المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (32)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية..

( الحلقة 32)
عندما تحل بوطننا او اسرتنا او ” قبيلتنا ” السياسية وهلم جرا من المقربين والحلفاء الموضوعيين أو الاستراتيجيين، نخضع أهواءنا الخاصة للحجر والتقييد، وننهمك، جاهدين، في خلق البيئة الملائمة لإفراز مادة الصمود والأمل والتآزر، بكل تفان وصدقية، ليس إيمانا بمأثورة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض” بل لتمثلنا لإنسانية لا حدود لها تجاه كل من يفترض فيه مبدئيا أنه ينوب عنا في تصريف أحلامنا ( بجميع الألوان )، بمن فيهم الدولة القوية والآمنة، ولست أعني الدولة المخيفة الأمنية؛

وهنا لابد من الإقرار بأننا، كمواطنين، وبصرف النظر عن اصطفافنا الحقوقي وامتهاننا القانوني وتمثلاتنا الفكرية والثقافية وانتمائنا السياسي، نعاني من أكبر إحراج أخلاقياتي في زمننا الإجتماعي، فبعد الإحراج الذي تسببت فيه ازدواجية الموقف، بين التطبيق الصارم لقانون حالة الطوارئ الصحية، بعلة حماية وإنقاد حيوات مهددة بوباء كورونا فيروس، وبين الاحترام المطلق لحقوق الإنسان باسم الكرامة، ولعب الإعلام “الفاضح” دوره السلبي في تأجيج حجم المفارقة ودرجة الإحراج الحقوقي.

ونفس الإحراج انتاب الحقوقيين والفلاسفة بعد الذي جرى في العالم وعلى الخصوص في اوروبا، حيث هناك نزوع نحو تطبيق طبّ الكوارث التي يفترض او يكره على تجريب سيناريوهات الإنقاد بالتمييز، وهو عمقه إعدام بواسطة الوصم أوالعنصرية، وهي “تخريجات” لا يتم اختبارها عادة إلا في أوقات الحروب. إذا تجاوز عدد المرضى في المستشفيات عدد مرافق الرعاية المتاحة في وحدات العناية المركزة فلا مفر أمام الأطباء حينها من اتخاذ قرارات مأساوية؛ مأساوية لأنها ستكون، في كل الأحوال وبالضرورة، قرارات غير أخلاقية. سيغري ذلك بالتنازل عن مبدأ “المساواة” في المعاملة بين المواطنين، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي، وأصولهم، وأعمارهم.. إلخ .

وكم أن يتوسع هذا الإحراج ويمتد في وطننا، خاصة وأن منظومتنا الصحية الوطنية لن تتحمل تفاقم حالات العدوى، في ظل استشراء نزعة عدم الانضباط لقانون وعدم تمثل معنى الحق في الحياة ، والتشويش الجاري لتضخم نزعة التواكل على اساس القضاء و القدر ، الى درجة تبخيس الحياة “الدنيا” وتقديس الآخرة كبديل وعوض، بما يشبه التحفيز على الانتحار في ثوب الاستشهاد. إنه واقع مزري حقا ، ولا يمكن للدولة في شخص عقلها الأمني وأجهزتها القانونية والايديولوجية أن تتنصل من مسؤوليتها المعنوية والدستورية، بعد أن تخلت عن مسؤوليتها الاجتماعية وانصياعها لإملاءات ومخططات المؤسسات المالية الدولية ووكالاتها الخبراتية والمخابراتية، منذ تجريب سياسة التقويم الهيكلي، ثم ما تلاه من إجهاز على البعد الانساني والاجتماعية في السياسيات العمومية إبرام “توافق واشنطن” سنة 1989 .

ونحن نعد لاستقبال مرحلة ما بعد الجائحة نحتاج الى رد الاعتبار للسيادة الوطنية المالية، ولسيادة القانون وضمان الأمن القانوني والقضائي، مما يستدعي تحذير الحكومة من تعسفها في استعمال القانون والحق في التشريع، فحالة الطوارئ لا تخول اي حق للمس باختصاصات المؤسسة التشريعية، فاستخلاص واجب التضامن من اختصاص مجال القانون، ماعدا الحالات التي يخولها الفصل 81 من الدستور، وهنا لابد من استشارة رؤساء اللجان البرلمانية ذات الصلة و الصلاحية. قريبا سنفرد حلقة خاصة لرفاقنا قدماء المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام، والذين استشهد من بينهم مصطفى بلهواري ومولاي بوبكر الدريدي، ولا زال بعضهم يعاني من التداعيات.

ورغم تضامننا معهم، يوم قررنا خوض إضراب لا محدود من داخل معتقلنا سنة 1985، لفك الحصار الإعلامي عن معركتهم البطولية وهم على حافة الموت، وقد طرح نفس النقاش، وانتابتنا حيرة واحراج كبيرين، خاصة وأنه تقرر إطعامهم قسريا، داخل غرف الإنعاش بالمستشفى. شخصيا عشت أكبر مفارقة طوقتني، فهل نتمسك بالحق المشروع في الإضراب عن الطعام كشكل من أشكال التعبير والمقاومة ، أم نحصن هذا الحق بضمان الواجب المقدس في الحياة ؟

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *