صرخة العدد 249 أكتوبر 2021/2971

المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بأطره الأكاديمية والإدارية، والباحثون المنتمون لمراكزه السبعة، وعدد كبير من مناضلي الحركة الأمازيغية، معهم مواطنات ومواطنون مغاربة ممن تصالحوا مع أمازيغيتهم وهويتهم وتاريخهم المغربي، احتفلوا قبل أيام في الرباط بمرور عشرين سنة على خطاب أجدير المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، واحتفل الجميع أيضا بعشرين سنة على مأسسة الأمازيغية تحت شعار: “عشرينية مأسسة النهوض بالأمازيغية: مسار واستشراقات” وانصب النقاش بالمناسبة، على المسار الذي قطعته مأسسة الأمازيغية، والأدوار التي لعبها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في العقدين الأخيرين من أجل النهوض بالأمازيغية، لكن الغريب في الأمر هو استمرار البعض في التحامل على مؤسسة المعهد الملكي، واجتهدوا في تبرير تحاملهم على هذه المؤسسة بأن لها نسبة في عرقلة الأمازيغية وإدراجها في المؤسسات والإدارات العمومية بالشكل الذي يبوئها المكانة التي تستحقها مثلها في ذلك مثل العربية بحكم منطوق الفصل الخامس من الدستور.

تحامل هؤلاء غير مفهوم لعدة اعتبارات، من ضمنها أن مؤسسة المعهد الملكي برهنت على جدية كبيرة في التعامل مع القضية، وقامت بأكثر من اللازم وفي حدود الإمكانات المتاحة على أكثر من مستوى. والجميع على علم بأن المعهد هو من أخرج إلى الوجود أول كتاب وأول حامل ديداكتيكي لتدريس اللغة الأمازيغية، كما تعتبر كتب المعهد من المراجع الأساسية للباحثين والجامعيين، وهذه الإنتاجات الفكرية من أفضل ما أنتج في مجال الثقافة الأمازيغية بالنظر لقوة وعلمية مضامينها الحاملة للقيم الأمازيغية التي لا تختلف عن القيم الكونية في شيء، سواء في ما يتعلق بحقوق الإنسان أو بالقيم الثقافية العامة، كما عمل باحثو المعهد على إصدار مؤلفات في التاريخ والأنثروبولوجيا، وكان المعهد سباقا إلى إصدار عدد هام من كتب وحوامل بيداغوجية وترفيهية، ورقية وإلكترونية خاصة بالأطفال، ونظم ندوات وملتقيات تثقيفية وعلمية وطنيا وبالخارج في مواضيع مختلفة ومتنوعة، حضرت هذه اللقاءات شخصيات وطنية ودولية، كما نظم سهرات فنية ودورات تكوينية في مجالات كثيرة، كالإعلام والتعليم والسيناريو والفن التشكيلي، وما إلى ذلك من أنشطة ثقافية وفنية بالتنسيق مع المجتمع المدني الوطني…

إلا أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وللأمانة، بقدر ما تفوق ونجح في العمل الأكاديمي والعلمي، فإنه أخفق في العمل التواصلي والسياسي، إلى درجة أن المتتبع قد يلاحظ أن المعهد أخل بالتزاماته كمؤسسة ملكية استشارية، ولم يستطع للأسف فرض ذاته في دروب ودهاليز الممارسة السياسية بالمغرب، ودليلنا في ذلك تقصيره في تجسيد ما نص عليه بالحرف الظهير المؤسس له، والذي يعتبر خارطة طريق عمله، حيث جاء في مادته الثانية: “يتولى المعهد المحال إليه الأمر من جنابنا الشريف إبداء رأيه لجلالتنا في التدابير التي من شأنها الحفاظ على الثقافة الأمازيغية والنهوض بها في جميع تعابيرها. يشارك المعهد بتعاون مع السلطات الحكومية والمؤسسات المعنية في تنفيذ السياسات التي تعتمدها جلالتنا الشريفة وتساعد على إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية وضمان إشعاعها في الفضاء الإجتماعي والثقافي والإعلامي الوطني والجهوي والمحلي“.

بقراءة متأنية لهذه المادة، نستنتج أنه كان يجب على مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أن تقدم استشارات وآراء وتقارير، وترفعها إلى الملك في كل ما يتعلق بملف الأمازيغية وإدراجها في مناحي الحياة العامة، لكونها رصيدا مشتركا للمغاربة قاطبة وبدون استثناء، كما نصت الوثيقة الدستورية على ذلك. وأن يساهم ويتعاون مع السلطة التنفيذية في تنزيل السياسات العمومية المتعلقة بالأمازيغية، بهدف النهوض بها وإشعاعها محليا ودوليا، خصوصا أنها اللغة والثقافة العابرة للقارات، إلا أن إدارة المعهد للأسف بقيت حبيسة جدران المبنى الأنيق بأرقى حي بالعاصمة الرباط، خصوصا بعد تجميد مجلسه الإداري بعد دستور 2011 بحجة إنشاء مجلس وطني للغات والثقافة المغربية.

آن الأوان بعد عشرين سنة من مأسسة الأمازيغية لتسييسها. شخصيا طالبت في أكثر من مناسبة، مذ كنت عضو بالمجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتفعيل المادة الثانية التي أسلفت، خصوصا ما يتعلق بالسياسات العمومية، وكنت أكيفها على أساس أن المعهد عليه أن يضغط سياسيا لينجح في مهامه التدبيرية للشأن الأمازيغي على أساس أنه لا مأسسة للأمازيغية بدون سياسة، كما كان الشعار يرفع ومازال “لا ديمقراطية بدون أمازيغية“، إلا أن السياسة المطلوبة في هذا الشأن هي سياسة حكيمة، سياسة نبيلة لا سياسة النفاق و(تاشلهبيت)، علما أن هناك أحزابا سياسة تسعى فقط لإستغلالها سياسيا بغية تعطيل عجلة تفعيلها وفرملة أجرأتها، كما حصل مع حزب العدالة والتنمية خلال ولايتين كاملتين أي عشر سنوات، وعشر سنوات في عمر الإنسان حسب التراث الفقهي هو السن الذي يسمح فيه بمعاقبة الطفل حين عصيانه لأبويه أو لأولياء أمره، لذلك لم يتأخر المغاربة في معاقبة هذا الحزب إعمالا بالحديث النبوي: “علموهم على سبع واضربوهم على عشر“.

ها نحن الآن نفتح صفحة جديدة كمغاربة وكمناضلين وكمهتمين بالشأن الأمازيغي مع حزب جديد، أخذ على عاتقه مسؤولية تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية من خلال إحداث صندوق لتمويل ودعم الإدراج الفعلي للأمازيغية بعيدا عن المزايدات السياسوية وبدون تقديم أعذار على عكس ما كنا نواجه به في كل محطة من محطات الترافع على هذا الملف تحت ذريعة عدم رسمية الأمازيغية، وبعد دسترتها ووجهنا بشرط إصدار القوانين التنظيمية، وبعد إصدار هذه القوانين رفعت في وجهنا بطاقة عدم وجود إمكانيات مادية ولوجستيكية.

إن الحكومة الحالية برهنت عن ذكاء وحصافة من خلال الإعلان عن إحداث هذا الصندوق مع تعزيز حكامته بإحداث لجنة استشارية وطنية ولجن جهوية لتيسير التنسيق والعمل بين القطاعات الحكومية لتصير الأمازيغية بالفعل مسؤولية وطنية، لأنها رصيد مشترك لجميع المغاربة بدون استثناء، وهذا ما ينفي توقيع شيك على بياض لصالح الحكومة، وسنبقى حريصين وحارسين ومنتقدين بنية بناء وطن يسع لنا جميعا.

وقديما قال الحكيم الأمازيغي:

ⵙⵙⴰⴹⴼⵓⵜ ⵢ ⵉⵎⵉ ⵏⵏⴽ, ⴰⵎⵎⴰ ⵓⵍ ⵏⵏⴽ ⵓⵔ ⵜ ⵥⵕⵉⵖ
ssaDfut y imi nnk, amma ul nnk ur t ZRigh

بمعنى: حل لي قولك، أما قلبك فلا أراه

صرخة العدد 249 أكتوبر 2021/2971 – جريدة العالم الأمازيغي

شاهد أيضاً

صرخة العدد 258-259 يوليوز-غشت 2022/2972

شاركت رفقة وفد مغربي في اللقاء الدولي حول «استعراض واقع حرية الصحافة في ليبيا» وما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.