تأملات في جدلية النقابي والسياسي بالمغرب

انير بالا

لا شك ان هذا الجدل بين النقابي والسياسي، بمفهومه الفلسفي-الابستمولوجي، الذي يطفو إلى الواجهة من حين إلى آخر ليس وليد اليوم بل هو ضارب بجذوره في عمق تاريخ العمل النقابي في المغرب. شخصيا يذكرني هذا السجال بالمعارك والنقاشات الساخنة التي كانت تندلع في خضم حلقات مكونات وفصائل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بالجامعات المغربية، حيث كان دائما ما يطرح كمشكل من المشاكل المركزية في عمل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بكل مكوناته سيما باعتباره منظمة طلابية نقابية تتدخل في أمور الدفاع عن مصالح الطلبة. كما عايشنا نفس المشكل في إطار اشتغالنا في العمل النقابي المهني القطاعي الصرف.

وفي هذا المجال يجب الإشارة إلى ان الرأي ينقسم في موضوع تحديد العلاقة بين النقابي والسياسي إلى فريقين أساسيين. فريق يدافع، من جهة، عن فكرة أن السياسي والنقابي لا ينفصلان وهما وجهان لعملة واحدة. وفريق اخر يدافع، من جهة اخرى، عن استقلالية وانفصال النقابي عن السياسي. والحق ان كلا الفريقين على حق نظريا و منطقيا.

من المعلوم ان مفهوم العمل السياسي يظل مفهوما شاسعا وشاملا، حيث إن كل ما يقوم به الفرد أو الجماعة فهو سياسي في جوهره كما تنص على ذلك جل أو أغلب النظريات في مجال العلوم السياسية. في حين ان العمل السياسي الحزبي لا يعدو أن يكون واجهة من واجهات الفعل السياسي وليس وحده كل وجل العمل السياسي.

لابد إذن من الإشارة إلى ان تصور الفريق الأول يندرج في هذا الإطار لكن بنوع من التحريف والتمويه الايديولوجي، حيث إن الامر يتعلق، في الحقيقة، بالدفاع عن طرح خدمة النقابي وتبعيته للحزبي وإدراجه ضمن إشكالية جدل النقابي والسياسي بمفهومه الفلسفي. وهذه الأخيرة هي الاطروحة الجوهرية الحاسمة والمضمرة في النقاش.

ان ما يدافع عنه الفريق الأول ويضمره بوعي سياسي او عن غير وعي هو العمل النقابي الحزبي او العمل النقابي وفقا لأجندة حزبية. وهنا مربط الفرس ومكمن الإشكال الحقيقي. لطالما أكدت التجربة في هذا الباب بان اي تعارض بين مصلحة الفئات التي تمثلها النقابة والحزب الذي تمثله، إلا وسارعت النقابة للانتصار إلى الأجندة الحزبية. ضاربة عرض الحائط مصالح العمال والمأجورين والفئات التي تمثلها. وتجلى هذا التوجه بالملموس في السلوك النقابي للنقابات الحزبية فلنأخذ على سبيل المثال لا الحصر الذرع النقابي للعدالة والتنمية. كان هذا الاطار النقابي اكبر تعبير عن مسايرة النقابة للحزب وقد تجلى هذا في العديد من المعارك النقابية الحاسمة في النضال النقابي منها الاضرابات التي قاطعتها هذه النقابة بأسباب واهية في حين ان السبب الحقيقي هو تبعيتها للحزب الذي اتخذ القرار المحتج ضده.

و يمكن ان نجزم ان النقابة الحزبية تشكل مصدر خطر على مصالح الفئات التي تمثلها. لأن الإطار النقابي له أهداف يمكن تلخيصها في جملة عامة ألا و هي الدفاع عن المصالح المادية و المعنوية للفئات التي تمثلها. و بالتالي فالوضع الطبيعي للأمور يستوجب أنه لا علاقة للانتماء النقابي بالانتماء السياسي والانتماء الحزبي على وجه التحديد. فالنقابة تضم أعضاء ينتمون لقطاع مهني معين دون ان تساءله عن انتمائه الحزبي. لكن و لأسباب تاريخية و معقدة لا يتسع المجال للخوض فيها، ليس هذا هو الواقع بالنسبة لأغلب الإطارات النقابية في المشهد النقابي المغربي.

في حين ان الفريق الثاني يدافع عن جدل النقابي و السياسي في إطاره العام و بمفهومه الشمولي. و يعتبر هذا التوجه ان العمل النقابي ذو بعد سياسي و هذا امر لا غبار عليه ولكن يشتغل انطلاقا من كون القرارات التي ينتقدها أو يسعى إلى تغييرها هي قرارات اتخذت في الحقل السياسي الصرف من طرف فاعل سياسي يخوض في السياسة بطريقة مباشرة. و يتمسك بحقه في النقد و الترافع ولو بشراسة ضد القرارات التي لا تخدم الفئات التي يخدمها. و هذا كله يقوم به دون ان يخدم اجندة حزبية تابع لها و هي التي كانت السبب في وجوده أصلا. و في ظل إطار نقابي يتسع لكل الانتماءات و يمارس الفعل النقابي في إطار جدلية السياسي و النقابي. و يتمظهر هذا التوجه في النقابات المستقلة عن الأحزاب و تضم فسيفساء من الانتماءات السياسية والحزبية. و التي لم تكن يوما صوتا لحزب من الأحزاب كما هو الشأن بالنسبة للاتحاد المغربي للشغل كنقابة عرفت بحفاظها على استقلاليتها و لا تشتغل وفقا لأجندة حزبية ضيقة في معاركها للدفاع عن مصالح الفئات التي تمثلها. الشيء الذي يمنح لهذا التوجه النقابي حرية التصرف و التقدير في الدفاع عن الشغيلة عكس النقابات الحزبية التي تعمل بمرجعية حزبية خالصة.

خلاصة القول، إن مصلحة العمال و المأجورين و الموظفين و باقي الفئات لا يمكن أن تضمنها نقابة حزبية حيث إن هذه الأخيرة تضمن حقوق، إن استطعت إلى ذلك سبيلا، الفئات التي تشاطرها نفس الانتماء الحزبي. كما تشتغل دوما و أبدا بمنطق التبعية و وفقا للحسابات السياسية الحزبية الضيقة. لابد إذن من الانتصار لاستقلالية النقابة عن كل تأثير كيفما كان نوعه حزبي أو غيره لأن النقابة و جدت في أصلها للدفاع عن المصالح المادية و المعنوية للفئات التي تمثلها.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *