ردا على ما ورد في مقدمة كتاب “عروبة البربر” لكاتبه سعيد الدارودي

بقلم: عبد الله نعتي

المقال الأول

في هذا المقال سنستعمل مصطلح أمازيغ دون غيرها من الأسماء نظرا لكون هذا الإسم هو الذي سمى به الأمازيغ أنفسهم، وسنستعمل مصطلح (البربر) إذا قمنا باقتباس من الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه، مع وضعه دائما بين قوسين على اعتبار أنه مصطلح أجنبي عنا وعن لغتنا كأمازيغ.

هذا الكتاب الذي سنتحدث عنه هو عبارة عن دراسة مقارنة بين اللغتين الأمازيغية والعربية حسب صاحب الكتاب، أي أنه يدخل في إطار علم اللغة المقارن، لهذا لابد من الإشارة أولا إلى تعريف بسيط لهذا العلم لموضوعه لأهدافه، من أجل أن نُكوِّن فكرة بسيطة عن هذا المنهج لدى القارئ ليتمكن من فهم ما سنأتي به في هذا المقال.

المنهج المقارن نشأ بناء على افتراض أن لغات العالم عبارة عن فصائل لغوية، وكل فصيلة تشعبت إلى عدة لغات متفرعة عنها، وعالم اللغة من خلال هذا المنهج يقارن بين لغتين أو أكثر في فصيلة لغوية واحدة بهدف رصد التشابهات بين هذه اللغات؛ لإعادة بناء اللغة الأم التي تشعبت عنها هذه اللغات، وهذه اللغة الأم تعتبر لغة افتراضية يحاول عالم اللغة من خلال هذا المنهج إعادة بنائها.

ومن المعروف أن اللغات تنتمي إلى أصول وعائلات تتفرع عنها، فإذا قام الباحث بدراسة أي من الظواهر الصوتية، والصرفية والنحوية والدلالية، بين لغتين تنتميان إلى أسرة لغوية واحدة أو فرع من تلك الأسرة؛ كان مقارنا.

إذن المنهج المقارن يعني: “المنهج الذي يقوم على البحث في لغتين أو أكثر بالكشف عن الأصول المشتركة بينهما” مثل “العربية والعبرية” أو “العربية والآشورية” فكلتا المجموعتين ترجعان إلى أصل واحد يجمعهما؛ وهو ما يعرف بالأصل السامي أو اللغات السامية، وهي إحدى فروع الأسرة (الأفريقية الآسيوية)، وتهدف الدراسة المقارنة إلى:

1- إعادة بناء الأصل المشترك بين (اللغة الأم) التي تنتمي إليها اللغتان المدروستان، وهذا الأصل ليس موجود في الواقع إنما هو من اختراع اللغويين وتصورهم.
2- الوقوف على التغيرات اللغوية التي تحدث لأي من اللغتين المدروستين عبر الزمن.
3- قد يكون المراد من هذه الدراسة الوقوف على مظاهر الاتفاق والاختلاف بين اللغتين المدروستين في شكلهما الحديث.
4- يمكن الاستفادة من نتائج الدراسة المقارنة في تعلم اللغات المختلفة وتعليمها بطريقة ميسرة.
5- استقصاء جوانب المقارنة بين اللغتين المدروستين صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا؛ ومن ثّم أمكن الوصول إلى درجات الاختلاف التي أدت إلى انشعاب لغة من أخرى.
6- يمكن تحديد درجة علاقة الماضي بالحاضر من الفرعين اللغويين وهي دراسة تطبيقية تتعرض للصواب والخطأ، وتعتمد على استنتاجات اللغوي وفهمه الدقيق.
7- وأخيرا تهدف هذه الدراسة إلى تأصيل المواد اللغوية في المعاجم…

عنون المؤلف كتابه بعنوان رئيسي “حول عروبة (البربر)” ،ثم تحته عنوان ثانوي “مدخل إلى عروبة الأمازيغيين من خلال اللسان”.

يتكون العنوان الرئيسي من كلمتين الأولى (عروبة) و الكلمة الثانية (البربر) ، والعروبة كما لا يخفى على أحد هي إيديولوجية ونزعة عرقية تؤمن بأفضلية العرق العربي على باقي العرقيات كيفما كانت ديانتهم، فالعربي و لو كان مسيحيا أفضل من العجمي المسلم مستدلين على خرافاتهم هذه بعدة أحاديث منها الضعيفة والموضوعة و من بين هذه الأحاديث نذكر: ” أخرج الحاكم والطبراني عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حب قريش إيمان و بغضهم كفر، وحب العرب إيمان و بغضهم كفر، فمن أحب العرب فقد أحبني، و من أبغض العرب فقد أبغضني”. قال الهيثمي في المجمع : “عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي، و القرآن عربي، و كلام أهل الجنة عربي” ، و كذلك حديث إذا ذلت العرب ذل الإسلام و غيرها من الأحاديث التي تمدح العرب، وفي المقابل وضعوا أحاديث و نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يذمون فيها الأمازيغ والكرد و الأتراك و يصفونهم بأنهم جذام الأرض و أنهم من الجن… و هذه بعض الأحاديث عن الأمازيغ: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة، عن القاسم بن عبد الله المعاقري، عن أبي عبد الرحمان الحبلي، عن القاسم بن البرجي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: “من أخرج صدقة فلم يجد إلا بربريا فليردها”.

حدثنا سريج، قال حدثنا عبد الله بن نافع قال حدثني ابن أبي ذئب، عن صالح، مولى التوأمة عن أبي هريرة ، قال : “جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم من أين أنت؟ قال بربري ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم، قم عني ، قال بمرفقه هكذا، فلما قام عنه أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إن الإيمان لا يجاور حناجرهم”.

هذه الأحاديث سواء التي تمدح العرب أو تلك التي تذم باقي الشعوب هي أحاديث ضعيفة ، ضعفها الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة و أثرها السيء في الأمة.

هذا بشكل مختصر عن “المرجعية الدينية” للنزعة العروبية و التي بلغت أوجها في عهد الدولة الأموية و لا شك أن كل الأحاديث التي أشرنا إليها تم وضعها في عهد هذه الدولة. و تجب الإشارة إلى أن هذه العصبية العروبية الجاهلية انتهت بسقوط الدولة الأموية العنصرية.

أما العروبة في زماننا هذا ،و إن كان دعاتها يدعون أنها ليست عرقية و أنها (انتماء حضاري و ثقافي) فإن الحقيقة عكس ذلك ،فهي لا تخرج عن الإطار السابق ،فبالإضافة إلى “المرجعية الدينية” نجد “المرجعية السياسية” والتي ظهرت مع بداية القرن العشرين بفرنسا حيث تأسست الجمعية العربية في باريس سنة 1909 و كان مؤسسوها عرب مسيحيون من لبنان و سوريا، هذا إضافة إلى مجموعة من الأحداث و الأدوار التي قامت بها فرنسا و بريطانيا من أجل إنجاح هذا المشروع التخريبي و تحقيق أهدافه.

إن الهدف الرئيسي الذي ترمي فرنسا و بريطانيا إلى تحقيقه من وراء دعمهما لهذا المشروع الهدام هو تخريب و تمزيق العالم الإسلامي عن طريق إضعاف الإمبراطورية العثمانية ، وبث أسباب التفرقة بين المسلمين بعزل العرب عن باقي الشعوب ، وخلق “عالم عربي ” يصحبه الضعف منذ نشأته الأولى حتى لا تسول له نفسه التطاول على “ربة نعمته”. و لا شك أن الأحداث التي يشهدها هذا (العالم العربي) الوهمي خير دليل على ضعفه، فكل ما بني على باطل فهو باطل ومصيره الزوال.

وخلاصة القول أن إيديولوجية “القومية العربية” إيديولوجية مدسوسة، خلقها الاستعمار من عدم ليجعلها لغما في قلب العالم الإسلامي، و قد قابلتها الشعوب الإسلامية بما تستحقه من حذر و تحفظ، حتى إن تلك الشعوب أخلت شيئا ما بواجبها في مناهضة الصهيونية شماتة بالعرب.

هذه نظرة موجزة بخصوص إيديولوجية العروبة و القومية العربية ونشأتهما و لمزيد من التفصيل يرجى الاطلاع على مقال “نشأة القومية العربية” للأستاذ الكبير محمد شفيق.

أما مصطلح بربر فهو معروف تاريخيا بأنه لفظ يوناني أطلقه اليونانيون على جميع الشعوب التي تتكلم لغة أخرى غير اللغة اليونانية، إذن المعيار الذي اعتمده اليونانيون في إطلاق هذه التسمية هو معيار امتلاك اللغة اليونانية.

وعن اليونان أخذ الرومان هذه اللفظة وعن الرومان أخذها العرب وبنفس المعنى، مثلا يعتبر الفرس والغاليين برابرة بالنسبة لليونانيين والأمازيغ والقبائل الجرمانية برابرة بالنسبة للرومان.

إن لفظة (بربر) بمعنى أمازيغ لا وجود لها في كتب التاريخ القديمة التي يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد، فهي عند هيرودوتس الملقب بأب التاريخ تعني قاطعي الرؤوس، يقول تزيفيتان تودوروف في كتابه الخوف من البرابرة : نقرأ لدى هيرودوت صفحة بغاية الوضوح حول هذا الموضوع ، انتصر قائد اسبارطي يدعى بوزانياس على الفرس، فقدم له يوناني من بين الحضور هذه النصيحة : إن الفرس في معركة سابقة قطعوا رأس ملك اسبارطة وعلقوه على عمود، وعلى بوزانياس لكي ينتقم أن يعاملهم بالمثل. فما كان من هذا الأخير إلا أن رفض بحدة “إن هكذا تصرف يليق بالبرابرة وليس باليونانيين، و حتى أننا نلوم البرابرة على فعل ذلك”.

إذن فالبربر لفظ تتعدد معانيه وتختلف، لكنها لا تحمل أي إشارة تفيد أنها اسم لشعب أو جنس معين، فالبربري هو كل شخص لا يتحدث بلغة الآخر هذا الأخير يكون غالبا هو المستعمِر، لكن هذا المعيار يجعل المستعمِر أيضا بربريا في نظر المستعمَر. ويعتبر بربريا كذلك كل شخص ينكر الإنسانية الكاملة للآخرين ويتعامل معهم معاملة لا إنسانية و لا يعترف بأي حق لهم في الوجود، فالبرابرة- في نظر هؤلاء الذين يدعون التحضر- هم كائنات دونية يمكن قتلهم بنفس باردة دون الإحساس بالذنب أو تأنيب الضمير.

فماهي إذن علاقة عنوان الكتاب “حول عروبة البربر” بعلم اللغة المقارن؟

إذا تأملنا عنوان الكتاب و قرأنا ما بين دفتيه فإننا سنستنتج أن الكاتب يريد أن ينسب قوما إلى قوم آخر اعتمادا على علم اللغة المقارن، و هذا ما يستفاد من الصفحة 11 من كتابه حيث يقول : لقد أردت هذا الكتاب أن يكون شاهداً ودليلا على عروبة أقوام كانوا وما زالوا يتكلمون بلهجات سميت لغة، وهنا نلاحظ أن الكاتب حَوَّل موضوع علم اللغة المقارن من علم يهتم بدراسة اللغات التي تنتمي إلى فصيلة لغوية واحدة قصد الوصول إلى لغة أم مفترضة إلى علم يهتم بدراسة الأعراق البشرية (ethnologie)،هذا الأخير يعتبر علما مستقلا لا علاقة له بعلوم اللغة، وهنا نسأل صاحبنا الدارودي هل هو في كامل قواه العقلية عندما صاغ عنوان هذا الكتاب؟ لماذا انحرف عن مسار أستاذه فهمي خشيم في صياغة عناوين مناسبة لدراساتهم في هذا المجال مثال البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة لفهمي خشيم و عروبة اللغة الليبية القديمة و كتابتها لعبد العزيز الصويعي و غيرها من العناوين ؟ إذن فهذا العنوان لا يصلح إلا لدراسة تاريخية تبحث في أنساب الأمازيغ و العرب، فما المانع من وضع عنوان سليم ينسجم مع محتوى الكتاب؟ لو كانت الدراسة لغوية بعيدة عن أي هوى قومجي4 لوضع الكاتب عنوانا لكتابه يحترم فيه موضوع علم اللغة، حيث بإمكانه أن يعنونه مثلا : الأمازيغية لهجة عربية قديمة أو الأصل العربي للهجات الأمازيغية أو الأمازيغية العربية دراسة لغوية مقارنة … إلى غير ذلك من العناوين التي قد تجعل من الكتاب و محتواه كتابا موضوعيا بعيدا عن أي إيديولوجية كيفما كانت، لكن صاحبنا غلب عليه الهوس القومجي العروبي فسقط هو الآخر و بدون شعور في الصنف الثاني من الباحثين الذين أشار إليهم في كتابه، و ذلك أثناء حديثه عن مصداقية الباحث و الأستاذ الكبير محمد شفيق إذ يقول في الصفحة 34 من كتابه عروبة( البربر):

ما هي مصداقية الباحث اللغوي “محمد شفيق” ؟

الصنف الآخر: هو الباحث صاحب الهوى، الذي لديه موقف مسبق يريد أن يثبته فتراه يسخر كل قدراته العلمية مع الإمكانات المادية التي أُعطيت له من أجل إقناع الآخرين بما يرغب هو فيه، وهذا النوع من الباحثين غير مقبول، ويؤسفنا كثيراً أن الأستاذ شفيق واحد منهم، فلقد سخر كل ما لديه لأجل إثبات انفرادل البربر ولهجاتهم عن غيرهم ـ خاصة إذا كان هذا الغير عربيا ـ مستغلا جهل المُتلقي بالقضية موضوع البحث، ومستغلا ثقة الناس به لانشغاله الطويل في هذا الأمر منفرداً بالسبق ومخصوصا بالحفاوة والتبجيل”. انتهى كلام الدارودي.

نلاحظ أن الدارودي تأسف كثيرا على الأستاذ شفيق لكن كان عليه أن يتأسف و يشفق على حاله أكثر من أي شخص آخر !!! ألا يرى صاحبنا أن هذا التصنيف ينطبق عليه أكثر من الأستاذ شفيق أو من غيره ؟ ألا يعلم الدارودي أنه يريد هو الآخر أن يقنع الآخرين بما يرغب هو فيه مستغلا جهل المتلقي بأسس و مناهج علم اللغة؟ ألا يدري الدارودي أن كل كتاباته وكتابات بعض القومجيين أمثال فهمي خشيم و عثمان سعدي والصويعي بخصوص الأمازيغية هي الأخرى ذات الزيغ والهوى و أنها بلغت من فسادها الفكري حد الهلوسة والتخريف؟ ألا يدري الدارودي أنه يريد إثبات “عروبة” الأمازيغ بشتى الوسائل حتى و إن اقتضى الأمر قلب و إبدال المفردة الأمازيغية بكاملها ليكون هناك تقارب في أماكن و مخارج الحروف، ومن أمثلة هذه الوسائل و الإفتراءات نجده أثناء حديثه عن الألوان يقول:
“أزكزاو: كذلك. أزكزا، أزكزا ( بكاف لينة بدلا عن القاف المعقودة،) أزيزا: اللون الأخضر، الفصحى. الزوج: اللون من الديباج ونحوه، والديزج: المائل إلى الاخضرار من الخيل، أزويوغ: كذلك. تيزويوغت: اللون الوردي، أزاواوغ: الوردي، ما كان بلون الورد، إزويوغ: صار ورديا، الفصحى. التزويق: التحسين والتزيين، والزواق: زينة المرأة.

أزكــــاغ: الأحــــمر، الفـصحى. الشّقحي الأحمر، أبدلت المفردة إبدالا كاملا، فالشين صارت زايا، والقاف الصريحة صارت قـــافا مــعقودة، والحاء أبدلت غينا…”، هذه بعض الأمثلة من كتاب الدارودي والتي أراد من خلالها أنْ يثبت أَنَّ أَزْوگـَّاغ ⴰⵣⴳⴳⵯⴰⵖ هي عربية أصلها شقحي ؟ و أن أزويوغ و أزواواغ معناها التزويق و التحسين مع العلم أن التزويق والتحسين يكون بجميع الألوان وليس خاصا بالأحمر أو الوردي فقط، ونفس الشيء بالنسبة للأخضر الذي قارنه بكلمة الزوج … وغيرها من المفردات الأمازيغية التي أقحمها الكاتب في مؤلفه والتي لا علاقة لها بالعربية وكان إقحامها فقط من أجل تضخيم كتابه لا أقل ولا أكثر.

إلى جانب عنوان الكتاب نجد أيضا المقدمة التي اختارها صاحبنا كمدخل لدراسته، وبالإطلاع على محتواها نجده أيضا لا علاقة له بعلم اللغة المقارن، فعوض أن يقوم الكاتب بصياغة مقدمة تتلاءم وموضوع علم اللغة المقارن، كأن يتحدث عن اللغات المراد مقارنتها بذكر تاريخها و مناطق انتشارها وخصائص كل منها، مثلا أن يشير إلى تاريخ اللغة العربية متى ومن قام بتقعيدها؟ ومتى رُسِمت حروفها ومصدر تلك الحروف؟ ومتى وضع أول معجم خاص بها؟ وماهي اللهجة العربية التي أقعدوها وجعلوها لغة؟ وماهي اللهجات الأخرى التي تم إقصاؤها؟ إلى غير ذلك من الأمور الأخرى المتعلقة باللغة العربية، كما هو مألوف في مقدمات كتب علوم اللغة، لكن كل هذه النقط لن تجد أية إشارة إليها في مقدمة كتابه “حول عروبة (البربر)” ورفعا للحرج الذي قد يقع فيه صاحبنا الدارودي إذا ذكر تاريخ العربية ونشأتها، اكتفى بصياغة مقدمة يتهجم فيها على الحركة الأمازيغية ويشكك من مصداقية الباحثين اللسانيين الأمازيغ ويصنفهم في صنف الباحثين أصحاب الهوى و الأدلجة وهذه كلها أمور لا علاقة لها بمقدمات كتب علوم اللغة.

بعد ذلك انتقل الدارودي إلى الحديث عن تقسيمات الكلمات الأمازيغية حسب الباحثين الأمازيغ إلى الأصيل والدخيل والمشترك، وهذه تقسيمات وألفاظ متعارف عليها في مجال الدراسات اللغوية المقارنة، ونستغرب من صاحبنا الدارودي عندما قال في الصفحة 8 من كتابه أثناء حديثه عن مصطلح المشترك: “ولذلك اصطنعوا ـ رفعا للحرج أيضاـ تخريجا عجيبا أسموه “المشترك”، فاللسانان منفصلان مختلفان ـ عند هؤلاء ـ لكن لديهما مشتركات كثيرة”.

وهنا نتساءل هل صاحبنا الدارودي لم يسبق له أن سمع بمصطلح المشترك في حقل الدراسات اللغوية حتى قال بأن المصطلح اصطنعه الباحثون الأمازيغ؟ ألم يسبق للدارودي والذي ينصب نفسه متخصصا في علم اللغة المقارن أن اطلع على الدراسات اللغوية التي تتحدث عن المشترك بين اللغات؟ لابأس أن نذكر صاحبنا بنماذج من هذه الدراسات حيث نجد معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية للدكتور حازم علي كمال الدين، المشترك والدخيل من اللغات السامية الى العربية للدكتور عبد الوهاب محمد عبد العالي … هذه فقط بعض الأمثلة لنوضح أن مصطلح المشترك ليس من اختراع واضعي المعاجم الأمازيغية، وإنه لمن المؤسف أن يكون الباحث في علم اللغة المقارن جاهلا بمثل هذه المصطلحات. ويستمر صاحبنا في حديثه عن أقسام الكلمات الأمازيغية من الأثيل والمشترك والدخيل مسائلا الباحثين الأمازيغ عن تحديد معاني هذه الأقسام وعن المناهج المعتمدة في تصنيفاتهم مشككا في مصداقيتهم، يقول الكاتب في الصفحتين 8 و9 من كتابه حول عروبة (البربر):

“إن أصحاب التصنيف السابق لم يحددوا تحديداً قاطعا ما هو الدخيل و ما هو المشترك، وما هو الأثيل ؟ وأيضا لم يبينوا ما هي الأسس والقواعد التي اعتمدوا عليها في تقسيماتهم ؟ وما هو المنهاج التي ساروا عليه عند غربلةالألفاظ البربرية وتصنيفها ؟ مما يدعونا إلى التردد في قبول التقسيم المشار إليه، وفي الشك بمصداقية واضعي المعاجم الأمازيغية، وهل يستطيع أحد أن يضمن
اتفاقهم جميعا على تصنيف واحد جامع لا يختلفون فيه ؟ أليس من الممكن أن مجموعة من الكلمات عدها أحدهم دخيلة أتت من العربية، قد يراها آخر بأنها مشتركة مع البربرية، وثالث يدرجها مع الأصيل البحت الذي لا ينتمي إلى غيره ولا يشاركه فيه لسان آخر؟ أليس الأمر راجعا إلى أهواء وأمزجة مختلفة، ورغبة واضحة في « تصفية » اللفظ العربي « الدخيل » مع الإبقاء ـ في ذات الوقت ـ على المعجم البربري غزيرا وغنيا ؟ ألم تكن الرغبة في التوفيق ما بين هذين الأمرين هو السبب في ظهور هذا التخبط ؟”.

وللإجابة عن هذه التساؤلات التي طرحها صاحبنا ظنا منه أن منهجه هذا سيقنع به القارئ أن الدراسات الأمازيغية التي أنجزها الباحثون الأمازيغ مجرد أهواء هؤلاء الباحثين و بالتالي ليؤكد أن الباحث الأمازيغي يفتقر إلى المصداقية في بحوثه، لكن صاحبنا تناسى أنه لو لم تكن هذه الدراسات الأمازيغية لما كتب خشيم و لو سطرا عن اللغة الأمازيغية و نفس بالنسبة لعثمان سعدي والصويعي أما صاحبنا الدارودي يكتفي فقط بتكرار ما ذكره خشيم و سعدي مع تغيير في عناوين و أغلفة الكتب وإضافة بعض الكلمات من لغات اليمن القديم.

لنعد إلى التساؤلات التي طرحها الدارودي في كتابه و نجيب عليها بنفس المنهج و نطرح نفس الأسئلة لكن في مجال الدراسات اللغوية العربية و ذلك على الشكل التالي:
التصنيفات الثلاث ليست من اختراع الباحثين الأمازيغ، وإنما وضعها علماء اللغة، وهي كما سبق الإشارة مصطلحات متعارف عليها في حقل علوم اللغة، و إن كان الباحث جاهلا بها فلسنا مسؤولين عن جهله.

الأسس و المناهج المعتمدة في التصنيفات السابقة هي نفسها الأسس و المناهج المعتمدة في تصنيفات اللفظ العربي إلى أصيل و مشترك و دخيل، فهي مناهج علمية وضعها علماء اللغة، و إن قال الكاتب غير ذلك فليعطينا هو الآخر المناهج و الأسس التي اعتمد عليها الباحثون العرب في تصنيفاتهم.

أما عن الإختلاف بين الباحثين الأمازيغ حيث يتساءل الدارودي عن الضمانات التي تضمن له اتفاقهم جميعا على تصنيف واحد جامع لا يختلفون فيه، فنقول لصاحبنا الدارودي أن تساؤله هذا فيه نوع من السذاجة و أن مثل هذا السؤال لا يصدر إلا من جاهل بعلوم اللغة، إذ يعتبر من المستحيلات اتفاق الباحثين في مجال الدراسات اللغوية المقارنة على تصنيف واحد سواء كانوا أمازيغ أو عرب، حيث ستجد في الدراسات اللغوية العربية اختلاف الباحثين في تصنيفاتهم للفظ العربي، رب لفظ عربي اعتبره باحث لفظا عربيا أصيلا في حين يراه باحث ثاني لفظا مشتركا بينما يراه آخر دخيلا على العربية، و سنضرب أمثلة على ذلك لصاحبنا الدارودي لنذكره أن ما أسماه تخبط و أمزجة و أهواء الباحثين الأمازيغ موجود أيضا عند الباحثين العرب و هذا التخبط وقع فيه صاحبنا الدارودي بنفسه ، و سنأخذ المثال من كتابه حول عروبة(البربر)، يقول الكاتب في الصفحة 135 : ” أسردون: البغل، الفصحى. البرذون: من الخيل ما كان من غير العراب”. هنا نلاحظ أن الكاتب أرجع لفظة البرذون إلى العربية الفصحى، بينما أرجعها القس طوبيا العنيسي الحلبي في كتابه المعنون ب ” تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية مع ذكر أصلها بحروفه ” أرجعها إلى اللاتينية فقال في الصفحة 9 :”برذون : لاتيني Burdo,onis أي بغل أبوه حصان و أمه أتان “. نفس الشيء بالنسبة لمفردة البريد التي يراها صاحبنا الدارودي عربية أصيلة فيقول في الصفحة 215 من كتابه : “أبريد: الطريق، الفصحى. البريد: المسافة بين كل منزلين من منازل الطريق”. في حين يراها القس طوبيا العنيسي الحلبي أنها لفظة فارسية، حيث يقول في كتابه السابق ذكره فيقول : “بريد: فارسي من بردن أي حمل”. ونضرب مثالا آخر على الإختلاف في تصنيف الألفاظ العربية، نقرأ في الصفحة 209 من كتاب عروبة (البربر) للدارودي أثناء حديثه عن لفظة تينيري الأمازيغية فيقول: ” تينيري: البادية، الصحراء خاصة، الفصحى. التنور: وجه الأرض”. نفس اللفظة نجدها عند الجواليقي في كتابه المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم حيث يذكر في الصفحة 132 باب التاء: “ابن دريد : التنور : فارسي معرب. لا تعرف له العرب اسما غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل، لأنهم خوطبوا بما عرفوا. قال ابن قتيبة : روى عن ابن عباس أنه قال: التنور بكل لسان عربي و عجمي …”

هذه فقط بعض الأمثلة حول اختلاف الباحثين العرب في تصنيفاتهم للألفاظ العربية، و التي من خلالها نطرح على صاحبنا الدارودي نفس الأسئلة التي طرحها في كتابه على الباحثين الأمازيغ لنسأله عن المنهاج الذي اعتمد عليه حتى أرجع لفظة بريد و برذون و تنور إلى العربية الفصحى؟ و ماهي الأسس التي اعتمدوا عليها في تصنيفاتهم هذه سواء أولئك الذين قالوا بأنها أعجمية معربة أو أولئك القائلين بأنها أصيلة عربية؟ و هل يستطيع الدارودي أن يضمن لنا اتفاق الجميع على تصنيف واحد جامع لا يختلفون حوله؟ أليس من الممكن أن مجموعة من الكلمات عدها أحدهم دخيلة أتت من الفارسية أو من الحبشية أو من الأرمية، قد يراها آخر مشتركة بين هذه اللغات، بينما باحث آخر يدرجها مع الأصيل البحت الذي لا يشاركه فيه أحد؟ أليس الأمر راجعا إلى أهواء و أمزجة مختلفة ؟ ألا يعتبر هذا نوعا من التخبط الذي سقط فيه الدارودي و خشيم و سعدي في دراساتهم التي يريدون من خلالها جعل العربية رغما عن أنفها أما للغات العالم ؟

أشير إلى أني ناقشت هذه النقطة مع الدارودي على صفحته في الفايسبوك و طلبته بالمناهج التي اعتمدها حتى جعل بعض الكلمات الدخيلة على العربية أصيلة فما كان جوابه بعد لف و دوران إلا أن قال معلقا على سؤالي : أولا المنهج التي اعتمدته أنا في قبول الكلمات الأعجمية الدخيلة و عدها عربية هي أن هذه الكلمات أصبحت معربة و لم تبق على عجمتها، فهي كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها ، و نحت بها مناحي كلماتها ، و دخلت في أوزانها. وأضاف أن هذه الكلمات الأعجمية هي من اللغة الفصحى لأنها موجودة في معاجم هذه اللغة، وهنا نسأل الدارودي هل ورود مفردات في معاجم عربية يكفي للقول بعربيتها و أصالتها ؟ سنعطي بعضا من الأمثلة عن المفردات المذكورة في المعاجم العربية و لكنها رغم ذلك هي دخيلة على العربية، إليك بعض هذه المفردات : بيدر، أقنوم، مسمار، سيف، سوق، سكين، سلة، سلطان، شرطة، ضفة، طحين، عرش، عسكر، عجلة، غربال، غدير، قبعة، كأس، اصطبل، قبعة، فرن، قناة، قنطار، كوب، تابوت، جهنم، حج، شيطان، طبق، طراز، طربوش، درهم، خيش، جاموس، عربة، قنبلة، قفطان، برميل، بنك، باشق، صندوق، طراز، قانون، فيل، زواج، ساذج، أطلس، بستان، باز، خليج، ناي، جلباب، بغل، إبليس، ثور، واحة، كميت، كوز، ديوان، فهرس… هذه الكلمات تستعمل بشكل يومي في اللغة العربية والغالبية العظمى تظنها عربية و لكنها خلاف ذلك.

فإذا كان هذا هو منهج الدارودي فنقول له أن لا يتعب نفسه هو أيضا في مقارنات لا فائدة منها، فنفس منهجه سنطبقه أيضا على الأمازيغية و نقول أن الكلمات التي وجدت في المعاجم الأمازيغية و إن كانت دخيلة على الأمازيغية فهي أصبحت ممزغة صقلتها ألسنة الأمازيغ ونحوا بها مناحي اللغة الأمازيغية و دخلت في أوزانها، وأصبحت من اللغة الأمازيغية لأنها موجودة في معاجمها.

وبعد نقاش طويل مع الدارودي حول المنهج العلمي الذي اعتمده لأن ما سماه منهجا مجرد هوى و رأي شخصي سفسطائي لا يستند إلى دليل علمي، بادر هذا الأخير إلى حظري من قائمة أصدقائه، وهو أسلوب يعتمده الدارودي للتخلص من كل من يقوم بفضح خرافاته التي ينشرها.

شاهد أيضاً

تَمْغْرَبيتْ في مواجهة حملات الرفض والتشكيك

“إني أرغب أن تهب على بيتي جميع ثقافات العالم..لكني أرفض أن تقتلعني إحدى هذه الثقافات ...

تعليق واحد

  1. شكراً لجريدة العالم الأمازيغي على النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *