أخبار عاجلة

عن مسيرة الدارالبيضاء ومسيرة المعتقلين..

بقلم: عبد الله الحلوي

هناك أربعة أسباب على الأقل تجعلني أحترم السيدة نبيلة منيب رغم الإختلاف الفكري الكبير الذي يفصلني عنها. أول هاته الأسباب أنها تضطر للإقتراض من البنك إذا أرادت أن تحضر ندوة في دولة خارجية (هذا يعني، عمليا، أنها نظيفة اليد). ثانيها أنهاأستاذة جامعية وباحثة اختارت أن تساهم في تغيير الواقع لا أن تبرر انسحابها من واقع الناس ب”الإنكباب على البحث العلمي”. ثالثها أنها ذات شخصية قيادية نحن في حاجة لمثلها في مغرب اليوم. رابعها أنها نموذج جيد للمرأة التي نريد لمغرب الألفية الثالثة.

وهناك سببان اثنان أقنعاني بأن مسيرة الدار البيضاء (يوم 8 يوليوز) الداعمة للحراك الريفي والمنددة بالأحكام الخرافية والإنتقامية التي استعملها المخزن للتنكيل بالزفزافي ورفاقه هي جهد نضالي ينبغي أن يُثَمّن. أولهما أن هاته المسيرة ـ على ما يبدو ـّ من وحي نبيلة منيب، وثانيهما أن المسيرة إذا لم تكن لصالح المعتقلين فلن تكون ضارة لهم.

إلا أن تثمين مسيرة يوم 8 يوليوز واحترام السيدة نبيلة وأمثالها من المناضلين الفضلاء المخلصين لمبادئهم، لا ينبغي أن ينسينا أن نطرح سؤالا هاما وهو: ما هو المعنى الذي يضفيه اليساريون على الحراك الريفي؟ وهل ينسجم هذا المعنى مع فهم الحركة الأمازيغية لهذا الحراك وأهله؟ ما طبيعة الصراع السياسي الذي يعتقد اليساريون أنهم منخرطون فيه؟ وما هي أطرافه؟ وهل ينسجم اعتقادهم بهذا الخصوص مع فهم الحركة الأمازيغية له؟ وما تأثير اختلاف الفهمين على تقييم مسيرة يوم 8 يوليوز؟

تعتقد السيدة منيب أن المشكلة الجوهرية في النظام السياسي المغربي هي أنه نظام استبدادي يجمع عمليا كل السلطات في يد شخص واحد و أن نقطة الإنطلاق الحقيقية نحو الإصلاح هي إدخال إصلاح دستوري حقيقي يقلص من سلطات الملك ويؤسس لملكية برلمانية ديموقراطية تسند فيها السلطة لمن يختاره الشعب بواسط الصناديق الإنتخابية. إلى هنا، لا يمكن إلا نتفق مع السيدة نبيلة. فبدون إسناد سلطة تنفيذية لحكومة منتخبة ديمقراطيا، يبقى حلم الإصلاح والتغيير مجرد أحلام يقظة غير قابلة للتحقق.

لكن، من الذي يصارع من؟ الپروليتاريا مع الكومبرادور الإنتهازي الذي استفاد من ظروف مرحلة تاريخية بعينها ليحتفظ لنفسه ب”حق” الوساطة بين الرأسماليين الإستغلاليين وهاته الپروليتاريا، وليقوم في ما بعد بإضفاء طابع سياسي على وجوده السوسيو اقتصادي؟

على عكس، التيارات اليسارية بمختلف أطيافها، تؤمن الحركة الأمازيغية أن الصراع الحقيقي في مغرب الألفية الثالثة هو صراع بين مؤسسة المخزن التي استطاعت، بمساعدة المستعمر، من تأسيس سلطة مركزية انخرطت في صراع مستمر مع الكيانات الأمازيغية كالقبائل والكنفدراليات والجهات، فاتخذ هذا الصراع طابع النهب المتواصل للثورات الطبيعية (الصيد البحري، المعادن، الغابات، الرمال، مقالع الصخور، إلخ) التي كانت إلى زمن قريب في ملك هاته الكيانات الأمازيغية، وطابع الإقصاء الهوياتي (إقصاء مكونات الهوية الأمازيغية، لغة وتاريخا، ورموزا …).

فمشكلة اليساريين (أو على الأقل الكثير منهم) أنهم لم يستطيعوا أن يتجاوزوا فهمهم لطبيعة الصراع الإجتماعي الذي ينبني على فهم صراع اجتماعي محدد (صراع ما بعد خلق الثروة) في ظروف محددة (القرن التاسع عشر) وبين فئات محددة (الرأسمالية، الپروليتاريا) وذي نتائج محددة (الثورات السياسية) ظهرت في جغرافيات محددة (أوروپا). بل حتى التصورات الماركسية التي حاولت تجديد فهم الماركسيين لما يحدث في عالم اليوم وفي جغرافيات غير الجغرافيا الأوروپية (كأطروحة الهامش والأطراف، والأطاريح التي تتحدث عن “التحديد المتضافر”، والأطاريح التي افترضت أشكالا متعددة للإستلاب والإستغلال …) لم يكتب لها الإنتشار، لتبقى نفس التصورات التقليدية للصراع السوسيو اقتصادي والسياسي هي المنتشرة بين اليساريين. مما حرم السياسي اليساري من فهم طبيعة الصراع في غرب تامازغا وفهم ميكانزماته ومحدداته وتجلياته وخصوصياته فهما مبنيا على معطيات الواقع لا على ما قاله لينين وكارل ماركس والمهدي عامل.

هذا ما يفسر إلى حد ما تناقضا غريبا عند اليساريين بين ادعائهم للعلمية و”التحليل الملموس للواقع الملموس” وعدم اطلاعهم على ما تكشفه الدراسات “الملموسة” لواقع ملموس اسمه تامازغا. فنادرا ما تجد في كتاباتهم إحالات على البحث الأنتروپولوجي المعاصر ومكتشفاته. ونادرا ما تجد باحثا يساريا معروفا بجمعه للمعطيات الإثنوغرافية الملموسة لشمال إفريقيا، والمعطيات المتعلقة بتاريخ الهجرات، ووثائق الممارسات التجارية والتشريعية، وإثنوغرافيا الأقليات، ومعطيات الرحلات التي تؤرخ لصراع “المخزن” مع “السيبة”، وتشكل المؤسسات الدينية التي كانت محددا رئيسيا للوعي السياسي المعاصر … فلا عجب أن أحد أعظم مفكري اليسار في المغرب، وهو محمد عابد الجابري، اضطر في نهاية الثمانينات، بعد أن وسع مداركه المعرفية، بقراءة مفكرين تجاوزوا المقولات الإختزالية من داخل الماركسية أو من خارجها كسمير أمين وميشيل فوكوـ اضطر إلى افتراض وجود محددات معقدة للواقع المعقد تتجاوز الثنائيات شبه الميتافيزيقية التي تعج بها الأدبيات الماركسية كثنائية “البنية الفوقية/البنية التحتية.

بل إن الأمر ليتعجب أحيانا عندما تجد أن الماركسيين لا يزالون يرددون بعناد غير مبرر مقولات تجاوزها العلم وألقى بها إلى مزبلة تاريخه كمقولة “المادة بصفتها “كل ما استقل عن وعينا” التي لم يعد لها أي معنى في عالم الفيزياء الكوانطية التي تعتبر العالم الكوانطي المؤسِّس للعالم الماكروفيزيائي فاقدا لمعظم خصائص ما نتمثله “مادة” كمبدإ “المحلية” و مبدإ “أحادية الطبيعة” ومبدإ “الحتمية”. فلم ينجح الماركسون لحد الآن في إعادة بناء تصوراتهم الفلسفية على ضوء ما تعلمناه في العلم المعاصر عن “الأوتار” و”الأوتار الفائقة” و”الطاقة الكوانطية” و”المبدإ الأنثروپي” و”الهندسة المقلوبة” في دراسة الإيڤو ـ ديڤو (النمو ـ الإرتقاء)، والإقتصاديات الإفتراضية، وغير ذلك كثير مما ساهم العلم المعاصر باكتشافه في إطار فهم الظاهرة الإنسانية ومحدداتها!

لذلك فإن المرء يحتار في فهم نوعية النموذج الإقتصادي والإجتماعي الذي يدعو له يساريو اليوم: هل هو نفس النموذج “الشيوعي” الذي سقط بشكل مدوٍّ في الإتحاد السوڤييتي السابق مع پيريسترويكا ڭورباتشوڤ، أم النموذج الصيني الذي أغرق الصين في التخلف قبل أن تتبنى اقتصاد السوق بشكل كامل سنة 1988؟ أم النموذج الإستبدادي الكوري الشمالي الذي أغرق كوريا الشمالية في شبه مجاعة لعقود من الزمان بينما شقيقتها الجنوبية تعيش رفاهية اقتصادية واجتماعية بفضل اقتصادها الحر ونظامها التربوي المؤسس على ثقافة الإبداع والإبتكار؟

ما هو المغرب الذي يحلم به يساريو اليوم؟ ما هو تصورهم لإصلاح المنظومة التربوية؟ ما هو دور تجارة القرب في هذا التصور؟ ما هو موقفهم من “قيم الأسرة”؟ ما هي مفاتيح ثقافة الإبتكار عندهم؟ ما هي سبل إدماج تيكنولوجيا الإعلام والتواصل في أداء الفرد الناجح بالنسبة لهم؟ ما موقفهم من التعددية اللسانية والثقافية؟ ما موقفهم من تماطل المخزن في إنزال الطابع الرسمي للغة الأمازيغية؟ ما هي هويتنا الأنثروپولوجية بالنسبة لهم؟ ما موقفهم من تزييف تاريخ إنسية شمال إفريقيا؟

هذه ليست مجرد أسئلة نظرية مجردة. بل هي الأسئلة التي تحدد الإختيارات التكتيكية والإستراتيجية لكل تيار سياسي. فارتباك اليساريين في تقديرهم لهوية المغرب وثقافته الجذر مثلا، هو الذي يجعل موقفهم من استشهاد عمر إزم غامضا، عندما يسكتون عنه، ومُريبا عندما يبدون تعاطفا مع قتلة إزم من الپوليزاريو. وهو ما يدفع بهم في اتجاه الصمت حُيال التزييف الهوياتي الذي كان بعض منظريهم من مؤيديه (ألم يدع محمد عابد الجابري إلى إبادة “اللهجات” دارجة كانت أم “بربرية” وفرض التعريب القسري مكانها؟). وهو الذي يضعهم دائما في وضع الشبهة بالنسبة للحركة الأمازيغية!

يحتاج الحوار بين الحركة الأمازيغية وغيرها من الحركات السياسية في المغرب إلى شيء من الصراحة والكثير من التواضع (من كل الأطراف) .. ولكنه يحتاج أكثر من كل ذلك إلى الكثير الكثير من الوضوح بخصوص تحديد طبيعة الصراع السياسي في المغرب وبخصوص نوع المستقبل الذي نريده لبلدنا.

وإلى أن يتحقق هذا الحوار، فالمسيرة الوحيدة التي يمكن أن أثق بها شخصيا هي تلك التي يدعو لها المعتقلون أنفسهم ويؤيدونها، أي مسيرة بالرباط!

شاهد أيضاً

متى يستيقظ المجتمع الحقوقي المغربي والدولي لاسترداد حقوق الاسرى المغاربة في سجون البوليسايو ؟

ان قارئ كتاب الاسير المغربي في سجون الذل والعار لدى البوليساريو والجزائر   محمد المحفوظي  الذي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *