رحلة التأملات في أعماق بحر الإنسانية

ابراهيم عفيف

المجتمع والشخص المعاق أو الشخص في وضعية إعاقة

لم يكن منتظرا أن تنطلق الرحلة التأملية في جزئها الثاني من محطة الإعاقة، رغـــم كونها محطة أساسية ضمن المحطات المخطط التوقف بها خلال هذه الرحلة الإنسانية، التي ستخصص للإنسان في علاقته بالإنسان وللكرامة الإنسانية في أسمى تجلياتها…لكن، ولأن السياقات تفرض علينا أحيانا، فإنه أصبح علينا لزاما أن نعيد النظر في برنامج الرحلة ونخصص أولى محطاتها لتيمة الإعاقة، ولنظرة المجتمع للشخص المعاق أو للشخص في وضعية إعاقة….وهل هناك فرق بين التسميتين؟ …طبعا، هناك فرق سنتوقف عنده، لكن ليس بالضرورة اليوم، علـــى اعتبار أن التوقف التأملـــي في محطة الانطلاق هاته سيدوم لأيام عدة…ولعل في ذلك خير….

المناسبة شرط كما يقال، ومناسبة اليوم ليست ككل المناسبات…إنها مناسبة أليمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى…. وأنا أعد نفسي للعودة لفراشــــي بعد الانتهاء من كـــل الالتزامات المرتبطة بتناول السحور وأداء الصلاة وتلاوة الورد القرآني…قررت وفاء مني لعاداتي، فتح بوابة الفضاء الأزرق للقيام برحلة سريعة بدون تفاعل…. ويا ليثني لم أفعل! ….كانت أولى التدوينات التي صادفتها لأحد الأصدقاء المشهود لهم بالعمق الإنساني النبيل يقول فيها ما معناه: ” صعب أن يهان ابنك أمامك ولا تقدر على فعل شيء”….أو شيء من هذا القبيل كما قال بالحرف….توقفت متأملا للحظات…هذا الصديق المتزن لا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام في هذا الوقت بدون سياق ولا سبب…هل يا ترى أصاب مكروه أحد أفراد أسرته، وهو شخص طيب وعزيز؟…..واجب المحبة الإنسانية والأخوية يفرض علي، بل يلزم علي، أن أتصـــل به…لكن، ليس في هذه اللحظة….على أي سأنتظر (واستمر الحديث التأملي مع النفس لمدة غير يسيرة)….غادرت الفضاء الأزرق دون إتمام الجولة….لكن، ولأن الرسالة مبهمة جدا، عدت إليه متصفحا…فإذا بي أصادف مشهدا غاية في الرعب والبشاعة….تتبعت المشهد لحظة بلحظة ….تألمت كثيرا، وتأملت أكثر….تتبعت الإبحار، لأصادف ذات المشهد الرهيب عبر صفحات وحسابات الكثيرين من الصديقات والأصدقاء….المشهد المرعب واحد، لكن التعليقات التقديمية له كانت مختلفة، بحيث إنها تراوحت بين البعد الإحساني والبعد الحقوقي….في تلك اللحظة، استيقظ الإنسان بداخلي، ومعه المهنـــي المشتغل في تيمة الإعاقة في بعدها المدرسي متسائلا ومستغربا: هل هذا كابوس؟……

بهذه الكلمات، وفي ظل هذين السياقين العام والخاص (رحلة الإنسانية والمشهد المرعب) قررت أن أبدأ وقفتي التأملية في محطتها الأولــــى…. آه، لقد نسيت، بل قد تعمدت أن أؤخـــر إعادة وصف المشهد المرعب، حتى أجعل قارئ تأملاتي الذي لم يشاهده بعد أو لم يسمع عنه يتساءل ويستغرب عن ماهيته خاصة أنه تكرر ونوعت بالمرعب والبشع…. نعم إنه كذلك، ولو عرفت كلمات أكثر دلالة لوظفتها…. (المشهد مرعب وبشع في كليته، تصويرا ومضمونا…. ويطرح تساؤلات عدة … العدالة فقط هي التي ستفك خيوطها كاملة)

إلى المشهد المرعب الآن…. حسب جل التقديمات المرافقة للفيديو موضوع التأمل والتألم يتعلق الأمر “بزوجة أب” تعاملت معاملة بشعة ولا إنسانية مع شاب في وضعية إعاقة أمام أنظار شخص قيل إنه “والده” وزوج تلك السيدة. المشهد البشع هذا قيل إنه من مدينة مغربية في الشمال، تضمن عبارات السب والشتم الممزوجة بالكلام الفاحش والنابي…. أفعال لا تليق بإنسان سوي…وأنا أفكك الصورة والمشهد المرعب في كليته، متألما ومتأملا أرى أمامي أربع شخصيات تستحق التأمل. فمن جهة، هناك ذلك الشاب الذي يوجد في وضعية هشاشة Situation de vulnérabilité بدون حماية، وزوجة لا إنسانية متسلطة عديمة الرحمة، و “رجــــل” قيل إنه اب لا حول له ولا قوة…. ومن جهة أخـــرى متلق، أنا وأنت وكل من شاهد أو تقاسم المشهد، يتراوح تلقيه بين النظرة الإحسانية تجاه ذلك الشاب وبين النظرة الحقوقية المطالبة باعتقال تلك الزوجة ومتابعتها نظير فعلها الشنيع (هذا دون نسيان الشخصية الخامسة المتمثلة في مصور الشريط، وخلفياته التي لن تكون موضوع حديثنا، لأن العدالة كفيلة بقول كلمتها الفصل إزاءها وإزاء الشريط ككل شكلا ومضمونا)…..هنا قررت أن أبدأ تأملاتــــي بشأن موضوع متصل بالمضمون الأساس للفيديو: نظرة جل المجتمعات لهذه الفئة الهشة من المجتمع، فئة الأشخاص في وضعية إعاقة، التي هي منا ونحن منها. فئة يراها البعض منا مختلفة عنه، لكن الحقيقة ليست كذلك، فالاختلاف من زاوية حمل الإعاقة من عدمه لا يلغي البتة المشترك الإنساني، ولا يسمح لنا أن نعتقد بأفضلية شخص على شخص…. الإيمان القطعي بوجود اختلاف تراتبي مع هذه الفئة هو مجرد نتيجة حتمية لثقافة مجتمعية سائدة منذ الأزل …. ثقافة يجب أن تخضع لتشريح سريري غاية في الدقة، حتى تزال عنها تلك الأورام الخبيثة التي تنتج يوما بعد يوم الاحساس الموسوم بالدونية تجاه هذه الفئة، في زمـــن الحقوق بامتياز، زمن لا مجال فيه للتسامح مع من يهين كرامة الإنسان، أي إنسان….

في هذه الوقفة التأملية المليئة بالآلام، كيف لا وهذا الموضوع يدخـــل في صميم انشغالاتي المهنية والإنسانية لعقد من الزمن، سأتوقف معكم عند بعض المحطات التاريخية في تاريخ البشرية، المرتبطة بهذه الفئة من المجتمع، وعند بعض المفاهيم الأساس، مرورا عبر مختلف التشريعات القانونية والتنظيمية ذات الصلة بهذه التيمة ومختلف المقاربات العلمية التي أطرت هذا الموضــــوع لنصل جميعا للمجهودات التي تقوم بها دولتنا المغربية خاصة تلك المرتبطة منها بالسياق المدرسي، نظرا لكون المدرسة هي المكان الأساس لاستنبات الثقافة المجتمعية السوية، واجتثاث ثقافة العنف والإقصاء والتهميش وغرس القيم النبيلة في نفوس النشء، نساء ورجال الغد …عملا بمقولة تجفيف المنابع موازة مع القضاء على البعوض….لنختتم التأمل الخاص بالإعاقة بالدروس الواجب أخذها والعمل بها إزاء فئة الأشخاص في وضعية إعاقة….

فإلى يوم غد إن شاء الله، مع التأمل الأول الذي سيخصص لمحطات تاريخية في تاريخ البشرية متعلقة بالتعامل مع هذه الفئة…. إلى ذلكم الوقت أحييكم متمنيا لكم ليلة رمضانية مليئة بالأحاسيس الإنسانية النبيلة وبالعمق الإنساني الذي به تسمو النفوس وترتقي….

الجميل إزاء المشهد البشع، هو موجة الاستنكار المنتشرة عبر مواقع التوصـــل الاجتماعي، والأجمل منه هو خبر اعتقال تلك “المرأة” “المتسلطة عديمة الرحمة والشفقة” من قبل السلطات (حسب ذات المواقع الاجتماعية)، لتكون عبرة لكل من سولت له نفسه الأمرة بالسوء إهانة إنسان آخر تحت أي مسمى ولأي سبب، والحط من الكرامة الأدمية التي من الله تعالى بها علينا أجمعين، بقوله عزوجـــل: ” ولقد كرمنا بنـــي آدم” (الآية)…. في انتظار تفكيك جميع حيثيات المشهد (لأن الصور والفيديوهات خادعة في جل الأحيان وعصية على الإدراك إلا على أهل الاختصاص الذين لهم من الإمكانات ما يكفي لمعرفة الحقيقي من المزيف) …. والأجمل من هذا كله، سيتحقق لـــو اعتبرنا جميعا هذا المشهد الخارج عن نص الإنسانية (منطلقا ومآلا) درسا بليغا لما يجب ألا يتكرر في علاقاتنا الإنسانية، ولما يجب أن يتم التركيز عليه لبناء مجتمع سوي، مجتمع الاحترام والتآزر والتآخي والتضامن والرعاية…..فالحقد والاعتداء والظلم والتكبر صفات لا تليق بإنسان عـــاقل في حق ابن جلدته….

أختم تأمل اليوم بمقولة تأملية، غاية في الروعة للسياسي والفيلسوف الثوري المهاتما غاندي (1869-1948)، وأتركها عنوانا لسفركم التأملي لهذه الليلة الرمضانية المباركة
” يصبح الإنسان عظيما تماما بالقدر الذي يعمل فيه من أجــــل رعاية أخيه الإنسان”

يتبع……

إبــــــــراهيم عفيف
سوس ماســـــة

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *