حين تتصارع القيم: قراءة للفيلم الأمازيغي”الفوز للصبور”

بقلم: لحسن ملواني ـ كاتب مغربي

مع المتغيرات والتطورات التي شهدها الإبداع بصفة عامة والفيلم بصفة خاصة واكبت الدراما المغربية الناطقة بالأمازيغية هذا التحول في الأذواق والرؤى نحو الإبداع كشكل يمتح من تطور الوسائل التكنولوجيا والاتصالية مما وسع دائرة التأثير والتأثر بين المخرجين والمنتجين ،وبذلك تجاوزت الدراما الأمازيغية بداياتها التي طغت عليها البساطة العامة في الصناعة الفيلمية بكل معطياتها، وصار الجمهور المغربي بكل أطيافه يُفاعل وعيه الجمالي وهو يتفرج على أفلام تُبثُّ من قنوات الغرب والشرق لتضعه أمام اختيارات تجعله يقف على الكائن والبديل الممكن.

وجدير بالذكر أنه “يصعب اليوم أن يبقى الإبداع بعيدا عن مختلف التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية والفنية وغيرها، التي تعتمل وتتمخض محليا وعربيا ودوليا. إن العملية الإبداعية صيرورة تفاعل وتواصل وتطور، ولا تتشكل رؤاها إلا من خلال ذلك. ويجدر بالفيلم الأمازيغي الراهن، ألا يكون متخلفا عن كل هذه التحولات؛ إن على مستوى القضايا والمضامين أو على مستوى البناء الفني والجمالي. بل ينبغي مواكبتها، مع استحضار واستلهام غنى وعمق الثقافة الأمازيغية بكل مشاربها وتفاعلاتها”(1).

وهكذا برزت أعمال درامية أمازيغية مواكبة للعام الذي لا يحجب الخصوصية في تضاريسها الكبرى، و”ساهم توفر تراكم عددي قائم على الهواية والكثير من العفوية في إنضاج الملمح الاحترافي في بعض التجارب، لتشكل نماذج قوية في هذا المنحى كما هو الحال مع “إيموران” لعبد الله داري، وبشكل خاص مع “أونامير” لفاطمة بوبكدي التي بلورت ملامح نموذجها الإبداعي التليفزيوني المنشغل بقضايا الواقع الأمازيغي والمجال المنسي عامة ،من داخل أفلام الفيديو التي تميز اشتغالها فيها على المكون الثقافي الأمازيغي”(2).

وقريبا من هذه الأفلام تجارب درامية كثيرة عملت على إثراء الإبداعية في الفيلم الأمازيغي بعيدا عن النمطية في التيمات والفضاءات والديكورات غير الفاعلة في تعميق وخدمة الفعل الدرامي في علاقته بكل مكونات الفيلم.

ومن هذه الأعمال فيلم “بابْ نْ صْبَرْ أيْتْرْباحْنْ”= “الفوز للصبور” الذي يخالف الكثير من الأفلام الأمازيغية التي تقدم مجرياتها في حدود ضيقة لا تعكس الملمح العام المبرز والوجهة التحضرية للمغرب ولا للملمح الأمازيغي المغربي برحابته وانفتاحه. الفيلم قدم بجمالية من حيث الملابس والمكياج والمعمار ومؤثثاته، مما جعله ممتعا، علاوة على مضمونه الحامل لجزء من قيمنا الاجتماعية والأخلاقية.

فيلم أمازيغي تدور أحداثه حول رجل تزوج بفتاة أحبها وأحبتها أمه فعاشا في ود ووئام إلا أن المرأة عاقر، لذلك قررت الأم وبموافقة الزوجة تزويجه بفتاة أخرى هي صديقة زوجته الأولى، وحين بدأت تراودها مشاعر التكبر والسيطرة صارت تتصرف بعنف إزاء أم الزوج والزوجة الأولى خاصة بعد ولادتها، وتعددت طلباتها ففرضت على زوجها اشتراء سيارة خاصة بها، ويرضخ لطلبها، وفي يوم من الأيام تسوق سيارتها وهي غاضبة لتتعرض لحادث سير قاتل توفيت بعده ليبقى الطفل في رعاية الزوجة الأولى التي اتسمت بالصبر على كل ما صدر من الهالكة من تصرفات ملؤها الاحتقار والذل.

علاقات جميلة كدرتها الرغبات الشخصية

الفيلم يعالج قضايا وقيما اجتماعية أبرزها حب الاستبداد ونتيجة الأنانية القاتلة لمشاعر الحب والاعتبار للآخرين باعتبارهم أناسا توحدهم نفس المشاعر ونفس الرغبات، وكيف أن بعض النساء يستبد بهن حب السيطرة والسطو على حساب الآخرين. وقد عالج الفيلم الظاهرة عبر رصد علاقة نورة زوجة رضوان الأولى بوالدته وهي علاقة تقدير واحترام قبل أن تنقلب مشوبة ببعض الرفض حين كانت الوالدة تفكر في تخليف ابنها من يحمل اسمه ويملأ حياته، وهي علاقة لم تدفع بنورة كي تتخلى عن تقديرها لحماتها رغم أن الأمر كاد يفضي إلى شرخ علائقي بينهما، بل ساهمت في إيجاد حل للمشكلة حين وافقت بإرادتها على الزواج الثاني لزوجها بصديقتها الحميمة “منى” صديقة طفولتها أيام الدراسة، وقد وعدت نورة بأن تتعاون معها على أشغال البيت، وأن طفلها بمثابة طفلها حيث ستساهم في تربيته.

أما علاقة نورة بالزوجة الثانية فقد كانت على ما يرام قبل أن تتحول إلى علاقة مكهربة حين تحاول صديقتها أن تفرض عليها نفسها وتخضع لأوامرها خاصة بعد أن حملت وولدت لتشعر بأنها خير من في البيت.

أما علاقة رضوان بزوجته الأولى وبأمه فلم تتغير، في الوقت الذي صارت علاقة تصادم مع زوجته الثانية التي صارت ضد الكل.

تتوزع أدوار الفيلم في جانبه البطولي بين “نورة” الزوجة الطيبة التي لم تتغير طيبوبتها ونبل أخلاقها حتى في أحلك منعطفات حياتها في قلب زوجها ، و”منى” الزوجة التي بدأت رزينة متفهمة تبدي استعدادها للتعاون مع “نورة” وسرعان ما سيؤججها الغرور والإعجاب الأعمى بالذات فتطغى وتحارب الجميع. ويبديها الفيلم وهي تخاطب نفسها مواجهة وجهها في المرآة وهي تشعر بالأفضلية والعلو في البيت. فلم تعد تكِنُّ الاحترام للجميع، لقد انمحت مشاعر النبل في صدرها فصارت بلا تقدير ولا احترام لغيرها مما انعكس سلبا على جميع أفراد البيت.

يبدو أن “رضوان” زوج وفي لأمه ووفي لامرأته الأولى”نورة” ويقدر فيها نبلها وإيثارها وحبها للخير للجميع متحملة أحقاد وكراهية وسطوة صديقتها “مُنى”.

نظرة عامة

هذه العلاقات المتباعدة والمتقاطعة والمتطورة من إيقاع إلى إيقاع هو الذي أضفى على الفيلم مسحة درامية ، تعكس حبكة السيناريو التي تبدو مقبولة احترمت كثيرا من بنائيتها مما يجعل المتفرج يعيش أحداث الفيلم بلا تيه ولا ارتباك. علاوة على أداء الممثلين البعيد عن التكلف والتصنع حيث التماهي مع ما تشخصه من حوارات وأحداث ومشاعر .. وبين الهدوء والسرور والتدمر والاصطدام يتقد الفعل الدرامي المثير.

وقد جاءت الفضاءات التي تمت بها أحداث الفيلم مناسبة لمركز “رضوان ” الزوج الموظف الذي يسكن في فيلا جميلة ، وجاءت الموسيقى التصويرية ملائمة ومواكبة للأحداث مما جعلها تخدم فعلا ما وضعت من أجله وهو تعميق الشعور بالمواقف والأفعال وردودها.

وقد ساعد على متانة حبكة الفيلم ـ رغم بنائها الكلاسيكي ـ قلة شخصياتها وانحصار المشكل الذي تتصارع من أجله وهو الحصول على خَلَفٍ للزوج مما جر عليه الكثير من المنغصات التي كادت تفسد حياته ، لكن الانتصار للفضيلة جعل الفيلم “نورة” الصبورة منتصرة في الأخير كنهاية للصراع في الفيلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش :

– فيلم “بابْ نْ صْبَرْ أيْتْرْباحْنْ” = “الفوز للصبور” بطولة الزاهية الزهري، إبراهيم أسلي، أمينة الهلالي، ربيعة تزرارت ـ سيناريو وحوار: أيت همو عدي لحسن سرحان ـ إخراج لحسن بيجديكن.

1 ـ المصطفى أفقير، الفيلم الأمازيغي أسئلة الذاكرة الشفهية ،منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي ـ فرع ورزازات ،الطبعة الأولى ص12.

2 ـ حميد اتباتو ، المرجع السابق ،ص 23.

 

شاهد أيضاً

مواطنون يجدون صعوبات في التسجيل باللوائح الانتخابية

وجد عدد من المواطنين والمواطنات صعوبات في التسجيل باللوائح الانتخابية العامة، سواء عبر الموقع الالكتروني ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *