عائشة تغزافت فنانة ضد النسيان

المكي اكنوز

وفي غالب الأحيان نذكر أسماء لأعلام العازفين و الأداء الصّوتي من رجال الغناء بالأطلس المتوسط، في حين تضع الفنّانات في مرتبة ثانية أو أحيانا يهمل ذكرهن حتّى كأن لا دور لهن في تلك الحركة الموسيقيّة والفنّيّة الهامّة في مسار الموسيقى الامازيغية بالأطلس المتوسط، والحال وأنّه بالرّجوع إلى أصول الغناء الأمازيغي يستطيع كلّ مطّلع أن يكتشف الدّور الذي لعبته النّساء الأمازيغيات في ترسيخ الفن الموسيقي و الغنائي.

وحديثنا اليوم عن نجمة يسبقها نورها، نجمة سطعت كان زادها منذ انطلاقتها موهبة فنية ورغبة صادقة في تحقيق الذات، وما لبثت أن طبقت شهرتها الآفاق لأنها لم تبحث عن الشهرة ولكن الشهرة حلت عليها وطرقت أبوابها بفضل صدقها في أدائها وتفانيها للفن. لقد اكتوت بدورها بنار الفن، واقترفت السير فوق الصفيح الساخن في وقت كان فيه ظهور الصوت النسائي مستبعدا، لاعتبارات عدة أهمها العامل الديني، حيث كان من قبيل الإستحالة أن تحترف المرأة مهنة الغناء والرقص في ظل التمسك بقيم وأخلاقيات المجتمع المسلم المحافظ، غير أن هذا لم يمنع كون منطقة الأطلس المتوسط كان لها طربها النسائي الخاص بها، والذي ينحصر في فلك الحفلات العائلية.

إنها الفنانة (ناصيت عائشة)، اشتهرت بلقب عائشة تغزافت وظلت محافظة عليه و لا تعرف إلا به، لم يكن هذا اللقب وليدة الصدفة أو جاء من فراغ، إنها تتوفر على مواصفات النجومية المطلوبة آنذاك من جودة الأداء وقوة الصوت والقدرة على التطريب، رأت النور سنة 1940 بتغسالين، خنيفرة.  نشأت في بيئة امازيغية واستكملت نموها بين فئات وطبقات شعبية انفعلت بها واستواحتها، فأوحت إليها بأنغام أمازيغية خالصة التي لا تعرف لكنة ولا تميل إلى الإنحراف، سواء في طور إنشادها الأول أو أثناء احترافها.

و الواقع أن هذه المقالة المتواضعة لا تكفيها حقها، ذلك أنها كانت كبيرة في أغانيها، رائعة في أخلاقها، نبيلة في علاقتها، صادقة وافية مخلصة في وطنيتها.

كانت بدايتها مع الفنان شيخ حافتي محمد بن سيدي بناصر من مواليد عام 1940 بتغسالين خنيفرة، تحبل محياه مسحة من الجمال والهيبة و الوقار وينحدر في اصله ومنبته من “تيغسالين” ويعد من رجالاتها و مشاهرها لشعره وصوته وخلقه الرفيع و أول لقاء بعائشة تغزافت، حصل برحاب حفل بقرية تيغسالين، وشاء القدر الرباني، أن تتوثق العلاقة بينهما فكلما نظم حفلا أو انتقل إلى بيت من البيوتات المرحبة به ، كانت رافقته عائشة تغزافت، مما زاد من دربتها وتمرسها بالفن الأمازيغي، و رفع من قدرها وعيارها، كصوت جيد بين المرددات من القرى المجاورة لقرية تيغسالين،  بعدها سجلت معه عدة قطع بدار الإذاعة الوطنية ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، أغنية : (إذ ايمانو أين ديوين غُورِي ازال) و التي ما لبثت هذه القطعة أن حققت شهرة واسعة وجعلت عشاق الفن الأمازيغي يستبقون للإستماع إلى الوافدة الجديدة على عاصمة الغناء و الفن الأمازيغي. و أتاح لها أن تستأثر باهتمام كافة الأوساط، وتعزيز مكانتها، لحد جعل العديد منهم يتنافسون في التقرب منها بالإقبال على سهراتها. حتى استقطبها أحد الأعيان إلى قرية عين اللوح، و جاءت غضة يانعة، بصوتها الملائكي الحالم الذي يوحي لك أنه قادم للتو من السماء ليمسح عن القلوب الأحزان والمتاعب بكلمات موزونة و ألحان تفيض عذوبة، و تحول اللحن إلى سيمفونية تثير الإعجاب.

مما أتاح لها أن تغني أمام الفنان حمو باليازيد، مع العلم أنه كان شديد البحث عن الأصوات النسائية الرخيمة و يولي الاهتمام بها، وبحسه الفني أدرك في صوتها من خصوصية و إمكانيات فأراد أن يساهم في تربيته، وكم من مرة في أغانيه إكتفى بالعزف وترك المجال للنسوة في تبادل الغناء بينهن حتى لا يكون هناك تشويش على جودة الحنجرة، كان أيضا حريصا على كرامتهم. فكان إذا أثاره عمل لا يرضيه من أحد المشاهدين توقف عن العمل، حتى يتقدم الجميع بالاعتذار إليه. كذلك حرم الكلام على الجمهور والتشاغل بالمسليات من”قزقزة” خلال الغناء. يحكى انه كان يحي حفلا، والتف حوله علية القوم، ثم أحس بان احد الحاضرين يحادث زميلا له أثناء عزفه، فتوقف عن العزف، و أمر المجموعة بمغادرة المكان.

لقد حفظ حمو باليازيد كرامة فنه، وعزة نفسه، واثبت انه جدير بحمل تلك الأمانة الفنية، وصيانتها من العبث، والترفع بها عن المنزلة الساخرة، والتسامي بها على أن لا تكون تسلية عابثة. لقد بذل  قصارى جهده في الارتفاع بمستوى النظرة العامة إلى هذا الفن، حتى يتبوأ المكانة المرموقة التي ينبغي أن تكون له بين بقية الفنون المغربية الأخرى، وحتى يتعرف الجميع على رسالة الفن في التثقيف والسمو بالذوق الجماهيري وتهذيب النفوس.

كانت عائشة تغزافت تتمتع بإطلالة جميلة وبحضور قوي وجذاب في الحفلات الحية التي كانت تحييها إلى جانب حمو باليازيد، ومن خلاله استطعت التعرف على عشاق الحفلات والغناء من الطبقة الأرستقراطية، وكبار المسؤولين في الدولة في ذلك الوقت، و تفجرت طاقاتها المخزونة. و أخذ حمو باليازيد، يحس بصوتها ويتأثر بما في حنجرتها من إعجاز فني.  و من هذه الانطلاقة المذهلة، و الشهرة الكبيرة التي وجدت عائشة تغزافت نفسها تسبح في أجوائها، تفتحت عيون المنتجين عليها، وبدؤوا يتسابقون في مد أسلاك الحرير لاصطيادها وإقناعها بالارتباط بعقد احتكار. حتى فازت شركة الإنتاج مراكشيفون بالدار البيضاء بهذه الصفقة، انطلقت عائشة تغزافت، تفرض بما عندها من صبا عارم، وشباب ربيع، وصوت دافئ، على الجمهور لتذوق الطبق الدسم في قطعة ( أيمانو أنشار أخوبنك أوما ياطرح والوث) التي كانت عنوان لهذه الأسطوانة الأولى من فيئة 45 لفة تحت عدد:  A/BMRK106 لدى شركة الإنتاج مراكشيفون، و تقول كلماتها:

أيمانو أيمانو أنشار أخوبنك أوما ياطرح والوث

أواينحوبانو أَوَا گان جليج إصنالنك أم صاليخ اورا

أيمانو أيمانو أنشار أخوبنك أوما ياطرح والوث

أَوَا م كا كثيا لخرا أم دونيث اذاك ثمساسا أوناريخ

أيمانو أيمانو أنشار أخوبنك أوما ياطرح والوث

أَوَا ينحوبانو اذ سنت استوث أواي يضان

أيمانو أيمانو أنشار أخوبنك أوما ياطرح والوث

ربي نعثي طالب نونيرون إذاخ يارو نك أكتوسا

أيمانو أيمانو أنشار أخوبنك أوما ياطرح والوث

من خلال هذه القطعة يمكن القول بأننا بصدد مدرسة لحنية محددة المعالم لها خصائصها التي تنفرد بها عن تجربة الفنانين الذين عاصروا حمو باليازيد، فارس لا يجارى في مضمار الأغنية الأمازيغية، وقد كان للرجل بالفعل إسهامه النوعي الذي يحسب له في حقن الأغنية الأمازيغية بدماء التجديد، ابرز مقاومتها التوفيق بين روح التطريب وبين الأشكال النغمية، وهو ما جعل أغانيه تقف بندية كاملة مع ما تغنى به رواد عصره.

وهكذا استمرت الفنانة عائشة تغزافت التي وجدت في شيخها حمو باليازيد، منهلا ترورا لا ينضب، فأخذت تعب منه عبا، وبكل ما وسعته يداها، ولم يكن هذا الإرتواء النهم يزيدها إلا نهما وعطشا وشغفا بهذا الفن، في وقت كان فيه شيخها هذا يحيطها بكل مظاهر الحدب و التشجيع، و هكذا ظفرت عائشة تغزافت من ملازمته بتربية فنية، صقلت وجدانها ونمت ذوقها الفني، و زادت من قوة وصفاء حلاوة صوتها، ومن امتلاكها مهارات حسنت من جودة أدائها. وأخذت تزحف وراء الفن متحدية حنينها إلى عائلتها فعثرت على سعادتها بين أوتار و ألحان المبدع حمو باليازيد، الذي أعطاها عصارة فنه، مما دفع بعض الفنانين السفر إلى مدينة الدار البيضاء لتسجيل أعمالهم الغنائية على الاسطوانات أسوة بالفنان حمو باليازيد و عائشة ثغزافت، وطرحها بالأسواق التي تجاوز تأثيرها الغنائي مدى الترفيه و التسلية، و شاركت في تشكيل ذائقة موسيقية، بل لتأسيس ثقافة موسيقية أمازيغية مميزة خارج النطاق الجغرافي، كان بحق عصر جديد من الانتشار للأغنية الأمازيغية بالأطلس المتوسط قد انبثق، وأصبحت الأغاني الأمازيغية تسمع في داخل البيوت، و أفراد الأسرة يتحلقون حول الفونوغراف ليستمعوا إلى أغنية على الأسطوانة، و أصبح تزايد الطلب الجمهور على شراء الأسطوانات الامازيغية. حيث راجت آلف الأسطوانات من فيئة  33 16// 45/8 7 لفة التي لم ينجو من التلف منها إلا القليل.

بعد ذلك خصها حمو باليازيد بقطعة اخرى حققت نجاحا باهرا وهي أغنية(أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي) التي تقول كلماتها :

أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

ماخ إذ سولينو أسوثخ إبرذان

أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

اسي يسغوص أسمون أرثن أورزوخ

أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

ماذْ إمكوسانك أبضاض إيذييخ

أممينك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

أريك تاويخ نك أمور إيعدان

أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

أَوَا ينحوبا أشياض أيغورك ييخ

أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

أدا أور ثوفيث شأ أري ثورزوث

أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي

اظهرت عائشة تغزافت في هذه القطعة قدرتها في التعبير عن أوسع المساحة الصوتية التي امتلكتها، بدءاً من الصوت المنخفض، وصولاً إلى الصوت الحاد، من دون ظهور أي اثر للمبالغة أو التعب، أو الإساءة إلى مقتضيات الغناء الهادئ الرصين، دون إسفاف أو ابتذال، أغانيها يترنم بها الناس من شتى الفئات العمرية، لأنها أعطت مدلولاً واضحاً على مستوى فنها الذي يرهف له الوجدان ويشجي الآذان.

اعجب صاحب شركة الإنتاج الفني للأسطوانات ” موساويفون” المنافس في السوق لشركة الإنتاج مراكشيفون، بأداء حمو باليازيد، وسحرته حلاوة نغمه، وطلاوة أدائه، وقوة صوت عائشة ثغزافت، لم يترك لأحد فرصة الإنفراد بهذا الصيد الثمين، فاستطاع أن يتعاقد معه لتسجيل عدة قطعة منها  “أيول أيول اشيران” فهي من كلمات الشاعر الحاج ادريس مزاي لا تسل عن مدى المفاجأة الكبرى عند سماع الجمهور هذه القطعة حيث سحرهم أدائه المعجز مما جعل الجميع يلهجون بالثناء على هذا الإبداع الفني لم يسبق له مثيل، وتقول كلمات القطعة :

أيوول  اشيران اوا هاثين عميع

قدمخاشن ربي أويذريخ أَوَا هاثين عميخ

إناس اتعموث

أيوول أشيران وأمي أَوَا ادج أكتابعخ

ماذْ اوغاكي تهوال أوايذ ايجران اوا هاثين عميخ

إناس اتعموث

أيوول أشيران وأمي أَوَا ادج أكتابعخ

أسيد المليك ربي أكي عزا أَوَا هاثين عميخ

إناس اتعموث

أيوول أشيران وأمي أَوَا ادج أكتابعخ

أَوَا شگين أيذيگان أسيد گراخ أَوَا هاثين عميخ

إناس اتعموث

أيوول أشيران و أمي أَوَا ادج أكتابعخ

أسيد الحسن ربي أكي عزا أَوَا هاثين عميخ

إناس اتعموث

أيوول أشيران و أمي أَوَا ادج أكتابعخ

يث أربي أم وايور گيگْنا أَوَا هاثين عميخ

إناس اتعموث

أيوول أشيران و أمي أَوَا ادج أكتابعخ

قطعة” أيول أشيران” تم تسجيلها على الأسطوانة من فيئة 45 لفة تحت رقم M.S.P 3300 التي اعتبرت منعطفا هاما في تاريخ الغناء الأمازيغي، بفضل الأسلوب الجديد الذي اتبعه فيها، واستغل فيها طاقة الفنانة فاظمة باسو مع عائشة ثغزافت الصوتية. للأمانة التاريخية يمكن القول بان فاظمة باسو، وصديقتها عائشة تغزافت، يمثلن الرعيل الأول من المغنيات الأطلسيات اللواتي اقتحمن مجال الغناء وتجشمن السير في مسالكه الوعرة.

فاظمة باسو الذي بزغ نجمها في سماء الأغنية الامازيغية مع الفنان حمو باليازيد، حيث سرعان ما تألقت ولفتت إليها الأنظار نظرا لنبوغها المبكر وإجادتها في أداء الألوان الغنائية بالإضافة إلى توفرها على مواصفات النجومية المطلوبة آنذاك من جودة الأداء وقوة الصوت والقدرة على التطريب، كانت فاظمة باسو، تتمتع بكاريزما معينة فضلا عن ميزة الجمال، وهي العوامل التي ساهمت بالفعل في صنع شهرتها وتعزيز مكانتها داخل مجموعة حمو باليازيد ولدى علية القوم وكبار المسؤولين آنذاك.

كان لهذه الفنانة تأثير مباشر على أداء الأغنية الأمازيغية بالأطلس المتوسط، لعبت دورا  هما في إثراءها، ليس فقط من خلال الأعمال التي أدتها بصوتها بل من خلال اقترانها بالفنان حمو باليازيد.  ولقد جمعتها مع عائشة تغزافت، عدة تسجيلات بدار الإذاعة الوطنية، رفقة زميلاتها رابحة نحدو يشن، زهرة حماد، زهرة عدي. يامنة اولويرة، معدني معبيط،  وغيرهما..

قطعة “ايول أشيران” أقضت مضاجع بعض شيوخ الغناء، ودفعتهم للتأمل وقفوا مبهوتين أمام هذا الفتح الجديد، الذي غير وجه الأغنية و الغناء عموما.

و أصبح جهاز الفونوغراف في كل بيت، وفوجئت الشركة الإنتاج موساويفون بإقبال الجمهور على اقتناء الاسطوانات إقبالا منقطع النظير، لم يكن متوقعا، فقد تعددت طبعات تسجيلات. مما دفع بالمنتج الفني مراكشيفون بتسجل اسطوانة جديدة من فيئة  45  لفة تحت عدد: A/B1066 MRK بعنوان” لجبال بضناخ”، وحققت نجاحا مدويا. التي تقول كلماتها   :

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

شوف أينا  يثييث أراك نتصبار أواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

أممينو مانيگ خثافث أولينو ساوذيوك

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

أخيذ ذومارگ ذ وأواي ابرذان اواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

أممينو ماخ اسثيا صاحث أوزال أويذريخ

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

أينجذا ماو نتني وايذريخ اواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

إذ نك ايثيرزون ماذْ نتا خيورزون أواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

إعمار اولينو أم أو خنشي يگنان اواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

أم أوسكين إزلا بابنس أيذيخ أواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

كيخد ثما وخام أوذر اسگلاف

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

مايتنين ماغر ثديث أوايذريخ اواوا

اممينو لجبال بضناخ اواوا اوناريخ ثدجث أمارگ ذيگي

فجاءت هذه القطعة تحفة فنية رائعة، و عرف الجمهور قيمة هذا الأداء، وتقبلوه، وحرك مشاعرهم، و قدروا من صاغ كلماتها ولحنها وعزفها تقديرا كبيرا. من منا لم يحب أغاني عائشة تغزافت مع حمو باليازيد؟! ويستوقفه هذا الرجل الرقيق الدقيق المملوء بالإحساس. الذي يغني بشجن وكأنه يتألم في رومانسية مسموعة ملحنة! من منا لم يدندن قطعة:” أممي نك أغرا نوثن ابرذان أدا يدي حوف أمارگ غيفي”؟!

اتجه حمو باليازيد مرة اخرى و بمعيته كل من حسن الناصري الملقب (بويقفي) وعائشة تغزافت وفاطمة باسو، لتسجيل قطعتين لشركة مراكشفون، على الاسطوانة من فيئة 45  لفة تحت رقم MKR 1062 A/B   الأولى” اورا ياوا” و الثانية “كخد القباث” التي تقول كلماتها :

آبِسْمِ أَدِيسْكْ ارْزْمَخْ إِمي وَشْيْ أَسْ ثْبْنا الْدُونِيثْ أَمُولاَنَا

بِسمِ اللَّهْ أُونَّا أُورْثِينِّينْ أُورْ إِضْمِيعْ أَدَاسْ يَالِي وَاوَالْ

وَكِيخْدْ لْقْبَاثْ نْقْرْخْ أَلُونْ إيحَاصرْ أُگَدِيرْ ثِحْمَّامِينْ

وَنَّا يْرَانْ أَذْ إِسْعِيشْ الْوَاشُون إِوَعْدْ أَبُوبَال سَ أَيْثْ وَاحِي

وَنَّا يْرَانْ أَدْ إِنِّي أَيْنَا يْزِلْنْ إِخْثَارْ ثَوِدْجِي إتَطْظْنْ أَغِو

أَيَسْمُونْ أَدَاشْ ثَاغْ ثْمَارَا أذَاكْ سْبَبْخْ إِعْفُو مُولاَنَا

إِنَّوْنْ أُوشيبَانْ خُ تْرْحَالَثْ إِلاَّ الْبَارُودْ أَمْحَايْلْ غُورِي

أَيُوصْكَا مِي گِيخْ ثِخْلْخَالِينْ سوگْردْ أتزرثْ إِخْفْ إِثْمْلاَلِينْ

عائشة تغزافت فنانة ضد النسيانففي هذه المرحلة أخذ رواد الفن الأمازيغي بالأطلس المتوسط، يحاولون الانفراد بصوت عائشة تغزافت، و تقودها الأقدار الربانية مرة أخرى إلى لقاء هرم كبير من أهرامات الفن الأمازيغي في احدى الحفلات التي كان يحيها الفنان حمو باليازيد بحضور مولاي ادريس نسيدي عدي، وقبل افتراق أعضاء ( الرباعة) دَنا مولاي ادريس من عائشة تغزافت، ونبس إليها بعبارات، تدعوها إلى المجئ إلى قرية سيدي عدي في يوم قريب حدده، حتى تشتغل معه في احدى الحفلات بنفس القرية، وبالفعل تحقق اللقاء الأول، وفيه كانت عائشة تغزافت من البداية بمعاملة خاصة من الفنان مولاي ادريس، لوثوقه في موهبتها الصوتية وقدرتها الفنية، وقد أعقب هذا اللقاء، لقاءات أخرى في البداية لم تكن منتظمة، وبعد ذلك انتظمت هذه اللقاءات وتلاحقت فأصبحت عائشة تغزافت عضوة لا غنى عنها في مجموعة مولاي ادريس، بل أصبحت أحد الاجنحة الرئيسيّة، بعدما وجد فيها الموهبة التي كان يبحث عنها لإغناء مجموعته التي كانت تتكون من قدور، زهرة عدي نعاشي بتسجيل كوكتيل غنائي رائع بدار الإذاعة الوطنية، وعلى سبيل المثال لا الحصر قطعة (ثديث ايما ثسافرث اوا ثزريثي كو مازير يوران) ونضع بين يدي القارئ العزيز هذه الأبيات:

 

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

أَوَا يَاثيِطْ إِنُو أَثَا بَرَكَا يْمْطَاوْنْ قَادْ أَذَخْ ثَعْمُوثْ

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

وَثَا مْشْ إِدَّا وْمْدَّاكْلْ هَيَاشْ وَيَّاضْ أُورِيدْ أَمْ وَالِيخْ

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

وَاللَّهْ أَرْدَ تْصْبَارْخْ مَشَا أُورِي ثْسُّوفْغْ ثُودَيْث غْرْ شَا

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

غَاسْ أَذُورْثْسَافْرْثْ سْ وِنًّا أُورْ إِيعْجِبْنْ سْ وِدَّا أُوريحْمِلْنْ

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

أَوَا يَايُولْ إِنُو إِقْرْصَان إِگَانْ إِخْبَا دَاً تُّوتِينْ إِحْلاَّل

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

ثْدَا تْصَّارْثْأرْزْمْخَاسْ نْگَاسْ ثِيمْنْزَا گْ يْنَا إِصْحَا وَشَالْ

ثْدِّيثْ أَيْمَا ثْسَافْرْثْ أَوَا ثْزْرِثِي گُ أُومَازِيرْ يُورَانْ

وعلى امتداد عقد من الزمن صار لهذا الثنائي عائشة تغزافت و مولاي ادريس شأن كبير، إلى أن تفرقت بهما السبل لكنها سرعان ما عادت أدراجها صوب قريتها تيغسالين، ليلتحق الفنان الحاج نعينيعة مصطفى بعائشة تغزافت لتشكيل مجموعة جديدة، فهو الفنان الثالث من حيث الترتيب الزمني مباشرة بعد الشيخ مولاي ادريس، و العوامل التي حفزته على الرغبة بالإلتحاق بعائشة تغزافت، التطلع إلى الآضواء والنجومية، ولقد تلقى عنها أصول فن الغناء، قد تكون لقد اكتملت شخصيته على يديها، نظرا لإلمامها بأسرار الغناء، ولذاكراتها  التي كانت بمثابة خزان للشعر( إزلان)، فهو كان بدوره ملما بأصول غناء العيطة بشتى أصنافها، فإنه لا محالة كان بحاجة الى تجربة من حجم الخبرة التي كانت لعائشة تغزافت، خاصة في مجال الغناء الأمازيغي. واستمرت تجربته معها إلى غاية 1970 و التي شكلت تتويجا لعطائه وإبداعه الفني في قطعة  (إذيغيل ايثريث إذاك كسوخ گعاري). سوف تأخذ عائشة تغزافت تجربة اخرى مع الفنان الذي غاص في بحر الأغنية الأمازيغية، الذي لا قرار ولا ساحل له، فأعطى ثم أعطى العديد من الروائع، انه استوح لحسن الملقب بأعشوش، و هنا لا بد من الإشارة إلى أن أبرز خاصية كانت تجمع بين عناصر المجموعة ( الرباعة) الفنية لأعشوش و عائشة تغزافت أنهم كانوا يلتقون في مناخ يسوده الإخاء، و عشقهم و ولاؤهم للفن الأمازيغي.

و حين نقرا ظاهرة إقبال كبار الشيوخ على استقطاب عائشة تغزافت، قراءة فنية ندرك عظمة صوتها بأسماعهم قبل أسماعنا. وهؤلاء الرواد مختلفون في أساليب عزفهم اختلافا واضحا. فمنهم التقليدي ومنهم من يقف على عتبة التجديد. لكنهم متفقون جميعا على أن صوت عائشة تغزافت يصلح لألحانهم جميعا وان اختلفت مشاربهم وأساليبهم في العزف. وهذا الاتفاق الجماعي دليل على عظمة صوتها. وقد سبق لهم أن اتفقوا على عظمة صوت الفنانة فاظمة باسو. لا بد أن يكون صوت عائشة تغزافت المتفرد قد استوى مع معاييرهم الثابتة. وهي معاير فنية لا يختلف عليها اثنان. من ذلك معيار المساحة الصوتية و القدرة على الغناء.

ولكن في ما يخص تسجيلاتها الخاصة فقد يصعب العثور عليها، لم تكن منتشرة كثيراً  في تلك الفترة، وقد اقتضى البحث والتنقيب عنها، وفي الظنّ أنّها قليلة العدد بسيطة القدر، إلى أن تبين لي لاحقاً أنها على العكس من ذلك نصّاً ولحناً وأداءً.  ولست أدري إن كانت تلك التسجيلات قد انتشرت وعُرفت في السنوات الأولى لظهورها، ثم خبا ألقها وضاقت مساحة انتشارها، أم إنّها كانت منذ البداية حكراً على بعض الذوّاقة والمهتمين، ممّن كانوا يترددون إلى حفلاتها، وهذا ما يدفع إلى البحث والتفتيش عن هذه التسجيلات النادرة.

فبقدر ما كان لها من عشاق ومحبين أخفق أغلبهم في الظفر بها فتملكت البعض منهم النقمة عليها، وبسبب شهرتها وجمالها وحظوتها  كان طبيعيا أن يكون لها أعداء وخصوم، وَكَان بالإمكان وبكل بساطة أن يدفع حب الإنتقام بأحد هؤلاء الخصوم باتهامها انها انخرطت في التعبير عن أحداث السبعينات. لم تسلم من جحيم سنوات الرصاص، وتم اعتقالها و صمدت أمام وحشية الجلادين ، غير أن هذه الإدعاءات لم تنل منها، و لكنها وضعت حدا لمسيرتها الفنية بإعتزالها الغناء سنة 1973 وفِي هذه الفترة العصيبة أصبح الغناء محظورا في الأطلس المتوسط حتى قيل أيضا:

مسارْ نِّيخْ إيِزْلاَن أَرْبِي جْمْعِي ذُوروَاسْ

إِسْ أَنِّيخْ أَغْرِي نَّاثْشَا عيشا ذُو عْشُوشْ

مفاده أن الأمازيغي حرم على نفسه قول الشعر و الغناء لأنه رأى بأم عينيه الجحيم الذي مر به كل من أعشوش وعيشة. يجب إضافتها، إلى قائمة النساء الوردات في مقال الاستاذ احمد بيضي، مراسل صحفي بالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، و باللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان لجهة بني ملال- خريبگة- خنيفرة  بعنوان “نساء عائدات من جحيم سنوات الرصاص” الصادر بجريدة رؤية الشاهد العدد الأول من 5  إلى 20 ابريل 2012  يحكين فيه معاناتهم و مرارة الحقبة السوداء وطاحونة عقود الاضطهاد.

وختاما كانت الفنانة عائشة تغزافت، ذات شخصية قوية حادة المزاج، كانت تتمتع بجرأة، تألقت وتصدرت المشهد الغنائي، ليست هي أول صوت ظهر في مجال الغناء النسائي في الأطلس المتوسط، بل الأولى التي تمكنت من تسجيل أغاني خاصة بها على الأسطوانات ولا زالت الإذاعة الوطنية تحتفظ في أرشيفها بنسخ منها صالحة للتداول.

فقد كانت شخصيتها رائعة تترامى على جوانبها بدائع الفن وروائعه الدروس التي تفيد جيلنا من الناشئين والباحثين وأعمالها بين أيديهم تعد منهلا عذبا يرتشفون منه معنى الخلود لشخصية استطاعت أن تشق طريقها إلى العلا رغم عقبات الزمن وعثرات الأيام، إن عائشة تغزافت هي بالفعل كالصاروخ الموجه يعرف الناس من أين يبدأ و لكنهم لا يعرفون أين سينتهي.

فالصوت الرائع المهيب هو رمز موسيقى الخلود.

* باحث وارشيفيست التراث الغنائي الأمازيغي

شاهد أيضاً

إسماعيل تيتاو: صوت شاب من الجنوب الشرقي يحيي التراث الأمازيغي

إسماعيل تيتاو، مغني وقيتاريست من مركز ملعب تنغير الراشيدية، الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، من مواليد …

2 تعليقات

  1. موسى السعيدي

    الاستاذ المكي أتابعه على أمواج الإذاعة الأمازيغية منذ زمن بعيد، فعلا متمكن في هذا الميدان. تحياتي

  2. تحليل جيد الأغنية الأمازيغية للباحث الامازيغي. المكي الكنوز .. يكتشف الدور الذي لعبته النّساء الأمازيغيات في ترسيخ الفن الموسيقي و الغنائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *