الوعي الأمازيغي لدى العلامة سيدي الحاج الحبيب التنالتي البوشواري

بنضاوش الحسن

لست هنا بصدد إقحام إسم عالم ومتصوف ومربي ومقاوم سوسي مغربي ، سخر حياته للتربية والمقاومة والتصوف والتعبد ، وخدمة وطنه إلى أن اختاره ربه إلى جواره، في مسألة الأمازيغية من باب توريطه وهو ميت في ملف يراه بعض رجال الدين تعصبا وبابا لتفرقة بين مكونات المجتمع المغربي، وهي بدعة من هؤلاء ليس بعدها بدعة متطرفة في حق تاريخ وحضارة هذا الشعب العريق، بقدر ما هي محاولة إستحضار الوعي الأمازيغي لدى شخصيات مغربية مارست بوعي ومصداقية وإيمان تمغربيت بكل تجلياتها وبدون أي تطرف أو غلو .

واختيار هذا العالم الجليل، الذي مارس التدين المغربي الأصيل ، ونظر له، وجاهد فيه ضد الغلو والتكفير ، وتصدى لكل الدخائل التي قد تفسد الخصوصية المغربية في التدين السليم والوسطي، لنبش في علاقته بالأمازيغية في حياته أريده درسا للمغاربة من أجل الإجماع على شرعية القضية الأمازيغية ، وقوة حجتها عبر التاريخ والحضارة والارض والانسان.

ورغم تجنيد الحركة الإسلامية منذ الغزو العربي لشمال إفريقيا ، وتسخير رجال الدين في محطات تاريخية معروفة ضد المكون الأمازيغي ، مما أدى إلى تنافر وتضاد بين الحركتين في الساحة الجامعية والفكرية وترتفع وتيرته مع قضايا تهم اللغة وعلمانية الدولة وحقوق الإنسان الكونية.

وعودة إلى الفقيه الجليل سيدي الحاج الحبيب التنالتي البوشواري دفين المدرسة العتيقة لتنالت، ورمز من رموز التصوف المغربي السوسي، كان له وعي أمازيغي في حياته، ويمكن اعتباره مساندا لأول خطوة تأسيسية للحركة الأمازيغية بالمغرب، وهنا يمكن العودة إلى مذكرات الأستاذ إبراهيم أخياط في كتابه ” النهضة الأمازيغية كما عشت تأسيسها وتطورها” وهو يتحدث عن زيارته لهذا الفقيه رفقة أصدقاءه، وكيف تم استقبالهم ، وتثمينه لعملهم ، بل قبول أعداد من منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي وطلب مناقشتها وقراتها من طرف الطلبة المدرسة العتيقة لتنالت، وهذا ما شجع الأستاذ الفقيد إبراهيم أخياط في مواصلة بناء مشروع الحركة الأمازيغية ، وقد شحنه أحد اقطاب الدين في المغرب بالشحنة الحسنة والقوية، وقد كان حسب مذكراته يخاف من مقاومة هذا الرجل ذات سمعة وقوة التأثير من رفض مشروع الحركة الأمازيغية الذي كان يحمله الأستاذ إبراهيم أخياط ، إلا أن الإستقبال والتقبل والدعم كان بداية حقيقة للعمل المباشر ، واعتراف حقيقي بمشروعية القضية .

وبعيدا عن مذكرات الأستاذ إبراهيم أخياط وزيارته للمدرسة العتيقة لتنالت، وفي نبش معرفي في حياة الفقيه الجليل، من خلال ما كتب عنه، ومن أفواه من بقي ممن عايشوه، كان الفقيه يمارس التدريس باللغة الأمازيغية مع طلبته رغم معرفته القوية باللغة العربية وقواعدها وقد كان في حياته يناظر ويناقش علماء اللغة العربية في القواعد والنحو والكلام ، وكان يخاطب الزوار وساكنة المنطقة باللغة المحلية وبشكل جيد وبمصلحات قديمة مما يؤكد تمكنه من اللغة الأمازيغية العريقة، وكيف وهو إبن أيت صواب الصامدة ومن عائلة البوشواريين.

وكان الفقيه الجليل سيدي الحاج الحبيب التنالتي البوشواري في حياته يقدم الدروس الدينية، والمحاضرات للطلبة في المدارس العتيقة التي مارس فيها فعل التدريس، وأثناء اللقاءات والجلسات الدينية والصوفية يخاطب الجميع بالأمازيغية ، ويوصي بالتشبت بها، خاصة عندما كان الإستعمار الفرنسي بالمنطقة ، حفاظا على اللغة الأمازيغية وخصوصيات المنطقة وحضارتها.

ومما سبق يمكن استنتاج الوعي الأمازيغي الأصيل لدى الفقيه الجليل سيدي الحاج الحبيب التنالتي البوشواري ، ومساهمته في ابراز أول شرارة الحركة الأمازيغية بالمغرب من موقع مساند ومنتصر لقضية وطنية ذات شرعية في التاريخ والحضارة والأرض ومن الإنسان.

شاهد أيضاً

الجزائر والصحراء المغربية

خصصت مجموعة “لوماتان” أشغال الدورة السابعة لـ “منتدى المغرب اليوم”، التي نظمتها يوم الخامس من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *