حقيقة الاعتقال السياسي في العهد الجديد

حميد أوعطوش
بقلم: حميد أوعطوش

في مناخ ما، اصطلح على تسميته “العهد الجديد” كان خطاب أجدير منعطف في التاريخ السياسي للامازيغية لغة وهوية، حيث راهن الجميع أن تكون السيادة فيها لدولة الحق و القانون، وإعادة رد الاعتبار للشعب الامازيغي، غير أن جوهر هده المرحلة هو تدمير و قتل الامازيغية عبر مسلسل لا يتوقف و يتكرر باختلاف العوامل المدبرة من طرف الدولة بشكل مباشر أو التي يكون لها دور الفاعل أو بتواطؤ و تنسيق معها. فما عرفه المغرب من اعتقالات ومعاناة الشعب الامازيغي يضع التجربة السياسية على المحك ديمقراطيا، وفي اغتصاب لمبدأ كونية حقوق الإنسان، ويشكل عقبة لبناء مصالحة حقيقية ومنصفة وعادلة.

فإذا كان الاعتقال السياسي في مفهومه البسيط هو توقيف حرية الفرد لانتمائه لتنظيم أو حركة سياسية أو بسبب مبادئه الفكرية والسياسية أو معارضته للنظام والرأى أو المعتقد، فالنظام اعتمد سلطة الترهيب والاعتقال المباشر تحت ذريعة ودسائس الجريمة كسلاح وسياسة لكل الخارجين عن دوائرها الاديولوجية دينية أو عرقية كانت، أو تهديد سلامة شرعية الدولة. فالحسن الثاني كان قد وصف ايمازيغن بالأوباش وفرقهم بالانشقاق والتشتت وفق مفهوم جون واتربوري كحصيلة لإرث الانقسام القبلي، كما تم اعتقال علي صدقي ازايكو بسبب مقال ثقافي في موضوع الهوية من اجل رد الاعتبار والاعتراف بالهوية الأمازيغية للمغرب وتم اعتقال مناضلي تليلي برفع راية بخط تيفيناغ في فاتح ماي 1994 لتأتي أحداث 2007 التي عرفت اعتقالات بالجملة في صفوف مناضلي الحركة الثقافية الأمازيغية في الجامعات المغربية، على المستوى الوطني لجرأة إطار الحركة الثقافية الامازيغية على طرح مفاهيم “العلمانية، الدين، الملكية، المرأة ….” وانهيار جدار سيكولوجية الخوف الذي بني في مخيال المجتمع تحت لواء التنسيقية الوطنية، والتظاهر بالآلاف في محطات تاريخية التي أرعبت النظام سنة 2007، تلتها اعتقالات ما يعرف بأطول اعتصام بجبل ألبان في ايميضر لا لشيء إلا أن الساكنة المهمشة الفقيرة رفعت شعار لا لاحتكار الثروة نعم لتوزيع العادل للمنتوج المحلي الاجتماعي ومن اجل ضمان الكرامة الإنسانية.

إن التأريخ لهده الأحداث المؤلمة وتعزيزها بوقائع سياسية اقتصادية اجتماعية بارزة تكشف الخلفيات السياسية وراء الاعتقالات وذلك لإسكات وتكميم الأفواه التواقة إلى الحرية والانعتاق اعتقال مناضلين قالوا نعم لامازيغية المغرب هوية، ثقافة ولغة، أحرار ضاقوا درعا من سياسة التفقير والتهميش ونهب الثروات… النظام اعتمد على آليات وأدوات غير مشروعة في تقديم صكوك الاتهام الذي يدبجه المحققون والمخابرات تحت وطأة التعذيب للتوظيف السياسي للجسد كتقنية بمفهوم فوكو للإخضاع والتركيع وكسر مقاومة المعتقل، ولانتزاع الاعتراف وإمضاء تحت الضغط على محاضر محظورة تطبع جواز سفر للانتقال إلى نمط الحياة الإجبارية داخل دهاليز وردهات السجون فالاعتقال والسجن آلية لاغتصاب الحق في الحياة، فالذات تتجرد من عاداتها المتحررة والطبيعية لينطلق مسلسل المواجهة المباشرة للنظام في وجهه الحقيقي -الوجه الحقيقي- القبيح والوحشي عنوان رسالته هو تدمير قيم الأحرار وكسر شوكة المناضل وإرادته ومناعته وكثافته الذاتية لتحسيسه بالضياع في سنوات العمر، وترسيخ قناعة الشعور بالضالة والانهزام في داخل الشخص المناضل، وهي رسائل مشفرة مضمونها العام ان النظام المخزني قائم وجبار وعالم وعارف بكل شيء، وان سلطته أقوى وقادرة على فعل كل شيء لإثبات مشروعية الدولة وتاريخها ولإقناع المناضلين بالضعف أمام جهاز المؤسسات السجنية الضاغطة.

تميزت اعتقالات 2007 بشراسة في التعذيب وعنف وطول المحاكمات وعدم حياد القضاء. أحداث مرعبة ومأساوية أفرزت الألم بشدة المعاناة وقسوتها، مرحلة اتسمت بالحزن والبكاء وهول الفاجعة، اعتقالات رمتنا في بحر الظلمات، او الهوية المظلمة للبيت بصيغة بشلر لزنزانة، عالم التوتر والإحساس بالضياع والاختناق، 10 سنوات تبدو عارية وبدون عناوين انها مفرغة من المحتوى تسودها الرتابة المفروضة مادا نريد ادن والحالة هذه؟ كيف الخلاص؟ 

إن طموحات الشعب الامازيغي من الدولة، طموحات شبيهة بأحلام سيزيف طامح إلى إيصال الصخرة إلى قمة الجبل، والذي يكاد يقارب القمة حتى تتهاوى الصخرة للأسفل، فالامازيغية انتزعت من محتواها في التعليم، ثم إعادة نقاش حرف تيفيناغ في الواجهة بعد الحسم فيه منذ سنوات، المنع والصراح للأسماء الامازيغية حسب أهواء الداخلية، ترسيم الامازيغية مع وقف التنفيذ، اعتقال أجيال وراء أجيال

الحركة الامازيغية ضلت في مكانها أمام تطور المجتمعات والشعوب وتحررها فالحالة الوضعية تستوجب الانخراط الجماعي في معركة البناء فلا توجد ولادة بلا مخاض فلا بد من الألم، فالطريق طويل وشاق بل مؤلم لان الحرية لها ثمن، وإرادة ايمازيغن تتجاوز الألم والانكسارات فهي إرادة لا تستسلم ولا تتعب ولا تكل.

سنظل رهن الاعتقال ومستعدون للاغتيال ونجهر بالقضية الامازيغية المشروعة هوية وشعب ودولة. فنخترق المنغلق ونتجاوز سديمة الدهاليز والجدران الباردة، وبصرخات عالية ادانة في وجه النظام السياسي المسؤول عن الاعتقالات والتعذيب، وان كل ما أسس بالدموع والمعاناة والاعتقال لا يمكن هدمه تحت أي ذريعة وسيبقى وصمة عار في تاريخ العهد الجديد.

ورسالتي اليوم، أولا: لكل اللهجيين اليوم بالنضال على الأمازيغية ولم يكابدوا من سنوات الاعتقال، ماذا قدموا للمعتقلين ولعائلاتهم؟ إن عشر سنوات من الاعتقال تستدعي الجميع مد يد المساعدة ماديا ومعنويا ونضاليا، وذلك لانتشال الروح من هاوية اليأس ومد الذات بالطاقة النضالية لمواجهة الانهيار المتربص وشحنها بالقوة للصمود والمقاومة.

ثانيا: إن التأشيرة نحو الحرية والتحرر هي معركة ثقافية في الجوهر فهي الثورة لنفسها، عمل كفاحي، ثقافة متحررة ازاء السلطات، مثقف عضوي مناضل يسعى إلى عقلنة وغرس قيم تيموزغا في الحركة وتجميع كل فئاته بعيدا عن الصراعات الغير المعقلنة التي تشتت الجهود والمطالب و ضبابيتها.

شاهد أيضاً

لماذا يصر الحزب الحاكم “العدالة والتنمية” على عرقلة الأمازيغية والاستخفاف بالدستور؟*

كما هو معروف، مرت 20 سنة على إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حيت كان الإشكال ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *