورئيساً لفرقة الراقصين، نسميه “أعلاّم”. لدينا، في ءيداوزيكي، نمطان من أحوش، العواد وءاسگا، والنمط الثاني نظمي، أي أنه ينهض على النظم الشعري، وعلى الارتجال في كثير من الأحيان. هذا هو الجزء الأول من هذه العلاقة. أما الثاني فله ارتباط بالتلقي، الذي تشكل فيه أغاني “الروايس” نسبةً مهمةً، لقد ربيت أذني، منذ الصغر على الكلاسيكيات، وعلى الإيقاعات الحديثة أيضاً، وقد علمنا ميشونيك أن الشعر إيقاع قبل كل شيء، لديّ دراية لا بأس بها بإيقاعات النظم الأمازيغي، أملك محاولات في الكتابة بالإيقاع التقليدي أخفيها لعدم ثقتي في جودتها. ثم، في مرحلة متأخرة شرعت في قراءة دواوين الشعر الحديث، قرأت لمستاوي وأنا في الإجازة، أما عن أزايكو فالحقيقة أنني سمعت بعض نصوصه في أغاني عموري مبارك قبل أن أقرأها ورقياً. كثير من الشعراء أصدقاء لي، منهم محمد وگرار، وعبد الله المناني، وصالح أيت صالح، وفاضمة فراس، وآخرون. ويشرفني أن يكونوا كذلك.

ثمّةَ معطى بسيط لا أعتقد أن له علاقة بهذا، هو أنني من أقرباء الشاعر الكبير الراحل محمد الدمسيري، أنا قريبه من جهة أمي الدمسيرية، وطالما حدثني السيدة الوالدة عنه، وعن حفلاته التي حضرتها في مراكش، ولذلك فأنا وأخي الأكبر نحفظ كثيراً من أشعاره. وكنت عازما على الاشتغال بتجربته في بحث الإجازة، لولا أن ظروفاً صرفتني عن ذلك لأشتغل بتجربة محمد أكوناض الروائية.

شاهد أيضاً

الأمازيغ والتبو يُصعّدان ضد مسودة الدستور الليبي

عبر المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا والحراك الوطني لشباب الطوارق والتبو عن رفضهم الاستفتاء على مسودة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *