كرونيك بصدد حرائق القبايل ومسؤولية فرنسا…

عملت فرنسا منذ احتلالها للجزائر سنة 1830، بعد حادث المروحة الشهير،(واليوم تريد إرسال مرواحياتها لاخماد نيران غابات القبايل)، على تلغيم (المقصود بها هو عمليات زراعة الألغام في الحدود البرية والبحرية للجزائر)، الحدود ومناطق شاسعة متاخمة لصحراء المغرب والجزائر، وكذلك مناطق شاسعة على الحدودية الجزائرية الغربية، وكانت فرنسا تهدف من وراء ذلك الى منعةاي الاتصال محتمل بين الشعبين الجارين، وكبح اي تنسيق مغربي- جزائري لمواجهة الاستعمار الفرنسي، بعد هزيمة اسلي، هزيمة وهي الهزيمة التي يمكن الاطلاع علي تفاصيلها المرة والكارثية عند المؤرخ احمد ابو خالد الناصري، والذي تحدث عنها بكثير من الآسى والحزن والألم، على شهدائها أولا، وعلى نتائجها القاسية وكلفتها المالية والسياسية، ومنها احتلال مدينة وجدة، والذي تلاه مباشر قضم العديد من الأراضي المغربية والحاقها بأراضي الجزائر الفرنسية، ومنها توات وگورارة، بشار وحاسي مسعود وغيرها من اراضي الصحراء الشرقية المغربية.
حرائق الجزائر المهولة والتي اجتاحت مناطق القبايل الصغرى والقبايل الكبرى، اعادة الى الادهان قضية تلغيم الاراضي والغابات الجزائرية الى الاذهان، بحيث ان العديد من المواطنين تحدثوا عن سماع دوي انفجارات قوية ومدوية في المناطق التي شهدت حرائق كبيرة، فحسب شهود عيان والذين تحدثوا عن انفجارات مهولة وكبيرة زادت من تفاقم الوضع وساهمت في رفع وثيرة انتشار الحرائق وفي زيادة حجمها وقوتها، كل هذه الانفجارات لا يمكن ان نجد لها من تفسير سوى مخلفات ترسانة الألغام المزروعة في هذه المناطق منذ الحقبة الكولونيالية الفرنسية. ومن المعلوم ان فرنسا عملت على إقامة خطين من الالغام أطلقت على الاول اسم شال وعلى الثاني موريس، والمقصور بهما هو عمليات تلغيم الحدود الجزائرية مع تونس من جهة الشرق، والمغرب من جهة الغرب، هذه العملية قامت بها فرنسا في منتصف خمسينيات القرن العشرين، وهي عبارة عن تحصينات عسكرية ارضية، مزودة بالألغام المضادة للاشخاص والعربات، كما عملت فرنسا في الوقت نفسه على تطويق المنطقة بالألاف من الامتار من الأسلاك الشائكة وعملت على ربطها بالشبكة الكهربائية، لمنع اي اتصال او اقتراب من الحدود. هذه الاسلاك المكهربة تسببت على مر السنوات في مأسي طبيعية وبشرية كثيرة. اليوم رغم مرور ما يقارب من ستة عقود على استقلال الجزائر ورغم أن الخطين لم يمنعا أبدا شعوب المنطقة من التضامن والتأزر، كما لم تفلح في كبح رغبة الشعب الجزائري في تحقيق الاستقلال بعد ثورة نوفمبر التي انطلقت من منطقة القبائل التي تعاني اليوم الويلات جراء التهام الحرائق لغابات المنطقة بعد ان إلتهم العسكر كرامة اهلها حين اندلاع شرارة الربيع الأمازيغي، سنة 81 وأعاد الكرة في عقد الالفية عندما تمت تصفية الشاب ماسينيسا گرماح في احدى مخافر الامن في تيزي ووزو… بقيت الألغام في اماكنها وأبت الا ان تذكر العالم بأسره بفضائع الاستعمار الفرنسي وعلى دوره المستمر في تسعير جمر معاناة الشعوب ودوره في زرع الموت والخراب.
وبما أن “الشيئ بالشيئ يذكر”، فقد أثارني الموقف الجزائري من العرض الذي تقدم به المغرب قصد المساعدة على اخماد النيران الهوجاء في كل ربوع الجزائر، كما تحدث عن ذلك بلاغ مغربي رسمي صادر من اعلى وأسمى مؤسسة في البلاد، بلاغ لم يخصص منطقة معينة بالمساعدة كما فعل ماكرون في تغريدة له والتي تحدث فيها عن اغاثة اصدقاء فرنسا، واخماد نيران منطقة القبايل، والمثير هنا ان بعض التقارير الجزاىرية تتحدث عن رفض العرض المغربي وقبول للعرض الفرنسي مع العلم ان المغرب تحدث عن المساعدة في اخماد نيران جميع مناطق الجزائر عكس ما قامت به فرنسا وتخصيص مساعدتها لمنطقة معينة ومحددة وهي مناطق القبايل. الآن، لنفرض جدلا ان المغرب هو من قام بما قامت به فرنسا؟ كيف سيكون رد فعل شنگريحة وحوارييه؟ تم، لماذا لم يرفض زعماء الكرتون من عساكر وغيرهم العرض الفرنسي مع العلم انه خارج عن الاجماع الوطني الجزائري المفترى عليه!!. لنفكر جميعا في العرضين المقدمين، الا يجسد العرض المغربى اسمى معاني التضامن الانساني في زمن الكارثة!! الا يعبر الموقف الجزائري الرسمي عن جحود مزمن وباطولوجي معقد! اي مستقبل ينتظر الجزائرين مع نظامهم الحالي؛ والذي لم يستطع شراء طائرة واحدة لاخماد النيران على مدار 59 سنة من الاستقلال؟. في المقابل الا يجسد العرض المغربي المجاني “ان الشر لن ياتيكم أبدا من المغرب”. ويبين بالدليل الملموس على ان المغرب متفوق لوجيستيكيا على جاره الشرقي، كما يتضح من الترسانة التي يتوفر عليها والتي لا تقل أهمية عن ما تتوفر عليه دول الجوار كفرنسا، اسبانيا والبرتغال.
من ناحية اخرى ما هي خلفية الرفض الجزائري؟.
يبدو ان الذي تحكم في صياغته هو خلفية خفية ولكن سرعان ما تنكشف عند اول تمحيص، فالقرار من هذا النوع لا يمكن ان نجد له من تبرير سوى رغبة حكام قصر المرادية في اجهاض اي تفاعل محتمل بين سكان المنطقة والسلطات المغربية، ولو كان ذلك على حساب ازهاق واحراق أجساد الملايين الجزائرين الابرياء… والذين لا تساوي عند كمشة الحاكمين الا دنانير معدودة… وهذا ليس بالشيء الغريب عليهم…
في انتظار غيث من السماء لإطفاء جمر السياسة الفاشلة لورثة الاقدام السوداء وأبناءهم الحاكمين في جزائر الجراح والافات، نقول ان الذين عملوا على تلغيم الآلاف الهكتارات بشكل عشوائي وهمجي، وجعلوا حياة شعوب المنطقة كلها جحيم سعير، قابل لان يتحول الى خطر حقيقي خصوصا اذا علمنا ان المنطقة عرضة للجرف وللانهيارات السطحية جراء السيول والوديان… لا يختلفون في شئ مع الذين لا يرون في نيران اليوم كارثة انسانية حقيقية، كارثة تنشر الموت وتهدد شعوب المنطقة في المستقبل، وترهن تنمية بلدانها لعقود طويلة قادمة، كما ان الذين لا يستنكرون ما يقوم به اصحاب الحل والعقد في الجزائر من مآسى وكوارث مختلفة ولا يدعون لزوالها، لا يختلفون أبدا عن المسؤول الذي سخر كل مقدرات الشعب الجزائري في تسليح عصابة الرابوني والتي ما فتئت تزرع الموت في وديان وشعاب الصحراء، بعتاد عسكري كان يمكن ان تشترى بأثمنته المرتفعة بدلا منه المئات من من الطائرات لانقاد اراوح الجزائريين في طلعة ورشة واحدة.
الحسين بوالزيت
صحفي وباحث في التاريخ
سلا في 13 غشت 2021.

شاهد أيضاً

الريف زمن الحماية الإسبانية

صدر حديثا كتاب للاستاذ ميمون أزيزا أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية-جامعة مولاي اسماعيل مكناس شعبة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *