ظاهرة تقديس الأولياء … وطقوس التدين الشعبي

محمد بادرة / الدشيرة – الجهادية

“ءاكرام” وجمعها “ءيكرامن” تعني في الاصطلاح الأمازيغي “الولي الصالح” أو “الشريف” أو “السيد” وتطلق نفس الكلمة على الجد المؤسس للزاوية الدينية أو صاحب المزار.

وغالبا يقيم هؤلاء الصلحاء والأولياء (ءيكرامن) بجوار ضريح الجد المؤسس للسلالة الشريفة. وفي العرف المتداول لا يجوز أن يضطلع الجميع بوظيفة “تكرامت” إذ لا يقوم بها سوى أفراد قليلون من سلالة “ءاكرام” بل أحيانا شخص واحد أما الآخرون فيجرون مجرى العوام أو يظلون صلحاء في حالة خمول – الأنثروبولوجيا والتاريخ – منشورات دار توبقال للنشر ص 50.

إن هذا اللفظ المحلي (ءيكرامن) يقترن معناه بفئة مخصوصة من خاصة الناس المتسمين بالزهد والورع والتصوف والسخاء والكرم والسعة، كما أن معناه يقترن بالشجاعة المثالية في الإستقامة والأمانة، وتنسب للأولياء عدة كرامات و “معجزات” لكن في مناطق أخرى من سوس يستعمل هذا اللفظ للدلالة على فعل (ءاسكرم) ويعني (الحلاقة) نظرا لارتباط هذا الطقس الإجتماعي (قص الشعر للرضع والأطفال) بفئة مخصوصة من أبناء وأحفاد الولي الصالح دفين الزاوية أو المزار، وتوكل لهؤلاء مهمة قص شعر الرضع والأطفال ذكورا كانوا أو إناثا… وخلال طقوس قص الشعر تترك خصلات قليلة في الجهة الخلفية للرأس أو فوق الجبهة وهي عادة متوارثة عند مجموعة من القبائل السوسية، وهذه الطقوس غالبا ما تمارس أثناء الإحتفالات التي تقام بالزاوية أو بضريح “السيد” صاحب المزار وكذلك أثناء الأعياد الدينية حيث يحمل الآباء أطفالهم إلى هذه المزارات أو الزوايا ويختارون من أبناء وأحفاد الولي من يقص شعر الطفل أو المولود وغالبا ما تحصل هذا الطقوس بعد أربعين يوما من ميلاد المولود(ة).

وتزخر الذاكرة الجماعية في جميع أنحاء الأطلس الكبير والأطلس الصغير وكل المناطق الأخرى من المغرب بإشارات عديدة عن دور الأولياء والصلحاء في تثبيت الأمن والإستقرار والسلم، حتى أن الأضرحة والقبور الخاصة بالأولياء أصبحت أماكن حج يحرم فيها القتال، وتشيد بجوارها المخازن (اكودار) وتقام حولها الأسواق والمواسم، وتمر بجوارها المسالك، وتعقد داخلها الإجتماعات وحلقات الصلح والسلم.

يقوم الولي الصالح أو “السيد” أو “ءاكرام” بدور هام على مستوى البنية السوسيو – ثقافية فهو صلة الوصل بين القبائل وبين النسق الديني السائد، ويعمل على ضمان اندماج هذه القبائل داخل المجتمع الإسلامي عبادة ونهجا وسلوكا، كما أنه يقوم بدور فعال على مستوى البنية السوسيو-سياسية لأنه يمتلك صفات مختارة دينيا وأخلاقيا في المجتمع. ونظرا لأهمية دوره الإجتماعي والديني والسياسي فقد حدد الكثير من المؤرخين هذه الأدوار الهامة ولخصوا بعضها في أمرين إثنين:

  • إحداهما هو ما يتكفلون به للناس من حماية لهم ولأبنائهم وأموالهم ضد كل قوى الشر المرئية منها وغير المرئية، وما يجلبه رضاهم على الناس من بركة في الأحوال والأموال وصحة البدن.
  • ثانيهما ما يضطلعون به من مهام التحكيم سواء بين الأفراد أو بين الجماعات في حال نشوب نزاعات أو صراعات وما تكسبه أضرحتهم من قدسية تساعد على حل كثير من المشاكل المتعلقة بأمن الأفراد وبالمنازعات الجنحية، وكثيرا ما تكون أضرحتهم وزواياهم مزارات تقام بجوارها مواسم دينية لا تخفي أهميتها الإجتماعية والإقتصادية والروحية وحتى السياسية.

إن الأولياء (يمدون القبائل بالإستمرارية وبالهيكل القار الذي يفتقر إليه نظامنا السياسي… والصلحاء هم الذين يوفرون المكان والضمانة الأخلاقية التي تمكن العشائر المتنازعة من الإجتماع والقيام بعملية الإنتخاب، لأن ذلك يتم في مقر الزاوية قرب ضريح الجد المؤسس، وهذا الضريح وما جاوره حرم لا يجوز التنازع في داخله، ومن جهة أخرى يوفر الأولياء وسائل الإقناع الأخلاقية وعناصر الوساطة التي تنتهي إلى نتائج يقبلها الجميع، وبعبارة أخرى فهم يشكلون حجر الزاوية لنظام الأعراف المحلية – نفس المرجع السابق ص 50.

تقديس الأولياء … شكل من أشكال التدين الشعبي

إن تقديس الأولياء من طرف العوام أو الخواص نابع من الإعتقاد بكونهم يملكون صفات خرقة وكرامات صاعقة: ففي بعض الروايات المأثورة عن “سيدي رحال” يعتقد أنه كان يحوم في الهواء حول صومعة الكتبية بمراكش وهو يمتطي أسدا، ويروى عن “سيدي ابراهيم” أنه كان مفرطا في زهده مما أذهل معاصريه، إذ يروى أنه كان يقتات بثمرة واحدة في اليوم، واشتهر مؤسس زاوية “تاسافت” بأنه كلي الحضور، وفي الجنوب المغربي وفي سوس تحديدا هناك روايات شفوية وأخرى مكتوبة عن كرامات ومعجزات للولي “سيدي احماد اوموسى” بتازولت. هذا الولي تشكلت خطوته الرمزية لذى الناس استنادا إلى إيمانه الصادق واعتمادا على روايات تتضمن تحقيقه لعدد لا يحصى من الكرامات والخوارق.

ولد “احماد اوموسى” سنة 853ه – موافق 1450م-  في بومروان بمنطقة اداو سملال، من حلف اكوزولن بسوس الأقصى، وتركز العديد من الروايات على غرائب “احماد اوموسى” ومن بين تلك الغرائب التي يزخر بها موروثه الثقافي الشفاهي:

  • اطلاعه على خبايا النفوس.
  • فهمه للغة الطير والحيوان (المعسول 12 – ص 46).
  • تحويل الرمل إلى ذهب.
  • معالجة المرضى والمشلولين,
  • إعادة الخصوبة إلى النساء وإلى النبات.

وتشير العديد من المصادر إلى أن ” غاحماد اوموسى” لم يكن يروي أو يرسم على مسامع حضوره البطولات والخوارق، فقد كان يسترق السمع ونظرات المحلقين حوله ليحدد مواضيع حلقته لدرجة تسمح له بالخوض في الذات المجتمعية، والكشف عن خبايا الثوابت والمتغيرات، وإن اتقان فن الاحتياط والسرية يكفي لإحاطة صاحبه بهالة من الهيبة والوقار وتضفي على صورته من المبالغات الشيء الكثير.

كان الولي “احماد اوموسى” يتشدد في إخفاء كراماته، وفي عدم ذكر شيوخه بل قل أن يسمع وهو يصف أحدا بالصلاح أو الطلاح (المعسول 12 ص 38). ومن الروايات التي رويت عن صورته ومقامه، أن الشيخ “محند ابراهيم” شبه نفسه بالنجم و”احماد اوموسى” بالشمس التي يحجب طلوعها كل النجوم، وكان في مقدور الولي احماد اوموسى أن يرد بالنفي عندما بلغه الخبر لكنه فضل أن يرد باقتضاب: صدق لكم (المعسول 12- ص 45).

إن الإعتقاد الأسطوري بخوارق الأولياء تصاحبه مجموعة من الطقوس والمعتقدات والعادات التي تعود إلى فترة قديمة من التاريخ تمثل الأشكال الأولية للحياة الدينية، فإلي جانب تمثل البركة والقداسة في الولي، هناك ظواهر أخرى مصاحبة لهذه القداسة، منها ما يقترن بظواهر طبيعية (الصخور – الكهوف – المغارات –  عيون المياه ..).

ومنها ما يقترن بالإعتقاد والإيمان بوجود القوى السحرية (الجن)، وكل ذلك في إطار تعايش سلمي واضح على مستوى اللاشعور الثقافي والجمعي بين معتقدات تعود إلى التاريخ القديم من جهة وبين المقدس الديني من جهة ثانية، ومن مكونات التدين الشعبي:

  • زيارة المغارات والكهوف بقصد علاج اضطرابات الخصوبة – العقم – الإجهاض- أو رغبة الزوجين في أن يرزقا بطفل ذكر (تكندوت بنكنافة – تاغيت اخنيفن – شمهروش بسفح جبل توبقال … ).
  • زيارة منابع المياه وخصوصا تلك التي تملك خاصيات علاجية من قبيل المياه المعدنية الحارة التي تكون كبريتية يصدر عنها بخار فتعطي عالما سحريا، وهي مواقع يعتقد أنها موطن للجن (وتكاد كل الينابيع تملك تاريخا حقيقيا أو أسطوريا أكثره شيوعا هو ذلك المستوحى من النبي موسى عليه السلام وهو يضرب الأرض بعصاه لينبثق الماء فيها). فالأولياء والجن كائنان ضروريان في بعض الأحيان لانبعاث المياه الجارية ذات النفع، كما أن هذه الروايات الشفوية تعتقد بأن ابتعاد الناس عن عبادتهم وخبثهم هما السبب الرئيسي في نقصان الماء أو في الجفاف،.. وتملك المياه التي اكتشفها الجن أو الولي خصائص علاجية في نظر العوام، فهي تشفي من الأمراض ومن العقم (بول باسكون – بيت الحكمة – العدد 3- ص 87).
  • الإعتقاد بالسلطة السحرية وهي سلطة ميتافيزيقية يلجا إليها الضعفاء والفقراء والمظلومين والمحرومين، ويتغدون بها لمقاومة المتجبرين ومجابهة الأقوياء بسلطتهم المادية والمعنوية، فالسخط وسيلة لإعادة “توزيع العقاب والمصائب” على المعتدين والجبابرة والأعداء والخصوم.
  • استعمال التمائم والحروز من قبل النساء وصغار الأطفال والحوامل والمرضى والمشوهين والمعوقين حيث يعلقونها في أعناقهم أو في محلاتهم وعلى دوابهم وسياراتهم وكأنها قوة غيبية ترد عنهم كل الشرور والمصائب.

المرأة  وتقديس الأولياء

في شمال المغرب ووسطه وجنوبه تتواجد سلسلة متصلة من الأضرحة والمزارات لأولياء و”سادات” يتمتعون بقدرات “خارقة” في علاج المرضى والمختلين والمصابين بالصرع والمعتوهين..، وتشكل هذه الأمكنة فضاءات يلتمس فيها العليل شفاءه وتلجا إليها النساء لأبسط حالات القلق أو الاضطراب النفسي أو الجنسي، ويحج إليها الكل في مناسبات خاصة وتقام فيها الأضحيات.

  • كان ضريح بويا عمر قبل أن يتم منعنه من طرف وزارة الصحة مقصدا لعدد كبير من المختلين عقليا القادمين من كل جهات المغرب، وبجوار هذا الضريح تتواجد مجموعة من المساكن العشوائية والخيام التي يأتي إليها المرضى رفقة عائلاتهم، وفي هذا المكان تجد “الخلوة” المحفورة تحت الارض ينزل إليها المصروع مكبلا ليمكث فيها أياما إلى أن تنفك أغلاله من تلقاء ذاتها، بل كانت تمارس فيه بعض العلاقات غير الشرعية حسب الروايات المتواترة.
  • في مناطق أخرى تجد مغارات مشهورة بطقوس “ليلة الغلط” حيث يدخل الأفراد من الجنسين إلى المغارة قصد الإحتفال بمدار فصل الشتاء، أو باعتدال فصل الربيع، ويتعاطون لعلاقات قد تكون في أحيان كثيرة جنسية حرة.
  • في اغرم كانت النساء تقوم برجم مغارة مغلقة على خاطب نكث عهده ثم ينصتن إلى صرخاته ويؤولن نبوءاته عن الغيب.
  • عيشة قنديشة الأسطورية (وليس التاريخية) هي كبيرة “الجنيات” أضفى عليها الناس صفات خرافية، وبالنسبة للبعض هي شابة حامية تغوي عشاقها وتسحرهم تم تلتهمهم، و للبعض الآخر هي ساحرة شمطاء شيطانة، تتلذذ بالفصل بين الأزواج، إنها قد تكون شخصية اغريقية المنشأ تحيلنا على (عشتار) ملكة الحب القديمة التي كانت معبودة على امتداد دول البحر المتوسط من قبل الكنعانيين والفينيقيين والقرطاجنيين.

إن تقديس الأولياء عند المرأة هو نوع من التدين الباطني، وهو ذو وظائف اجتماعية وعلاجية ورمزية، إن موسم الولي أو “السيد” هو لحظة زمنية خارجة عن نطاق الزمن المادي الرتيب ولحظة زمنية ممتعة تنعش المكبوت وتقطع الصلة بزمن الإستبداد والإستغلال المهيمن على سلطة اليومي.

إن زيارة ضريح الولي أو الإحتفال بموسمه هو لحظة متميزة بكثافة المقدس لأنه فرصة للمرأة كي تنقطع عن الزمن اليومي وتنفصل عن المعتاد والرتيب. ففي أيام الإحتفال وأثناء الموسم الديني تحقق المرأة التواصل الوجداني والعاطفي بينها وبين الآخرين وتستطيع أن تفجر مكبوتاتها وتطلق العنان لكوابحها وتفجر ما كمن في أعماق لا شعورها وتتحرر من الخوف والخجل والصمت وتعبر عن مشاعرها وعواطفها كما شاءت دون أن يكون هناك من يمنعها من ذلك.

إن مقام الولي هو مكان حرم كل من يدخله أمن مطمئن لا يتعرض للقمع أو للضغط أو للمساومة، لذا فالمرأة تطمئن حينما تلج هذا المكان وهذه القاعدة الآمنة فتتحدث طوعا عن همومها وأحزانها (العقم – الأجهاض- الحسد) وتتواصل مع غيرها من الزائرات والزائرين وتحي في هذا الزمن الإستثنائي حالة فريدة وتجربة وجدانية يكون فيها المقدس شاهدا على هذه التجربة.

أشار الأستاذ عبد الواحد بن ياسر إلى ظاهرة تقديس الأولياء واعتبرها من الطقوس والمعتقدات التي تعود إلى التاريخ المغاربي والمتوسطي القديم، ورأى أنها تمثل الأشكال الأولية للحياة الدينية في المنطقة، كما يشمل التدين الشعبي إلى جانب تمثل الإله الواحد – البركة والقداسة (الولاية). كما يمكن أن يكون هذا المقدس مقرونا بظواهر طبيعية (الأشجار – الصخور – مجاري المياه – الكهوف …) ويضيف الكاتب أن وحدة الخطاب التيولوجي يميز بين هذه الظواهر وبين تدين النخبة الخالص، بيد أن التدين الشعبي يجمع كل هذه العناصر وضمنها معتقد التوحيد ضمن تجربة واحدة ومتجذرة ومن هنا تبتعد ظاهرة التقديس للأولياء من أن تكون تعبيرا عن شكل تدين بدائي أو رفض واع للإسلام كما اعتقد وروج لذلك الإستشراق والأنثروبولوجيا الاستعماريان لزمن معين.

شاهد أيضاً

الفلاح “الأمازيغي” المدافع عن العرش

بإعادة صياغة أطروحة المتخصص الفرنسي في العلوم السياسية ريمي ليفو، التي عنونها ب “الفلاح المغربي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *