قراءة في أطروحة الباحث الدكتور أحمد الهاشمي حول الأماكينية

image001

بقلم: عبد الواحد بومصر

“الأماكنية المغربية  نموذج المشهد الطبيعي والبشر في  أماكنية سوس” هو عنوان اطروحة الدكتور أحمد الهاشمي لنيل دكتراه الدولة في اللسانيات سنة 2001-2002 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير ، وهي من اشراف الدكتور احمد صابر هذه الأطروحة مقسمة  إلى قسمين.

    حصر الدكتور الهاشمي دراسته في مجال جغرافي محصور في الجنوب الغربي المغربي، المعروف بمنطقة سوس وقد توخى أن يكون هذا العمل تجريبا لمبادئ هذا العلم الحديث ومناهجه في دراسة أماكنية هذه البيئة الطبيعية و البشرية بغناها التاريخي و اللغوي والثقافي والحضاري، كما توصل إلى أن بعض نتائج هذا البحث يمكن أن تنطبق على مناطق أخرى من المجال الإفريقي بصفة عامة.

   في هذه الدراسة قام الدكتورأحمد الهاشمي بتحديد مجال البحث من الناحية الجغرافية دون أن يرسم له حدودا ، بل تمكن من جمع الأعلام المكانية مهما كان زمنها أو حيزها الجغرافي، وما يميز هذه الدراسة أيضا أنها لم تهتم بالتميز بين الأعلام القديمة  والحديثة أو الصغيرة و الكبيرة، وذلك حسب الدكتور الهاشمي لأن رغم صغره أو كبره فهو في كلتا الحالتين يعتبر علما مكانيا قائما بذاته، له دوره الكبير في التعبير عن كل الأنشطة الإنسانية.

أما اختياره للرقعة الجغرافية التي ذكرناها فهي راجعة حسبه إلى أسباب عدة تتمثل فيما يلي:

المعرفة الشخصية باللغة السائدة في الميدان وهي تاشلحيت، إذ تسمى بها الأماكن أيضا.

“فيبدو لنا أن معرفة اللغة المحلية شرط أساسي في دراسة أعلام الأماكن “[1]،

فلا يمكن تحليل هذه الأسماء الأماكنية دون الإلمام بكل قواعد اللغة التي تمت بها .

إنتماء الهاشمي  إلى المجال المدروس، لأنه يعتبر أن المعاينة الميدانية أساسية في هذا النوع من البحوث، وهي التي تمكن من الوقوف على نطق هذه الأعلام سواء بشرية منها أو مكانية، ذلك أن الروايات الشفوية تساهم في التعرف على أسباب التسمية.

الاعتماد على البحوث المنجزة من طرف الطلبة الجامعيين الذين يؤطرهم، والذين يقومون ببحوث قيمة كانت مصدرا قيّما للأعلام المكانية إضافة أنهم يقدمون صور لتلك الأعلام وكذا بعض الشهادات التي يدلي بها  أهالي مناطقهم.

تميز المجال المدروس بعدة خصائص طبيعية وبشرية مهمة تمكن من كشف صور غنية عن تفاعل الإنسان مع محيطه، لأن هذه الأسماء لم تطلق اعتباطيا أو عشوائيا  وإنما  نحمل في دلالتها معاني مهمة في حفظ ذاكرة ذلك المكان المسمى.

رغم سعة المجال الجغرافي لهذا البحث إلا أن الدكتور الهاشمي لم يستطع استقصاء مجموع أعلام أماكنه وهو من الصعوبات التي تواجه الباحث أثناء قيامه بمثل هذه البحوث ،  لذلك فقد قام بجمع ما استطاع  في مناطق مختلفة من سوس  من خلال استنطاق مصادر ووثائق عدة من بينها الميدان والإفادة الشفوية والخرائط و الوثائق والإشارات الطرقية  والكتب المخطوطة والمطبوعة، وقد حاول ما أمكن تغطية مجموعة من الحقول كالتضاريس والمجال المائي والمراكز السكنية ومرافق اقتصادية واجتماعية …، مزاوجا في تحليله بين العمل الميداني والوثائقي و التحليلي، فعندما يستعصي تحليل اسم مكاني ما يلجئ إلى استعراض الوثائق والسجلات التي يمكن أن تبين اهميتها في التسمية.

بالنظر إلى المتن الذي اشتغل عليه الباحث فقد  توصل إلى حوالي ثمانية آلاف علم نصفها مستقى من الميدان مباشرة والباقي من السجلات والبيانات ومختلف الوثائق المحلية وكذا الأجنبية، لقد عمد في تحليل وتركيب الصور التي رسمتها شبكة أعلام الأماكن السوسية للمشهدين الطبيعي والبشري .هذا العمل الجبار الذي قام به الدكتور احمد  الهاشمي توخى منه تحقيق عدة أهداف منها:

–  تحليل أماكنية سوس مع إبراز ما تحتفظ به ذاكرتها  من تراث إنساني.

– توفير أداة عمل أكاديمية تساهم في تجاوز الصعوبات في مجال التخطيط والإحصاء والإشارات الطرقية، وتساعد كذلك الباحثين في ميدان الطبونيميا والعلوم المساعدة لها كالتاريخ والجغرافيا ويستعين بها كذلك الباحثين في العلوم الإنسانية بصفة عامة.

– محاولته إغناء الإطار النظري المعتمد من خلال تجربة الباحث في دراسة أماكينية سوس.

   لقد زاوج  الباحث بين جمع وتحليل المتن في آن واحد، ويعد نزوله للميدان فكرة مسبقة عن العلم المكاني ،فيقوم بجمع الأسماء وكل الروايات الشفوية حولها، كما أنه اعتبر خصوصية المنطقة حين قام ببناء التصور النظري الأولي للعمل، وقد اعتمد الاستاذ في دراسته للموضوع عن منهج استقرائي للعلم المكاني و يعتمد الشكل الذي ينطق به في عين المكان ويستقي كل الروايات الشفوية والمخطوطة   حول هذا العلم المكاني، فإن استقى هذا الاسم خارج الميدان يعتمد نطق المخبر به وإن كان على معرفة دقيقة بأحواله، وهنا نوّه الاستاذ بمجهودات طلبته الذي أشرف على بحوثهم في الإجازة، فقد كانوا خير مخبرين عن أماكنية المناطق التي ينتمون إليها إذا كان مصدر المتن كتابيا فهو يقوم بالبحث عما كتب حول صور أدائه وموقعه وصفته و دلالته، باعتبار أن الباحث يتحدث باللغة الأمازيغية  في لهجتها –تاشلحيت-، فهو يعتمد على مكتسباته اللغوية وحدسه اللغوي وذلك لمحاولة الوصول إلى اقرب صورة لكتابته، ويقوم أيضا باستقدام بعض الصور المشابهة لهذا العلم في مناطق أخرى للقيام بالمقارنة. وقد أكد هذه المسألة بما يلي :” ندخل العلم إلى قاعدة البيانات في الخانة المعنونة بـ: ‘العلم المكاني’ ونتبث في هذه الخانة الصورة المرجحة لأداء العلم “[2]، من خلال اطلاعنا على طريقة تصنيف الباحث للمتن تبين لنا أنها تمكن من التصنيف والتفصيل واستنطاق القاعدة للتعرف على لائحة تلك الكلمات المستعملة إما بالعربية أو الامازيغية وذلك للتعرف على مختلف الصيغ التي ورد بها كل اسم.

تمكن قاعدة تنظيم البيانات بالطريقة التي سلكها الاستاذ من سهوله تصنيف المتن إلى مجالات مختلفة، وحقول معرفية متعددة، كلما تنوعت هذه الخانات كلما أعطت تفسيرات و تدقيقات حول مكونات العلم المكاني، للإشارة هنا يجب التنويه بهذا العمل في الجانب اللساني حيث أعطى له الدكتور الهاشمي أهمية قصوى؛ إذ قام بمجهودات للتعرف على المميزات الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية للعلم المكاني، ونمطه التركيبي وكذا حقله الدلالي، حسب ما بدا له مناسبا مع هذه الحقول وكان يتدرج في تصنيف هذه الحقول من الأكبر إلى الأصغر و من الأهم إلى الأقل أهمية أي الانطلاق من الجبل  إلى السهل لان ذلك قد يحافظ على علاقات الترادف و التكامل بين الأسماء، بعد هذا التعيين لمختلف الحقول الدلالية انتقل الباحث إلى إحصاء ورود كل اسم في مناطق مختلفة مدعما ذلك بخرائط لهذه الأعلام المكانية، ففي الباب الأول قام بالتعريف بالمشهد الطبيعي للمنطقة المتمثل في تضاريسها وصفاتها وخصوصياتها ومميزاتها، أما في الباب الثاني فقد تعرّف على مناخ هذه الأماكن وثرواتها المائية والنباتية والحيوانية، ثم انتقل إلى المشهد الإنساني أو التعرف على الأجناس البشرية الساكنة في هذه الأماكن وإلى أنماط العيش و السكن والعمران، وتعرف كذلك على أهم مظاهر الثقافة والدين وتجلياتها في المنطقة.

  القسم الأول من هذه الدراسة خصص الباب الأول منه للإطار النظري للبحث من خلال تعريف الأماكينية و كذا المجال الجغرافي للبحث، وفي الإطار الجغرافي تم فيه التعرف على حدود المجال الجغرافي المعروف بسوس والسوس الأقصى لدى الباحثين القدامى ، وقد ختم هذا الباب باجتهاده الشخصي حول دلالة العلم المكاني الذي يطلق على المجال، أما الباب الثاني من القسم الأول، فقد خصصه للحديث عن لغة المتن الذي استنتجه من الخصائص اللغوية لأسماء هذه الأماكن، مما قد يستعين به القارئ في فهم التحليلات التي اقترحها للأعلام المدروسة.

     نظرا لكثرة الأعلام المكانية التي اشتغل عليها الباحث في هذه الدراسة لم نقم بإيرادها كلها بل اكتفينا فقط بذكر المجالات التي تنتمي إليها. نشير هنا إلى أن هذه الدراسة تعدّ المرجع الأساسي للعديد من الباحثين في المجال الأاماكيني بصفة عامة، لما لها من أهمية بالغة في المجال، إذ أن الدكتور الهاشمي  يحتل صفة السبق في هذا الميدان.

 

[1] احمد الهاشمي. الأماكنية المغربية .نمودج المشهد الطبيعي و البشري في اماكنية سوس”  اطروحة مقدمة لنيل دكتراه الدولة في اللسانيات 2001/2002 “، القسم الاول تحث اشراف الدكتور احمد صابر، .ص. 03.

 [2] ينظر هنا إلى المنهجية التي اشتغل بها الدكتور الهاشمي  في أطروحته.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *