كيف يستطيع المدونون والكتاب المغاربة كسر صيامهم عن الكتابة بالأمازيغية؟

مبارك بلقاسم

كنت قد أشرت في مقال سابق عنوانه “مشكل صيام المغاربة عن الكتابة باللغة الأمازيغية وكيفية علاجه” إلى أن أعوص مشكل على الإطلاق يواجه اللغة الأمازيغية بالمغرب هو صيام أهلها (المغاربة المتعلمين الناطقين بها شفويا) عن الكتابة بها في الصحافة وفي المواضيع السياسية والاقتصادية اليومية. وهو مشكل أكبر من مشكل “سياسة التعريب والفرنسة” التي تنفذها الدولة المغربية منذ 1912.

وتطغى على المغاربة المتعلمين المهتمين بالأمازيغية (الناطقين بها شفويا) نزعة انتظارية عجيبة ومزمنة، تتلخص في انتظارهم أن تصنع لهم الدولة المغربية “لغة أمازيغية فصحى” مكتوبة بحرف تيفيناغ وشبيهة بالعربية الفصحى، وأن يتعلمها التلاميذ خلال نصف القرن القادم لكي يكتبوا بها في المستقبل. لا يبدو أنه يخطر ببالهم أن الأمازيغية يمتلكونها أصلا ويتحدثونها ويستطيعون الكتابة بها بمحض إرادتهم دون انتظار مرور قرن أو نصف قرن من الزمن. ونواة هذه العقيدة الانتظارية التي تنتج الصيام عن الكتابة بالأمازيغية هي فكرة “انتظار ظهور الأمازيغية المعيار” و”انتظار انتشار حرف تيفيناغ في المجتمع”.

وفي زمرة “الصائمين عن الكتابة بالأمازيغية” أضع نفسي أيضا. فأنا شخصيا لم أكتب إلا عددا صغيرا جدا من المقالات باللغة الأمازيغية على مدى سنوات، منشورة في بعض المواقع هنا وهناك. إنه عدد ضئيل. فتات. وهناك من كتبوا أكثر مني أضعافا مضاعفة بالأمازيغية على الإنترنيت ولكن أعدادهم قليلة بالقياس إلى مجموع المغاربة الناطقين بالأمازيغية المتعلمين تعليما عاليا والناشطين ثقافيا. يوجد عدة كاتبين مغاربة وجزائريين كتبوا مقالات وكتبا أو ترجمات باللغة الأمازيغية (بالحرف اللاتيني غالبا وبتيفيناغ أحيانا) عبر سنوات ولكن إنتاجهم ضئيل جدا بالمقارنة مع ما كتبوه بالعربية أو بالفرنسية. وتلك الكتابات الأمازيغية هي غالبا إما قصائد شعرية أو روايات أدبية أو نصوص ومقالات تدور حول تيمة Tamaziɣt / Tamazɣa / Timmuzɣa / Imaziɣen.

وقد ترجم عدة كتاب مغاربة وجزائريين إلى الأمازيغية، مثل الكاتب المغربي Lahbib Fouad الذي ترجم القصة الفرنسية المشهورة Le Petit Prince إلى الأمازيغية بحرف تيفيناغ بعنوان ⴰⴳⵍⴷⵓⵏ ⴰⵎⵥⵥⴰⵏ أي Ageldun Ameẓẓan، وصدرت عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام) عام 2005. ونفس تلك الرواية الفرنسية ترجمت في الجزائر إلى الأمازيغية بالحرف اللاتيني عام 2004 من طرف الكاتب الجزائري Habib Allah Mansouri تحت العنوان الأمازيغي Ageldun Amecṭuḥ، وصدرت هذه الترجمة عن المفوضية السامية للأمازيغية HCA بالجزائر.

وفي الجزائر صدرت في 2016 ترجمة رسمية لكل من “بيان أول نوفمبر 1954″ و”أرضية مؤتمر الصومام” و”الدستور الجزائري لعام 2016″ إلى اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني في وثيقة رسمية واحدة تجمع هذه الوثائق الجزائرية الثلاث تحت العنوان الأمازيغي Iḍrisen Igejdanen n Uwanak Azzayri s Tmaziɣt ومعناه: “الوثائق الأساسية للدولة الجزائرية بالأمازيغية”. وهذه الترجمة الأمازيغية متوفرة للقراءة والتحميل على الإنترنيت.

وتوجد ترجمات أمازيغية كاملة ومتعددة صدرت في المغرب والجزائر وأوروبا للتوراة والإنجيل والقرآن، معظمها بالحرف اللاتيني وبعضها بحرف تيفيناغ والحرف العربي. وقد ترجمت أنا الدستور المغربي كاملا إلى اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني (راجع مقالي: http://www.hespress.com/writers/321993.html).

ولكن حصيلة المؤلفات والترجمات الأمازيغية ما زالت هزيلة جدا وتدور غالبا في مجال الأدب والشعر وبعد الوثائق القانونية والرسمية. ونحن نحتاج إلى ترجمة آلاف الكتب من العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والهولندية والإسبانية والإيطالية إلى الأمازيغية من كل الأصناف والمواضيع العلمية والتقنية والأدبية والفكرية وخصوصا المواضيع الشعبية كالصحة والطبخ والروايات البوليسية وروايات الخيال العلمي. وهذا مشروع جماعي يحتاج إلى همة واجتهاد الآلاف. لا تنتظروا من الدولة المغربية أن تترجم لكم تلك الآلاف المؤلفة من الكتب أو أن تؤلف لكم كتبا جديدة بالأمازيغية. فالدولة محدودة الموارد وشحيحة الكرم ومشتتة الاهتمام وبطيئة البيروقراطية فضلا عن أنها “ما مْسالياش”. الحاصول هو: المبادرة الفردية والتعاون الجماعي والاستفادة من تسهيلات الإنترنيت.

والأهم من كل ذلك هو أننا نحتاج إلى الكتابة الصحفية على الإنترنيت (بإيقاع يومي سريع) بلغتنا الأمازيغية اليومية كما نتحدثها في البيت والشارع في كل المواضيع السياسية والاقتصادية والمجتمعية لتكون الأمازيغية أداة معالجة الواقع الذي يعيشه الناس.

1) الصيام عن الكتابة بالأمازيغية: لوم الآخرين أسهل من لوم الذات

يبدو في كثير من الأحيان أن الصيام عن الكتابة بالأمازيغية هو طابو الطابوهات الذي يسكت عنه المثقفون والمدونون المغاربة الناطقون باللغة الأمازيغية والمهتمون بها.

فمن السهل جدا أن نتهم المخزن بأنه “يمارس سياسة مخزنية تعريبية مفرنِسة تستهدف اجتثاث الأمازيغية….إلخ”. ومن السهل جدا أن نقول أن “الإسلاميين والتعريبيين يريدون تعريب المغرب وأسلمته وسَعْوَدَتَه وبَدْوَنَتَه ودعشنته وأخونته وبعثنته عبر اجتثاث الأمازيغية لغة وهوية….إلخ”. فكل ذلك صحيح ولكن بدرجات متفاوتة وفي بعض السياقات فقط. وترديد ذلك الكلام (الصحيح في كثير من الأحيان والخاطئ في كثير من الأحيان) هو شيء سهل جدا. فلوم الآخرين على كل مشاكلك هو أسهل ما يمكن فعله. ولكن أصعب الصعوبات هو أن تلوم نفسك على 50% من مشاكلك على الأقل، إن لم نقل 80%.

الدولة المغربية مهما بلغ تسلطها لا ولن (أو لم تعد) تستطيع في عصر الإنترنيت أن تمنع المغاربة المتعلمين والمثقفين من الكتابة بلغتهم الأمازيغية الشعبية ونشر المقالات والتأليفات والإنتاجات بها، فضلا عن أنه لا مصلحة لها في ذلك حاليا على الإطلاق. الدولة مهما بلغت قوتها لن تستطيع منع الإنترنيت ولا إغلاق دور النشر ولا منع الكتابة بالأمازيغية، حتى لو أرادت ذلك. الدولة لا تمنعك من الكتابة بالأمازيغية.

كما أن الإسلاميين والتعريبيين مهما بلغت عداوتهم أو خصومتهم ضد الأمازيغية و”نضالهم” ضدها فإنهم لا يحكمون الدولة، ولم يكن لهم فيها يوما شأن يذكر لا في العير ولا في النفير من سياساتها الكبرى التي يتحكم فيها الملك والديوان الملكي وبقية المؤسسات الاستراتيجية التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وإنما هم (في “نضالهم” ضد الأمازيغية) ظاهرة صوتية إعلامية منظمة تؤثر في آراء جزء من المجتمع عبر الأحزاب العروبية والتنظيمات الإسلامية وجرائدها ومنشوراتها ومساجدها وضجيجها الإعلامي والسياسي. الإسلاميون والتعريبيون فشلوا تماما في زحزحة السيطرة الطاغية للفرنسية في المغرب وفشلوا في إزاحة الأمازيغية من الوجود، وفشلت ماكيناتهم الدعائية في إقناع المغاربة بأن الأمازيغية “ليست لغة” أو أنها “مؤامرة صهيونية فرنكوفونية”. ورغم محاربة التعريبيين والإسلاميين للهيمنة اللغوية الفرنسية في المغرب فإن سياسة الدولة “التعريبية المفرنِسة” بقيت كما هي دون أي تغيير جوهري، حيث مكانة الفرنسية كلغة رسمية بجانب العربية (أو أحيانا فوق العربية) محفوظة بإرادة الدولة. ولا بد من الإشارة إلى أن كثيرين من هؤلاء الإسلاميين والتعريبيين أنفسهم يقبلون على الفرنسية لقضاء مصالحهم أو لتدريس أبنائهم في المدارس والجامعات الفرنسية بالمغرب وخارجه مثل بقية المغاربة.

الحالة اللغوية في المغرب الآن هي نتاج من سياسات الدولة الموروثة عن الاستعمار الفرنسي (أي ازدواجية العربية/الفرنسية) ونزوعات المجتمع المغربي اللغوية والثقافية والاستهلاكية والدينية. سياسة التعريب والفرنسة هي غالبا موروث فرنسي، أي: تقاليد دولتية أسسها الاحتلال الفرنسي في “المنطقة السلطانية” من المغرب. وهذه التقاليد الدولتية الاستعمارية الفرنسية اتخذت بعد استقلال المغرب طابعا سلطويا وأمنيا معاديا للغة الأمازيغية بسبب خشية الدولة الاستبدادية من تحول اللغة الأمازيغية إلى أداة للتمرد السياسي.

ومن بين أبرز وأول تجليات السياسة التعريبية المفرنِسة من عهد الاستعمار الفرنسي هو إصدار الجريدة الرسمية منذ عام 1913 باللغتين الفرنسية والعربية (رغم أن الشعب لم يكن يقرأ ويتكلم الفرنسية ولا العربية الفصحى). وحافظت الدولة المغربية إلى يومنا هذا على ذلك التقليد الراسخ المتمثل في اللغتين الرسميتين (العربية والفرنسية) في الجريدة الرسمية والعملة والإدارات وشهادة الازدياد وشهادة السكنى و”النكوا / لاكارط” و”كناش الحالة المدنية” ولوحات الشوارع وفي التعليم وكل شيء آخر متعلق بالدولة. وبعد أن تغير مزاج الدولة قليلا في القرن الواحد والعشرين أصبحت تنظر إلى الأمازيغية كلغة مثل باقي اللغات، رغم أنها ما زالت في جوهرها تشتغل كتابيا بالازدواجية العربية/الفرنسية وشفويا بالازدواجية الدارجة/الفرنسية. وما بقي من سياسات التعريب والفرنسة (في التعليم والإعلام والإدارة) حاليا هو من بقايا عقلية ودواليب دولة القرن العشرين.

2) الاستعراب الطوعي والتفرنس الطوعي:

عندما أنظر إلى المغاربة وسلوكاتهم اللغوية والثقافية فإنني أجد أن الاستعراب الطوعي يكاد يطغى على التعريب الدولتي. وألاحظ أن التفرنس الطوعي يكاد يغطي الفرنسة الدولتية. وبالتأكيد فإن التأسلم الطوعي (ذي الصبغة الاستعرابية القوية لكون العربية لغة الإسلام الرسمية) يطغى على الأسلمة المدرسية والمسجدية والإعلامية الدولتية.

هناك جانب من الانسلاخ عن اللغة الأمازيغية حدث وما زال يحدث بسبب ضغوطات المدرسة/الجامعة الفرنكوعربية والمسجد ذي اللغة العربية الفصحى والإعلام المحلي والأجنبي الفرنكوعربي أو الدارجي. إلا أن جانبا كبيرا من الانسلاخ عن الأمازيغية (لغة وهوية) هو سلوك أمازيغي بامتياز ينفذه المغاربة الناطقون بالأمازيغية طوعا أو رغبة أو غفلة، حسب حالة كل شخص، بدون أي إكراه خارجي مباشر. ويبدأ هذا الانسلاخ من اختيار اسم غير أمازيغي للطفل أو الطفلة، مرورا بإقحام الكلمات الدارجية والعربية والفرنسية والإسبانية في الكلام الأمازيغي اليومي رغم توفر البديل الأمازيغي الطبيعي المفهوم للجميع، واستبدال الكلمات الأمازيغية بالكلمات الأخرى تدريجيا، وتربية الأطفال بالدارجة والفرنسية وحجب الأمازيغية عنهم، ثم باستيراد أنماط التفكير والتدين والعيش من السعودية وفرنسا/إسبانيا بشكلها الخام، وانتهاءا بصيام المثقفين والمدونين عن الكتابة بلغتهم الأمازيغية الشعبية في مواضيع السياسة والاقتصاد وشؤون المجتمع اليومية.

إن سياسة الدولة التعريبية المفرنِسة هي شيء مؤكد ولكنها ليست كل شيء وليست مسؤولة عن كل مشاكل الأمازيغية. فالدولة مهما بلغت قوتها فهي محدودة وستظل محدودة. كما أن سطوة الدولة على الإعلام والحياة العمومية أصبحت تتراجع بوضوح في عصر الإنترنيت وحقوق الإنسان. ولاختيارات الأفراد اللغوية والفكرية والاستهلاكية والتعبيرية حصة معتبرة في صياغة الواقع، نعبر عنها مجازا بنسبة 50%.

إذا كانت سياسة الدولة التعريبية المفرنِسة (في المدرسة والإدارة والإعلام والمسجد) تساهم بنسبة 50% في مشروع اجتثاث الأمازيغية من على كوكب الأرض فإن الاستعراب الطوعي والتفرنس الطوعي الذي ينفذه المغاربة (طوعا أو رغبة أو غفلة) يساهم أيضا بما لا يقل عن 50% في هذا المشروع العجيب.

والشيء الذي لا شك فيه هو أننا نلاحظ تظافر جهود التعريب والاستعراب والتدرجن الشفوي والفرنسة والتفرنس وحتى التأسبن (من الإسبانية) ونرى نتائج ذلك بوضوح في المجتمع المغربي وحتى لدى الجالية المغربية في أوروبا. وأقوى مظهر لهذه النتائج هو التراجع المهول لنسبة المغاربة الناطقين باللغة الأمازيغية كلغة أم من 28.4% عام 2004 إلى 26.7% عام 2014 حسب الإحصاء الرسمي للسكان. وحتى لو قال البعض بأن هذه الأرقام غير دقيقة أو أن الإحصاء لم يحص الناطقين بالأمازيغية بالدقة الواجبة، فإننا نلاحظ بالعين المجردة وبالأذن المجردة في وسطنا الاجتماعي المباشر ظاهرة استعراب (أو بالأحرى: تَدَرْجُن) وتفرنس المغاربة الناطقين بالأمازيغية. وهذا ألاحظه أنا شخصيا في حالات لا تعد ولا تحصى من الأطفال الذين يتحدث معهم آباؤهم وأمهاتهم وأقرباؤهم بالدارجة حصريا بشكل متعمد وبكامل الوعي، رغم كون الأب والأم والأقرباء ناطقين بالأمازيغية كلغة أم. وحين يكبر هؤلاء الأطفال يضيفون إلى الدارجة عادات التفرنس اللغوي.

كما أنني بدأت ألاحظ ظاهرة عجيبة أخرى وهي أن اللغة الأمازيغية لدى الكهول والمسنين بدأ يطرأ عليها هي أيضا الاستعراب والتفرنس والتدرجن، بتأثير من التلفزة والمسجد والشباب المتعلم. اللغة الأمازيغية التي يتحدث الكهول والمسنون لا تسلم هي الأخرى من التلف، ولم يعد مشكل تآكل الأمازيغية يتعلق بالأطفال والشباب فقط. وأعرف كلمات أمازيغية بعينها كان أشخاص كبار السن بعينهم يستخدمونها منذ 5 أو 10 سنوات، ولم يعودوا يستخدمونها الآن أو تناقص استخدامهم لها، حيث أنهم استبدلوها بكلمات دارجية أو عربية أو فرنسية أو إسبانية.

3) الكتابة والإنتاج الإعلامي بالأمازيغية الشعبية من أجل وقف انقراضها:

هناك طريقتان للنظر إلى اللغة الشعبية.

– الطريقة الأولى: وهي الطريقة النفعية. حيث أن اللغة الشعبية هي وسيلة للدمقرطة والتنمية وأداة لممارسة السياسة والدفاع عن مصالح الشعب في المحكمة والبرلمان والشارع والإدارة والإعلام. فـ”الديمقراطية” كلمة يونانية demokratia تعني حرفيا “حكم الشعب” أو “سلطة الشعب”. إذن فـ”حكم الشعب نفسه بنفسه” لا يتم إلا باستخدام لغة الشعب. إذا كان الشعب مرغما على الخضوع للغة النخب (السياسية والاقتصادية والدينية) فهذا يعني أن هذا الشعب خاضع لحكم تلك النخب، وليس شعبا حرا. وقد صدق المثل الأمازيغي القائل: Win ilan iles ila tamazirt ومعناه: مَنْ مَلَكَ اللسانَ مَلَكَ الأرضَ.

– الطريقة الثانية: وهي الطريقة الهوياتية والثقافية. حيث ينظر محبو اللغة إلى لغتهم ككنز هوياتي وثقافي يجب الحفاظ عليه وتنميته.

مهما كانت نظرتك للغتك الشعبية الأم فالمطلوب هو أن تكتب بها وتعاملها كلغة حية لكل شيء في حياتك اليومية شفويا وكتابيا، بدل أن تعاملها كـ”لغة سرية” أو كـ”لغة كهنوت وطقوس” تستخدمها في سياقات محدودة مثلما يستخدم رجال الدين لغتهم الدينية في سياقات دينية فقط وبطقوس معينة.

4) كيف تمارس الكتابة بالأمازيغية كعادة يومية؟

هذه بعض المقترحات العملية للقراء الذين لم يعتادوا على الكتابة بلغتهم الأمازيغية الأم:

– أول خطوة هي أن تجرّب كتابة بعض الجمل الأمازيغية البسيطة التي تستخدمها في حياتك اليومية، بحرفك المفضل (اللاتيني، تيفيناغ، العربي). لا داعي للقلق حول التهجئة، فسوف تستقيم مع التمرس. وتستحسن الاستعانة بالتهجئات الموجودة في القواميس والكتب الأمازيغية المتوفرة بالمجان على الإنترنيت.

– جرب كتابة بعض إيميلاتك أو ميساجاتك إلى الأصدقاء أو المعارف أو تعليقاتك أو مقالاتك على الإنترنيت بالأمازيغية، بدل الاكتفاء بعبارات بروتوكولية محدودة مثل Azul وTanemmirt.

– كتابة مذكراتك أو تجاربك يوميا أو أسبوعيا، ونشرها (أو نشر أجزاء منها) على الإنترنيت. هذه واحدة من أغزر المواضيع وأسهلها. فالأمر يشبه ما تقوم به حين تروي شفويا قصة عادية لصديق أو قريب. المطلوب هو فقط نقل الشفوي إلى الكتابي بدون أي تعديل.

– لا يجب القلق من كثرة الكلمات العربية والدارجية والفرنسية والإسبانية في اللغة الأمازيغية اليومية التي نتحدث بها. فهي ما زالت لغة أمازيغية في هيكلها وجوهرها. وعندما يكثر التدوين الأمازيغي ويتسع سيتم الانتقال تدريجيا إلى استخدام مزيد من الكلمات الأمازيغية التراثية المخزونة في القواميس أو في اللهجات الأخرى عبر التبادل اللهجي الأمازيغي الريفي – الأطلسي – السوسي – القبايلي – الشاوي.

– إذا كنت مثلا ناطقا بأمازيغية الريف فلا تقلق من أن لا يفهم الناطقون بأمازيغية سوس أو الأطلس أو القبايل ما كتبته. فهناك ما يكفي من الناطقين بأمازيغية الريف الذين سيفهمون ما كتبته على الإنترنيت، فضلا عن كون لهجات الأمازيغية متداخلة بقوة فيما بينها معجميا ومتطابقة نحويا. هذا ليس إنشاءا. هذه حقيقة لسانية. ونفس الشيء نقوله عن من يكتب بأمازيغيته السوسية أو الأطلسية أو الجنوب-شرقية اليومية.

– إذا قرأ 70 شخصا منحدرا من منطقتك ميساجك أو تعليقك أو مقالك المكتوب بلهجتك الأمازيغية المحلية فأنت قد نجحت في إيصال لغتك ورسالتك إلى 70 شخصا. ليس من الضروري أن يقرأ أو يفهم كل المغاربة ما كتبته بالأمازيغية، فجزء صغير منهم يكفي. ومع التمرس وكثرة الإنتاج وكثرة الاحتكاك سترتفع لياقة fitness القارئ / الكاتب الأمازيغي ليتمكن من قراءة وكتابة النصوص والميساجات الأمازيغية بلهجات أمازيغية مختلفة عن لهجة مدينته أو منطقته أو مختلطة بها.

– يجب أن نتذكر دائما أن فهم المكتوب أسهل وأقوى بكثير من فهم المسموع. إذا كنت ناطقا بأمازيغية سوس ووجدت أمامك نصا أمازيغيا ريفي الطابع أو من ليبيا فأنت ستفهمه بسهولة أكبر إذا كان مكتوبا مما إذا كان مسموعا فقط، لأن النص المكتوب قابل للتحليل البصري واللغوي بشكل منهجي ومرات عديدة من طرف القارئ وفي إطار السياق. الألماني يستطيع فهم نص هولندي مكتوب بسهولة أكبر بكثير مما إذا كان ذلك النص الهولندي مسموعا فقط. هذه القاعدة تسري على كل اللهجات أو اللغات الشقيقة.

وهنا تبرز أهمية الكتابة.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *