زيارة الوداع..

بقلم: فريد الحمدوي

لقد أنهكني السفر رغم حبي الشديد له، صداع في رأسي من قلة النوم والراحة وانعدامهما معا، لكن رغم كل شيء كانت زيارتي للمختطفين والقابعين بسجن عكاشة مثمرة جدا بالنسبة لي رغم كل الحزن والألم ومشاعر الفرحة التي ميزت لقاءنا بأبطال الريف وشرفائه.

استغرقت مدة الرحلة 29 ساعة كاملة، ذهابا وإياب، بمرها وحلوها، وصلنا إلى سجن عكاشة حوالي العاشرة والنصف صباحا، بعد رحلة ذهاب استغرقت 12 ساعة، حيث اضطررنا إلى تمديد بعض أوقات الاستراحة خصوصا وأن بيننا مسنين من الآباء والأمهات، تجاوزوا 65 من العمر وأطفال صغار لا تتعدى أعمارهم أربع سنوات، أضف إليها الطريق إلى جهنم الفاصلة بين الحسيمة وتازة، واستمرار الأشغال فيها منذ سنوات..

بعد استكمال الإجراءات القانونية من تفتيش وتسجيل لأسماء الزائرين، وحل بعض مشاكل عائلات المعتقلين، خصوصا عائلة أنس الخطابي، التي فقدت بطاقة الزيارة، وقمنا بتنسيق مع إدارة السجن والمجلس الوطني لحقوق الإنسان بحل هذا المشكل ولو بشكل مؤقت لتمر الزيارة بشكل سلس، خصوصا وأن زيارتنا تزامنت مع زيارة الأستاذة سعاد الإدريسي عن اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بالحسيمة والناظور والأستاذة شادية موسى..

حين دخلنا القاعة 5 الخاصة بالزيارات، كمجموعة ثانية مكونة من 17 عائلة تضم 36 فردا، إضافة إلى المعتقلين 17، اصطففنا جالسين على كرسي كرانيتي طويل، في شكل حرف “L” كعائلات، أنظارنا كانت مشدودة نحو باب السجن الذي سيدخل منه الشرفاء والأبطال، كنا نترقب ونتبادل الأسئلة التي كانت تطرح، بلا إجابات، لأن الكثير منها لم نكن ننطق بها.. كنا نصوب أعيننا نحو الباب اللعين الذي يفصلنا عنهم، كيف سيكون المعتقلون بعد ثلاثة أيام من الإضراب عن الطعام؟؟؟؟ في لحظة بدأ الحراس بإدخال المختطفين والمبعدين عنا قسرا وظلما، ثم تعالت التصفيقات والزغاريد، الزغاريد والزغاريد والزغاريد والزغاريد…… يمر علينا السجناء واحدا تلو الآخر، تعانقنا جميعا، تحت التصفيقات، حيث تمكن المعتقلون من معانقة وتحية كل من في القاعة، ليعود بعد ذلك كل معتقل إلى عائلته، ودخلنا في حوارات ونقاشات تهم كل عائلة على حدة لمدة 20 دقيقة، بعد أن منحنا فرصة لهم للحديث لأمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم وإخوانهم…

تمكنت من رؤية كل من: نبيل أحمجيق، إلياس حاجي، ربيع الأبلق، الحبيب الحنوذي، يوسف الحمديوي، جواد الصابري، محمد الأصريحي، محمد المجاوي، كريم أمغار، عبد الحق صديق، عثمان بوزيان، إبراهيم بوزيان، بدر بولحجل، عزيز خالي، محمد الهاني، محمد حاكي، أحمد هزاط..

كانت هذه الزيارة مثقلة بالكثير من مشاعر الحزن وصور الكآبة، لم يستطع أحد أن يتمالك دموعه، خصوصا عند دخول ربيع الأبلق، وهو يجر رجليه جرا، بمساعدة أحد رفاقه، بعد أن أصبح جلدا على عظم، وصورة أمه التي فتحت ذراعيها بحجم السماء لتعانقه بحنان وحذر شديد رأفة به.. الأبلق زهرة الربيع التي بدأت تذبل أوراقها، لكن نسمات الربيع لازالت باقية، لا زالت صامدة، بجسد منهك ضعيف، وقوة جبل شامخ لا يرضى الذل والهوان.. رأيت في الأبلق مصير باقي المعتقلين خصوصا وأنه سبقهم في قرار انفرادي بالدخول في إضراب عن الطعام منذ 22 يوما تقريبا…

يوسف الحمديوي اختفت بطنه نهائيا، وفي كل مرة أطلب منه أن يرفع قميصه، ألمس جسده، أنظر إلى وجهه، وأعود لمعانقته من جديد، لن تستطيع أن تشبع من معانقة هؤلاء الرجال الأشداء الشرفاء.. مستعد للتضحية بحياته بكل فخر من أجل أن تنال ابنته وأبناء هذا الوطن عيشا كريما.. والده كان يمسح بقايا دموعه الممزوجة بالفرح والحزن، ذاك الرجل المرح البشوش، الذي تجاوز الستين من عمره، انتهى به المطاف بأن يدخل السجن زائرا لابن رباه على أن يكون صالحا وشريفا، رأيته لأول مرة في حياتي وهو يبكي.. اختزل لي كل هذا العبث في فكرة واحدة، ونحن في الطريق في رحلة العودة إلى الديار: “هل حقا ربيت أبنائي لكي يزج بهم في السجن ظلما، والمفسدون والمتاجرين بالوطن وأبنائه ينعمون بخيرات الوطن وينعمون بالحرية؟؟؟؟؟؟… أبكيتم الرجال أيها الحاقدون علينا..وسنرويها حتى لا تنسى أبدا..

بعد مرور حوالي 25 دقيقة، بدأ المعتقلون ينتقلون بحثا عن أصدقائهم وعن معارفهم، كان أول من اتجه نحوي، هو نبيل أحمجيق، البلبل الذي استطاع بشعاراته أن يحفر اسمه في تاريخ العز والكرامة عميقا جدا جدا.. حين عانقته في المرة الأولى كانت لحظة مؤثرة جدا، قال لي بمجرد أن رآني: الله أكبر، فريد إنو ثاشويث إنو، زويثغش.. وانهال علي بالقبلات والعناق والذي كنا نتبادله حارا دامعا قويا.. استذكرنا معا لحظات سعيدة كنا نقضيها رفقة الأصدقاء على شاطئ البحر في أيام خلت، قريبة بعيدة، نظرت إليه وهمست في أذنه اليسرى: “خرجنا واحتجينا من ديورنا ديما جينا…”، لكمني لكمة خفيفة على كتفي وعانقني من جديد..اختصر لي ما يجري في كلمات قائلا: “نحن أشد الناس حرصا على الحياة وحبا لها، لكننا أيضا أكثر الناس استعداد للتضحية بها من أجل مصلحة الوطن وأبنائه.. لا يخيفنا أي شيء ومستعدون لأي شيء.”

محمد المجاوي، كثر شيبه وازداد ضعف بنيته الجسدية الضعيفة أصلا، الحكيم ببعد نظره، وكلماته الموزونة بإحكام، حين عانقني، قال لي: “شكرا جزيلا لك يا صديقي، أشم فيك رائحة الكثيرين ممن اشتقت إليهم كثيرا…” ثم فتحنا نقاشا حول آثار الإضراب عن الطعام على صحتهم.. قال لي بعد حين: “إننا مضربون عن الطعام من أجل مصلحة الوطن ومن أجل الشهادة إن كانت محتمة ومقدرة علينا، ومستعدون لنوقف الإضراب من أجل مصلحة الوطن تحت شعار رابح رابح”..

أحمد هزاط ومحمد الحاكي وبدر بولحجل، رووا لي فضاعات لا يمكن تصورها، وحجم التعذيب الذي تعرضوا له، « Xranten su qavu mseqqam » وهذا زرع فيهم كراهية لكل الأجهزة التي مروا منها منذ اختطافهم، وشكل لهم صدمة قوية وعنيفة، خصوصا وأنهم لم يتصوروا بأنه لا زال يوجد بيننا من يحمل كل هذا الحقد الدفين لأبناء الريف.. شباب في عمر الزهور، في قمة الحماسة والنشاط، سلميين ومسالمين عقلاء، تنتهك كرامتهم بالشكل الذي سمعته، جعلني أستحضر كل ما قرأته في أدب السجون وسنوات الجمر والرصاص.. ثم سألت نفسي: “هل حقا كان هناك إنصاف ومصالحة؟ هل حقا تم الوفاء بأن لا يتكرر ما جرى؟؟؟؟”..

الحبيب الحنوذي، استغرق معظم وقته مع أخويه العربي وعبد الله، ازداد ضعفا وشيبا، بدأت تنطفئ ملامح وجهه المشعة، لكن لا زال يشتعل نورا بابتسامته الصادقة ونظرته المفعمة بالحب والحنان. ولم يبرح مكان لأنه دخل وهو يمشي على عكازين بسبب إصابته في إحدى ساقيه داخل السجن، خلال مباراة كرة القدم مع رفاقه المعتقلين، وقيدت حركته كما قال لمدة ثلاثة أسابيع..

لم يخف بدر بولحجل فرحته العارمة حين تعانقنا، وكان يشكرني في كل مرة، ويربت على كتفتي ويهزني بخفة تارة وبعنف تارة أخرى، شاب جعل من الموسيقى سلاحه من أجل مصلحة الريف والوطن.. روى لي كل ما تعرض له، وأخبرته بأنني كنت أعمل رفقة أعضاء اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بالحسيمة، بأن يعقد قرانه داخل السجن، لتسريع وتيرة تسوية وضعية أوراقه، خصوصا وأن خطيبته تقيم بالديار الإسبانية، بعد أن تعذر عليه ذلك بسبب اختطافه وإبعاده عنها، والتي لا زالت تنتظر خروجه من السجن لتكتمل فرحتها، ومددت عطلتها لشهر آخر، وكانت تمني النفس بأن يتزوجا خلال عيد الفطر الماضي، إلا أن رياح الاختطاف هبت بما لا تشتهيه سفن الحب.. ثم أجابني: “أشكرك جزيلا يا صديقي، لكنني سأتزوج حبيبة قلبي خارج أسوار السجن إن بقينا على قيد الحياة، وسوف تنتظرني في كل الحالات”.

حاولت خلال زيارتي أن أجلس إلى كل المعتقلين بدون استثناء، وكان شغلنا الشاغل هو أن ننبههم إلى مخاطر ما أقدموا عليهم بقرار دخولهم في إضراب الأمعاء الفارغة، كعائلات طبعا، كأمهات وآباء وإخوة وزوجات، رغم أننا أكدنا لهم بأننا نساندهم في قراراتهم التي تعنيهم بالمقام الأول، لكنها تعنيها أيضا باعتبارهم جزء لا يتجزأ منا.. اكتشفت أن هؤلاء القابعين وراء جدران سجن العار هذا، وكنت قد تأكدت مما اكتشفته منذ البداية، أنهم أشرف بكثير ممن تتجاذب أسهم الوطنية عندهم صعودا ونزولا حسب المصالح في بورصة القيم.. اكتشفت أن حبهم لأبناء وطنهم لا يخضع للمساومة ولا لبورصة القيم، وحبهم للوطن خط أحمر لا يخضع للنقاش والمزايدات.

رغم كل محاولاتنا، التي قمنا بها من أجل أن يراجعوا قرارهم الخطير هذا، ورغم توزيع حراس السجن لعلب الحليب الكرتونية من سعة نصف لتر، وعلب الياغورت، وقنينات الماء، والتي حدثت لأول مرة، من أجل تشجيع المضربين على تناولها، إلا أن المعتقلين رفضوا ذلك كما فعلنا نحن أيضا واكتفينا وإياهم بشرب الماء، إلا أنهم تشبثوا جميعا بالاستمرار في قرار الإضراب المفتوح عن الطعام حتى الشهادة، لكنهم لن يقفلوا باب المشاورات والحوار بحضور ناصر الزفزافي معهم بعد انتهاء الزيارة، والتشاور فيما بينهم، بما يخدم مصلحة الوطن التي تعتبر بالنسبة لهم فوق كل اعتبار، وبما يضمن لهم حريتهم وكرامتهم ويعيدهم إلى أهلهم وأحضان وطنهم الذي تم نفيهم عنه داخل الوطن.. فأسوء النفي هو أن تنفى داخل الوطن من طرف من يظنون بأن الوطن لهم وحدهم.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *