أخبار عاجلة

قضية ”جوج فرنك” وسؤال ”أين الثروة”؟

بقلم: رشيد بولعود
بقلم: رشيد بولعود

طرح الإعلامي محمد التيجيني، وهو صحفي بالقناة الأولى المغربية، حوارا تلفزيونيا مع الوزيرة المنتدبة لدى وزير الطاقة والمعادن، شرفات أفيلال، في موضوع ”اقتصاد الريع في المغرب” وعن رواتب البرلمانيين والوزراء، ومسألة تقاعدهم من الوزارة والبرلمان مدى الحياة، وقد أثارت فيه قضيّة ”جوج فرنك” جدلاً واسعًا وزوبعة من التهكُّمات والانتقادات لدى عموم المغاربة وهو مؤشــر يدنوا نحو أن الوضعية الاجتماعية لمواطني ”المملكة المعدنية” ليست على ما يُـرام وتبعث بالقلق.

ونعتقد أن أصول وفصول هذه القضية ظهرت ٱبتداءًا من 1973م في سياق سياسي وتاريخي يعود إلى أيام المحاولات الانقلابية على نظام ”الحسن الثاني” وفي حينه باشر المخزن العميق بإحاطة موظفي الدولة الكبار، من جنرالات ووزراء وبرلمانيين ومسؤولين ساميين، بسياج من الأجور الضخمة والامتيازات والتعويضات الخيالية، تفاديا لأي محاولة انقلابية محتملة منهم. ويمكن أن نشير إلى معطى ينحصر في كون الدولة العميقة بالمغرب تتحفظ في وضع ملف ”اقتصاد الريع” لنّقاش العمومي لأنه يرتبط بالعائلات الكبرى المعروفة كذالك بــ”حاشية السلطان” وهو مفهوم تاريخي قديم يُقصد به المقربون من السلطان، والحاشية بالمفهوم السياسي الحالي، هم النواب والمستشارين والوزراء… ويمكن أن نردف بمعطى ينحصر في كون ”اقتصاد الريع بالمغرب” يندرج ضمن قضايا التوافق السياسي بين مكونات المجتمع السياسي المغربي بأحزابه وبرلمانه وحكوماته المتعاقبة منذ 1956م وهو ملف يرتبط إلى عهد قريب بقضية ”شركة أمانديس الفرنسية” التي جعلت رئيس الحكومة ”بـنكيران” يتهم أهالي الريف ”بالفتنة” في انتفاضتهم ضدّ الشركة الفرنسية والمطرودة في العديد من الدول، فتهمة ”الفتنة ” أمر طبيعي بالنسبة لدولة لا تحترم مواطنيها.

رغم أن قضية ”جوج فرنك” هذه المرة ترتبط بنواب الأمة المعروفين لدى مجموعة واسعة من المغاربة بــ”نُوام الأمة” في قبة البرلمان، فتكلفة البرلمانيين فقط في تنقلاتهم دون احتساب رواتبهم الضخمة تصل أحيانا إلى أكثر من 40 مليار سنتيم سنويا، ومعاشاتهم العمرية تصل إلى 1000.00 درهم سنويا، وما خفي أعظم، خصوصا إذا كان المغاربة لديهم دراية حول العائلات الكبرى وتاريخها في دهاليز السياسة والمال والنفوذ ابتداءًا من السياسية التي رسمها الفرنسيون منذ 1906م، يكفي أن نذكر بعض من الذين يملكون صحو البلاد بمعادنها وفسفاطها كمصطفى التراب وهو المدير العام للمكتب الوطني الشريف للفوسفاط ويتقاضى 30 ألف دولار شهريًّا وهو ضِعف 12 مرّة أُجْــرَة رئيس جمهورية الصين، ثاني قوة اقتصادية في العالم ”شي جين بينغ” الذي يتقاضى 30 ألف دولار سنويـــا، لاحظوا معنا إذن الدول التي تحترم مواطنيها.

إن قضيّة ”اقتصاد الريع بالمغرب” لهـا مهندسون ومخططون منذ الخريطة السياسية التي رسمها الفرنسيون ابتداءًا من 1914م، يكفي أن نذكر الجنرال ”الماريشال ليوطي” وهو صاحب ”المحمية الفرنسي” بالمغرب منذ 1912م والتي يديرها أصدقاء فرنسا، ابتداءًا من 1914م خصوصا بعد خطابه الشهير الموجه إلى العائلاتِ الكبيرة عام 1916م: ”إنَّ المراتب القديمة سيتمُّ احترامها، وأنَّ من كانُوا الآمرِين سيبقون فِي كبير منزلتهم، كمَا سيبقَى المأمورُون مدعوِين إلى الامتثَال والطاعة”.

إن هذا المعطى سيجعلنا نفهم لماذا اعترضت الوزيرة ”شرفات أفيلال” على نفض الغبار عن ” اقتصاد الرّيع” وتهريب الأموال، فهنالك تقرير انتحلناه من منظمة  “غلوبال فينونسال أنتيكريتي” لعــــام 2015م  والتي تهتم بشؤون النزاهة المالية والاقتصاد، وحسب هذه الأخيرة فقد تمّ تهريب حوالي 41 مليار دولار بين سنتي 2004م و2013م، كما تم تسجيل مبلغ 5 ملايير دولار ما بين سنتي 2005م و2008م، مما جعل المغرب يتبوأ المركز 34 من أصل 149 دولة من حيث الأموال المهربة سنويا، كما أشار نفس التقرير أن حجم الأموال المهربة من المغرب بشكل سنوي يُقارب في المتوسط 4 ملايـير دولار، وربطت المنظمة ظهور هذه الأرقام المخيفة، إلى لجوء المهربين لطرق غير مشروعة أبرزها الفواتير التجارية التي تسمح بتهريب 3 ملايير دولار سنويــا، وهو نفس الملف يرتبط كذلك بقضية ”التقرير الذي رفعه إدريس جطّو رئيس المجلس الأعلى للحسابات 2013م ـــ 2014م إلى وزارة العدل ويضم 37 ملف فساد مالي بمؤسسات عمومية للدّولة، ولن تستطيع لا وزارة العدل ولا الجيش أن تتحدث عن هذا الملف لأنه ”غول وسرطان سياسي قديم” عَمّر بالإدارة المغربية منذ أن إحتفظ المخزن للفرنسيين لمناصبهم ونفوذهم السياسي إلى يومنا هذا، يكفي أن نذكر ”جون غابريال” الذي جدّد له المخزن منصبه  في إدارة قطاع المعادن في دجنبر1956م وهو الصديق السياسي” للعائلات المحمية الكبرى” وهذا المعطى يجعلنا نفهم تعاقب آل الفاسي والدويري والتْـرّاب وبن خضرا … في إدارة قطاع المعادن والفوسفاط والصيد البحري، وهم ”أصدقاء فرنسا القدامى” الذين قدّموا وثيقة 1934م إلى وزير الخارجية الفرنسية ”بيير لافال” بباريس يطالبونه بإحترام معاهدة الحماية: صفقة فــــاس1912م، وهي نفس العائلات التي ترتبط ”بصفقة إكس ليبان الكبرى 1656م”: صفقة تحتفظ بمعالم الريع الإقتصادي والسياسي والنفوذ الفرنسي” وسارية المفعول إلى يومنا هذا، وهو ما سيجعل الرئيس الفرنسي ”فرونسوا هولاند” أن يقول خلال زيارته الأخيرة  شتنبر 2015م ”أن المغرب بلد جميل”  فربّما يزكي قضيّة ”العشق ” الذي يقدسه السياسيون الفرنسيون وأصدقـــائهم بالمغرب منذ زمن بعيد، وهو ما دفع وزير الخارجية الفرنسية في مارس 2014م ”لوران فابيوس” أن يصف دولة المغرب بــ”العشيقة” وهو تصرىح سياسي خطير، وسَيَحْبس المغاربة أنفاسهم لو فتحت الدولة سجلاّتها وأرشيفها القديم في وجه عموم الباحثين، لكشف عن ما يجعل الساسة الفرنسيين يدلون بهكذا تصريحات التي ربما ترتبط بقضية ”ليوطي” والمحمية الفرنسية.

شاهد أيضاً

النموذج التنموي الجديد وإشكالية إعمال الحق في التنمية

التنمية أولا وقبل كل شيء هي حق من حقوق الإنسان الأساسية، ويجب التعامل معها على ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *