أخبار عاجلة

“زلاغ” و”تغات” أعلام أمازيغية تحرس مدينة فاس

بقلم: عدي الراضي

بالجهة الشمالية من مدينة فاس تمتد كتلة صخرية؛ ضمن سلسلة جبلية تفصل سهل سايس عن تلال مقدمة الريف. وعن سهل الغرب من الجهة الأخرى. ويعرف القسم الشرقي منها بجبل “زلاغ” والغربي بجبل “ثغاط”. وهذه التسميات عريقة تعود إلى قرون قبل تشييد مدينة فاس. كما تذكر المصادر التاريخية. وبالتجول بالمدينة العريقة والعاصمة العلمية والسياسية للمغرب على مر العصور. نجد مؤسسات ومحلات تجارية تحمل أسماء هذه الأعلام. وساكنة مدينة فاس تنطقها وترددها دون إدراك معناها. وهل فكر أحد وتساءل عن مدلول هذه الأسماء المتداولة بشكل يومي في الشارع الفاسي؟. وفي هذا المقال البسيط سنحاول القيام بدراسة طوبونيمية -تاريخية لهذه الأعلام؛ الحاضرة وبقوة في تاريخ مدينة فاس منذ تأسيسها. بالبحث في الدلالة اللغوية لها ثم أصل التسمية.

زلاغ: في الأصل “أزلاغ” وهو اسم أمازيغي يعني الفحل من التيوس. وقد اعتاد الرعاة ومربي الماعز والغنم على اختيار التيس الجيد والممتاز قوي البنية وجيد السلالة لتخصيب الإناث قصد ضمان جودة النسل بنقل الصفات الوراثية للجيل الثاني؛ وقيادة القطيع. ويتميز بقرون ملتوية وبلحية مسدلة. أما باقي التيوس فيتم إحصاؤها وتعرف ب “إمادزن” جمع “أمداز” بالشدة فوق الدال.

ثغات: تنطقها ساكنة فاس بتغات بتسكين التاء. وهي تحريف لفظي لكلمة “ثغاط” وتعني العنزة أنثى التيس وصغيرها الجدي. والماعز من الحيوانات الأليفة المعروفة بالأنعام والمنتشرة عبر العالم وتعيش في المناطق الجبلية. وتتكيف مع مناخها القارس عكس الغنم التي يلائمها فقط مناخ السهول والهضاب. والسؤال المطروح لماذا سميت هذه القمم الجبلية بهذه الأسماء؟ وأصل التسمية من الإشكاليات التاريخية التي تواجه الباحثين في تاريخ المغرب. فالأماكن تحمل أسماء تخفي وراءها تاريخا غنيا بالدلالات الاجتماعية والاقتصادية إذا تمت صياغتها بشكل جيد؛ يمكن اعتمادها كمصادر تاريخية. تعوضنا عن النقص الحاد للنص المكتوب حول تاريخ المغرب القديم والوسيط. والعمل الجاد والمسؤول الذي يشكل البداية الحقيقية لوضع تاريخ المغرب على سكته الصحيحة ينطلق من تحقيق أسماء الخريطة الجغرافية للمملكة. والحفاظ على التسميات القديمة باعتبارها كنز في خزانة الذاكرة الجماعية للشعب المغربي. وفي هذا الإطار سنحاول قدر الإمكان البحث عن أصول هذه الأعلام. ولتحقيق الهدف لابد من الاستعانة بالمعطيات الجغرافية للمكان والمعاينة الميدانية للمواقع للوقوف على المميزات المناخية والطبيعية للجبلين. وهذه الخطوة تعد المقدمة الأساسية نحو القيام بالمراجعة التاريخية للحضور الدائم لهذه الأعلام في تاريخ مدينة فاس. قصد التقرب إلى الوظيفة التاريخية لهذه الكتلة الجبلية المشرفة على المدينة والعلاقة المتبادلة بينهما. وفي سياق هذا التناغم والانسجام الطبيعي بين المدينة والجبل؛ يمكننا استنباط أسباب تسمية هذه الأعلام بزوج حيواني أليف تميز المغاربة بتربيته من مجاهل الدهور.

بالعودة إلى أسماء الأعلام بالمغرب الأقصى وشمال إفريقيا عامة. نجد محددات عديدة ومختلفة تكمن وراء كل هذه التسميات. وسنقتصر على المحددات الأساسية لتسميات الأعلام الجبلية مادام صلب موضوعنا يصب في هذا المنحى. تتواجد بالمغرب سلاسل جبلية ممتدة على شكل ثلاثة كتل مختلفة الحجم والارتفاع. وتعرف بالأطلس. وهي تسمية بعيدة عن التسميات المعروفة عند الأهالي لجبال المغرب بأقسامه الثلاث. نسبة إلى أسطورة ذكرت في كتابات الجغرافيين الإغريق واليونان. مثل هيرودوت واسترابون. وأطلس حسب هذه الكتابات الجغرافية القديمة شخصية أسطورية تعتبره الميثولوجيا القديمة ابن الإله أورانوس المعروف عند الإغريق. وبعد وضع الخرائط للمغرب من طرف سلطات الحماية الفرنسية اقتبست هذا الاسم من الأرشيف الروماني الذي عرف هذه السلاسل الجبلية بالأطلس واختفت التسميات المحلية.

*الأطلس الكبير: يتميز بقمم مرتفعة وفي الغالب عارية من الغطاء النباتي إلا في السفوح. وينقسم إلى القسم الشرقي والغربي. وتنبع منه أهم الأودية المغربية مثل درعة وزيز وملوية وتانسيفت…….

وفي الذاكرة الجماعية للأهالي و الاسطوغرافية العربية يعرف هذا القسم ب “درن” و هي لفظة أمازيغية تعني جبل الحياة. لما يتوفر عليه من عيون مائية وبساتين توفر الغذاء الوافر والحصانة الدائمة للاما زيغ عبر العصور.

*الأطلس المتوسط: قممه متوسطة الارتفاع تكسوه غابات مهمة من الأرز والبلوط و العرعار. وتنبع منه أنهار عظيمة مثل أم الربيع. والتسمية الأصلية والمحلية للسلسلة هي فزاز.

*الاطلس الصغير: عبارة عن كتل جبلية صغيرة وخالية من الأشجار. وتشكل المقام الرئيسي للكثير من الطيور والحيوانات الصحراوية وسميت بجبال الهكار وهي تحريف للفظة “أهاقار” الذي يعني الغراب وأسراب من هذه الطيور تتكيف بالشكل الصخري المكون للجبل.

ونستنتج مما سبق أن المحددات العامة لأصول تسميات الأعلام الجبلية السالفة تتنوع بين المعنوي و المادي فإذا كان الأطلس الكبير “درن” جبل الحياة، لما يوفره من حماية وتحصين لجميع ربوع المغرب عبر التاريخ. ومن هويته الطبيعية والجغرافية استمد التسمية. فان الأطلس المتوسط “فزاز” اخذ الاسم من شكل صخوره الصلبة والتي تعني بالامازيغية “افزا” و “تافزا” جمع “إفزوان “. والأطلس الصغير استمد التسمية من أسراب الطيور من صنف الغربان التي تتخذ النتوءات الصخرية لهذه السلسلة مأوى لها.

وبالعودة إلى الأعلام موضوع دراستنا وانطلاقا من المحددات المتنوعة لأصول الأسماء الجبلية بشمال إفريقيا عامة المتنوعة بين شكل الصخر والحيوان او الوظيفة العامة لهذه الكتل. والتي يمكن تلخيصها في خانات الغطاء النباتي السائد؛ والطبيعة الصخرية للجبل؛ والشكل التضاريسي. فان تسمية جبل “زلاغ” و “ثغات” لاتخرج عن هذا الإطار. وبالمعاينة الميدانية للجبلين فهي تشكل مراعي خصبة ومهمة لقطعان الماعز إلى يومنا هذا. ويعد النشاط الرعوي من أول الأنشطة الاقتصادية التي مارسها منذ العصور الغابرة. ومن خلال العلاقة بين الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه فان الثقافة المؤطرة للذهنية الجماعية للمجتمعات تتحد من خلال المجال الطبيعي والايكولوجي الذي يحتضن كل جماعة بشرية. لهذا نقف أمام مجموعة من الاحتمالات الكامنة وراء تسميات هذه الأعلام والتي لا يتسع المكان لاستعراضها. ونرجح أن شكل الجبلين هو المحدد الأساسي للتسمية. فجبل زلاغ الذي يشرف على القسم العتيق من مدينة فاس من الجهة الشرقية يظهر من سهل سايس مثل تيس ضخم. وثغات الجزء الغربي المشرف على أحياء جديدة من فاس مثل واد فاس وباب الأندلس اعتقده الأقدمون عنزة واقفة. وقمة الجبل على شكل العمود الفقري للعنزة والتيس. وشكل الجبلين يظهر من بعيد في خط القمة مثل العمود الفقري لهذا النوع من الأنعام المتميزة ببروز عظام مستقيم ظهرها رغم ما بلغت من السمنة.

والبحث في علاقة الجبلين ومدينة فاس يتطلب بحوثا تاريخية عميقة ورصينة. والمسؤولية العلمية والثقافية موضوعة على عاتق المؤسسات الجامعية بجميع شعبها بالمدينة لتشجيع المختصين. والقيام بندوات علمية للتعريف بهذه الأعلام المشرفة على العاصمة العلمية والمتواجدة قبل بنائها بنفس الأسماء. والتي أضحت خلال العصر الوسيط المجال الحيوي لشراء أصول كانت عبر التاريخ “عزيب” للكثير من الأسر وأعيان مدينة فاس. ولعل تسمية المؤسسات التجارية والتعليمية والثقافية بالمدينة بهذه الأعلام؛ برهان واضح على الحضور القوي والفعال لها بالذهنية الفاسية دون معرفة دلالتها اللسانية واللغوية وقيمتها التاريخية في أزمنة المدينة عبر الحقب والعصور.

في الختام فان أغلبية الأعلام بشمال إفريقيا؛ ولدت بميلاد الجغرافية. والمحافظة عليها صيانة الهوية والتاريخ. لن يستقيم البحث في العلوم الإنسانية بجميع فروعها إلا بالتأصيل التاريخي واللساني والسميولوجي لأسماء الأماكن. وإحياء الميت منها إنصاف للهوية الحضارية المغربية. والسبيل الأمثل لمعيارية اللغة الأمازيغية؛ ولعل تسمية بعض المدن الجديدة مثل تامسنا وتامنصورت بأسمائها الأصلية خطوة ومبادرة طيبة يجب السير على نهجها لبعث الروح في بذور حضارتنا. وكتابة تاريخ بلادنا على سكته الصحيحة. والقوة الدلالية والتاريخية للأعلام هي العلة الكامنة وراء صمود الكثير منها رغم بعض التحريفات في النطق مثل زلاغ وثغات في معجم تضاريس جغرافية المغرب. وبالاعتناء بالجذور نمنح الحياة لشجرة الحضارة المغربية. ومن ثمة تخضر أوراقها وتتفرع أغصانها. وتتحسن جودة ثمارها. وفصل الزمن عن المكان فصام لشخصية الذات. واختلال في موازين المجتمعات. وتعريب الجغرافية بالمغرب إساءة لتاريخ البلد.

*باحث في التاريخ والتراث.

حرر بفاس يوم السبت 27/01/2018.

 

 

شاهد أيضاً

متى يستيقظ المجتمع الحقوقي المغربي والدولي لاسترداد حقوق الاسرى المغاربة في سجون البوليسايو ؟

ان قارئ كتاب الاسير المغربي في سجون الذل والعار لدى البوليساريو والجزائر   محمد المحفوظي  الذي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *