حينما يحتَجُ المقهور المغربي من أجل الصلاة

عبد الرحيم إدوصالح

لاحظنا خرجات متفرقة لبعض المواطنين يطالبون بفتح المساجد للصلاة بعد أن صدرت الحكومة قرارها الرسمي بإغلاقها، ما تسبب بوقوع صدامات بين المواطنين و السلطة التي أدت بالاضرار بالممتلكات العامة والخاصة ( أضرار بسيطة إلى حد الآن) ، فأصبح من اللازم إعادة التفكير في مدى منطقية السلوك الإحتجاجي المبني على العقيدة و الدين و المقدس ، و أسبابه الحقيقية، ثم توضيح رؤيتنا للظاهرة إنطلاقا من تصورنا العلمي المادي للظاهرة الإنسانية عموما .

إننا إذن أمام أسئلة يُفترَض بنا ان نجيب عنها :

– كيف يمكن تمييز البعد الديني الإماني و البعد الغريزي الفطري – السيكولوحي- في السلوك “الإحتجاجي” المبني على الدين ؟

-هل دافعُ الإحتجاج ،الأول و الوحيد، مصدره الإشتياق للصلاة في حد ذاتها ؟ ام أن هناك دوافع أخرى للإحتجاج العقدي بعيدة كل البعد عن الإيمانيات؟؟

-مامدى تأثير سياسة الدولة – التي افقرت المواطن البسيط- في تجييش المواطنين للخروج للاحتجاجات موظِفينَ العقدية؟

لكي نجيب عن هذه الإشكالية، لا بد من الإنطلاق من تعريف مفهوم “الاحتجاج العقدي “، و قبل ذلك فالاحتجاج عموما سلوك يقدم فيه طرف معين رفضاً و عدم قبوله لقرار أو سلوك طرفٍ آخر بطرق تتعدد بحسب المنطلقات و الرهانات و المطالب، و أبرز هذه الطرق هي المظاهرات و الوقفات، الإضراب عن الطعام، الإضراب عن العمل…

أما “الاحتجاج العقدي” فهو سلوك يُعبِر به المحتجُ عن رفضه لقرارٍ أو تصرف أَمَسَّ بعقيدته الإيمانية أو بإحدى طقوسه أو مقدساته، ليكون احتاجُه هذا مبنياً على العاطفة الدينية و الشعور الإيماني للشخص أو للجماعة.

لا يمكن الحسم بكون مصدر الاحتجاج العقدي روحي ديني أولا، لأننا نلاحظ الناس في تصرفاتهم و لا نلاحظ دواخلهم و مستوى إيمانهم، كما لا يمكن التأكد من نواياهم، غير أننا نذرك أن إغلاق المساجد لا يزعج أحدا و لا يمنعه في ممارسة طقسه العبودي، إضافة إلا أن النص الديني أمر المؤمنين باتباع أولي الأمر ( القانون المسير للمجال الاجتماعي)، خصوصا إن كان الأمر مرتبطا بالمصلحة العامة، إضافة لذلك فإن الصلاة يمكن القيام بها في المنزل و لا حرج في ذلك و لا مانعَ فيه بشكل فردي أو جماعي فالسجناء المؤمنون مثلا يُصلون التراويح في زنازنهم بشكل جماعي، و تمر الأمور بسلام.

أما من الناحية الدينية الفقهية فإن صلاة التراويح بحد ذاتها ليست فرضا أو ركنا من أركان الدين، فالأمر مشكوك في أصله، و من الذي وضعها، و أكثر من ذلك، هناك من يعتبرها من البِدع. هنا إذن يتضح أن أصل الاحتجاج من أجل صلاة التراويح ليس انطلاقا من البعد الديني، بحيث ان الدين بحد ذاته قدم حلولا أخرى، يمكن للمواطنين توظيفه لتجاوز كل هذا الضجيج و الصراخ و الاعتداء على ممتلكات المواطنين الآخرين.

إن ما وراء هذا “الاحتجاج العقدي” شيء أبعد من العقيدة و الإيمان ، إنه شيئ مرتبط بالوضع المادي المحسوس المُعاش للمواطنين : إنها سياسة الدولة التجويعية.

نحن أمام أزمة إنسانية عالمية لامست كل أشكال الإنتاج في كل المجتمعات و جميع القطاعات، أزمة تهدد الإنسان في وجوده و استمراره و التي لاتزال تتطور إلى حد الآن، فلكي لا يستمر تطورها و انتشارها، عملت الدُول على إغلاق حدودها و تنظيم حياة الناس، و بلغ الأمر أن تم التحكم في حرية الفرد ابتداء من فترة الحجر الصحي، غير أن الدول الدمقراطية قامت بدورها أمام مواطنيها و سخرت كل مواردها و احتياطاتها المالية الاقتصادية لتوزيعها على المواطنين، و كذلك كان الأمر، فمرت الأمور بسلام و أريحية. إلا أن الدولة المغربية حكومة أو مؤسسات لم تقم بالدور المنوط إليها دستوريا و إنسانيا و هو حماية مواطنيها ، و تتحمل مسؤوليتها في قراراتها الصادرة، فمنحت مرحلة الحجر الصحي فرصة للسلطة لتدريب خُدامها على قمع الشعب بالركل و الضرب و الاعتداء و توظيف الأزمة الإنسانية لترهيب المواطنين البسطاء ، وفمع حرية التعبير و الإحتجاج ،مع الإستيلاء على أموال الناس بشكل مباشر ( من بعض خدام السلطة) ، أو من خلال الاستحواد على المساعدات التي تم تقديمها للفقراء.

أزمة couvid19 شكلت إذن مواطنا حقودا على السلطة و الحكومة بما عاشه و عاينه من تنكيل و استغلال للسلطة في مرحلة البؤس الاجتماعي، ظف إلى ذلك قرارات الحكومة غير المسؤولة و لا سواسيتها مع المواطنين، كل هذا لاحظناه جميعا عبر فيديوهات مصورة و مكالمات، أكدت أن الدولة استغلت أزمة كورونا لصالها، و كل ذلك أدى إلى شيئ واحد : الإحتِقان الاجتماعي.

الإحتقان الإجتماعي اليوم في المغرب لم يصل بعد إلى مستوى التعبير الفعلي عنه بِجِد، غير أن الأمور ليست على ما يرام، فأصبح الشعب يبحث عن مَخرج لأزمته النفسية هذه رغبةً في تفجير ظغوطاته المكبوتة، فلم يكن له إلا الوازعَ الديني، باعتباره ممارسة رسمية للدولة تدافع عنها و تنتصر لها، ليخرج الإحتجاج لأجل الصلاة، عوض الإحتجاج على غلاء الأسعار و البطالة، و على الأعموم فالإحتقار سيخرج في كلتا الحالتين، غير أن التظاهر من أجل الخبز لن يكون مقبولا من طرف الدولة، لكن يمكنها ان نتسامح إن كان القصة ستُحكى أمام مسرح الدين : فاحتَج المُواطن الجائع للصلاة!!!!

الإحتجاج العقدي لا يُؤطره الدين و الروح إذن، بل مستوى عيش الناس المادي هم من يدغدغ إيمانياتهم، فيصرخ الفقراء في احتجاجاتهم دفاعا عن نفس الدين و نفس الصلاة التي يتعبد به الأغنياء في منازلهم آمنين موظِفِين نصوصاً يحتجون بها لشرعنة العبادة في منازلهم، فلا دافع لهم الإحتجاج… لأنهم ليسوا جياعاً !!

شاهد أيضاً

فضيحة الفيلم الأمازيغي «الوريث»: جرح الإهانات ما يزال نازفا..

متابعة هذا الشريط، باختصار، حصة تعذيب حقيقية، حتى أن رداءة الشريط أوحت إلي بفكرة كتابة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *