لوناس: الشاعر المتمرد

ولد معتوب لوناس يوم 24 يناير 1956م بــ”توريرت  ن موسى”، وهي إحدى قرى مدينة تيزي وزو بالجزائر، يعد من أبرز الموسيقيين وأشهرهم في الجزائر بسبب لونه الغنائي وصوته المميز وأيضا بسبب مواقفه السياسية المعارضة للسياسة الدولة، وبسبب مناهضته  للتعصب القومي والديني، إضافة إلى كونه من أكبر المدافعين على الديمقراطية والحقوق اللغوية والثقافية والهوياتية الأمازيغية.

تعلم معتوب لوناس الغناء بشكل ذاتي منذ السنين الأولى من شبابه، اختار طريق الفن والنضال وهاجر إلى فرنسا، وأصدر مجموعة من الألبومات، التي قارب فيها مواضيع متنوعة، مثل: (الهوية، المقاومة، الأم، الوطن، الحب، الفساد السياسي، التعصب الديني، وغيرها من المواضيع التي كان لها الإسهام الكبير في نمو الوعي الأمازيغي بالقبايل والجزائر خصوصا وبعموم بلدان شمال أفريقيا عموما)، فلم تستهدف أغانيه جمهورا بعينه بل كان المتلقون من شتى الفئات والجنسيات، ومنهم حتى من لا يفهم القبائلية.

كتب لوناس سيرة ذاتية بعنوان “المتمرد” “Le Rebelle” سرد فيها تفاصيل حياته منذ مرحلة الطفولة التي تميزت بأجواء الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي والفترة التي تلت استقلال الجزائر، واصفا تضاريس قريته وأهازيج جدته وشجاعة أمه واغتراب أبيه، دون أن ينسى بداية اهتمامه بالموسيقى، وفترة وعيه بذاته وهويته وكفاحه من أجل الحرية والديمقراطية والحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية، وما صاحب ذلك من معاناة ومأسي، كان أبرزها:

  • تعرضه لمحاولة اغتيال سنة 1988م؛ حيث تلقى أربع رصاصات، جعلته طريح الفراش لمدة طويلة
  • تعرضه للاختطاف من قبل الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) لمدة 15 يوما سنة 1994م وما صاحب ذلك من سخط شعبي قبائلي، اضطرت الجماعة أمامه إلى إطلاق سراحه.
  • اتهامه بالتخوين والعمالة لصالح النظام، خلال فترة الاغتيالات المسماة بالعشرية السوداء وهو ما سبب له أزمة نفسية.

لكنه بالرغم من الأفكار الجريئة التي أبداها وما تعرض له من جهة والوضع المقلق بالجزائر آنذاك، والمتسم بالخطورة من جهة ثانية إلا أن ” لوناس”، لم يمنعه ذلك من العودة إلى أرض وطنه قادما من فرنسا، فشاءت الأقدار أن يغتال عند حاجز على طريق جبلي بالقرب من مدينة تيزي وزو في شهر يونيو من عام 1998. وأعلنت من الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) مسؤوليتها عن اغتياله بتواطؤ مع النظام الجزائري.

وتسبب اغتياله هذا في قيام مظاهرات واحتجاجات كبرى أدت إلى مواجهات بين قوات الأمن وعشرات الآلاف من الغاضبين الذين اتهموا الحكومة الجزائرية بمسؤوليتها عن مقتل “معتوب لوناس”، لتنطفئ بذلك شمعة من شموع الأمازيغية، التي ضحت بنفسها لكي تنير الدرب للباقين، وبقي وفيا لقولته:

“لن نفرط في الأمازيغية إلا إذا نضب البحر”

ومن أبرز ألبوماته:

  • 1978: Oh Izem
  • 1978: Daewessu
  • 1979: Ṛuḥ is aqcic
  • 1980: A ttwaliɣ
  • 1981: Assagi liɣ
  • 1981: Slaebitt is aveḥri
  • 1981 : At Yiraten
  • 1982: Tirgin
  • 1983: Tamsalt n Sliman
  • 1984: a tarwa n lhif
  • 1985: Lbabur
  • 1986: Tamurt-iw
  • 1988: Lmut
  • 1988 : Rwaḥ rwaḥ
  • 1994: Kenza
  • 1996: Tiɣri g-gemma

وغيرها من الألبومات التي ضمت العديد من الأغاني حول الموضوعات السالفة الذكر.

اشتملت خطابات “معتوب لوناس” الموسيقية على مجموعة من الجوانب البلاغية، التي حملت رسائل هادفة وردت بطريقة سلسة وبأسلوب تعريضي أكثر منه تصريحي، فعبر من خلالها عما لا يستطيع التعبير عنه باللغة العادية، فأسعفته اللغة الشعرية في إيصال ما يكتنزه عقله من أفكار ديمقراطية وإنسانية رافضة للاستبداد ومدافعة عن الإنسان بشكل عام وعن الذات الأمازيغية بشكل خاص، ويمكن تصنيف هذه الأوجه البلاغية إلى ثلاثة، وهي:

  • التشبيه ( ASSULI)
  • الاستعارة ( AZENJI)
  • الكناية (TAQQALT)

في أحد أشعار “لوناس” المعنونة بــ”نداء أرملة” (TIɣRI N TUGGALT)، يخبرنا على لسان أرملة بالمعاناة التي صارت تقاسيها بعد وفاة زوجها، ويبدو من خلال مجموعة من المقاطع أنها تحب زوجها حبا خالصا، ولكي تبرهن على ذلك لجأت إلى توظيف الأسلوب البلاغي، مؤكدة بأن “حتى لو تزوجت فالليالي ستتذكر اسم زوجها”. وأنها لن تعشق غيره كما عشقته، في العبارة السابقة نجد تعبيرا أريد به الإبانة عن حالة الأرملة بعد فقدانها لزوجها، وبما أن المعني هي الأرملة فالتقدير هو “سأتذكر اسمك في كل الليالي”، وحذف الفاعل الذي هو الأرملة، ونابت عنه الليالي بعدما أكسبها لوناس القدرة على التذكر، لكن نتساءل ما الغاية من كل هذا؟ إن البرهنة على مدى تعلق الأرملة بزوجها وعدم نسيانها لذكراه اقتضى منها اللجوء إلى اللغة الشعرية لتعبر بها عما لا تستطيع اللغة العادية، فالوصول إلى درجة اعتبار الليالي هي التي تتذكر وليس الأرملة هو بمثابة أعلى درجة في سلم البرهنة على التعلق والتمسك.

ولن تذكر غيره إلا إذا أكرهت على ذلك، فهي متشبثة بحب زوجها بالرغم من وفاته، إلى حد جعلها تؤكد استحالة نسيان وجهه، فهو –الزوج- على حد تعبيرها حي في قلبها وغن غاب عن عيونها. إنه كان يسعدها فمن إن رحل صارت تذرف دموعا لا تنتهي، ولن ينهيها إلا اللقاء به في القبر يوم موتها، ولكي تتبث مدى انتظارها ليوم اللقاء لجأت ثانية إلى الأسلوب البلاغي، مشيرة إلى أنها “لن تنام حتى ولو نامت المياه والأغصان”. أن يعمد القائل إلى جعل المياه والأغصان تنام هو قمة التعبير عن حالة الانتظار والشوق إلى اللقاء، فالأرملة لا تغمض جفونها من شدة الشوق إلى اللحاق بزوجها في القبر؛ أي أنها تنتظر الموت، وتخشى أن يأتي فيجدها نائمة فيمر عليها دون أن يصيبها، فتفوت بذلك فرصة اللقاء الذي طال انتظرها له. فالتقدير هنا “لن أنام حتى لو نامت المياه والأغصان لأني أنتظر الموت الذي سيجمعني بك”. فقد واجهت المسكينة أياما انهالت فيها عليها جميع المحن، حتى جعلت كبدها ينقسم إلى أجزاء، فلم تعد تعرف طعم الأفراح والأعياد لأن قلبها بعدما نفذ صبرها صار متعطشا للقاء زوجها الحبيب، وهو ما عبرت عنه بأسلوب بلاغي أيضا “قلبي عطشان والصبر لم يسأل عني”، وفي الأخير لم تجد حلا غير مناجاة الله ليخلصها مما هي فيه.

إن الرسالة التي يتضمنها هذا الخطاب تتجلى أساسا في قيمة الحب الخالص- الأبدي، الذي لا ينتهي بالموت ولا بالزواج مرة ثانية، فالمقصودة بالثورة في العنوان هو الثورة على الحب الذي ينتهي بمجرد الوفاة. وهنا يتقاطع هذا الخطاب مع قول الشاعر:

نقل فؤادك ما شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحبيب الأول

وهكذا يكون لوناس ثائرا حتى عندما يرتبط الأمر بالحب، فهو ليس متمردا على النظام فقط بل على كل ما من شأنه كبح عيشة الإنسان اللائقة في جانبها المادي والمعنوي كذلك، كيف لا وهو القائل: أفضل أن أموت على مبادئي على الموت شيخا طريح الفراش.

ليست البلاغة مجرد مستحضرات تجميل يضيفها المبدع على خطاب أغانيه بل هي بمثابة الوصفة السحرية التي بها يمتاز كل مبدع عن نظرائه، وهنا يتجلى دوره؛ حيث ينبغي له أن يحسن تدبيرها. إن أغاني “معتوب لوناس” بالرغم مما تحمله من حمولة نضالية لم تغب عنها الجمالية، هذا لأن الفن يبقى فنا مهما كانت غايته أو مصدره، فأضفت الجوانب البلاغية التي وظفها رونقا جماليا عليها، مكنتها من النفاذ إلى قلوب الكثيرين سواء ممن يفهمون معانيها أو ممن لا يفهمونها، وهكذا بقيت خالدة في نفوس الأمازيغ خاصة، وفي نفوس كل من يؤمن بالقيم الإنسانية بشكل عام.

خليد والعبدو – طالب باحث بماستر لسانيات النص بجامعة القاضي عياض مراكش

شاهد أيضاً

وزير التربية الوطنية الجزائري: لا مجال للتشكيك في مسار تعميم اللغة الأمازيغية

أجمع وزير التربية الوطنية الجزائري, عبد الحكيم بلعابد, والأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية, سي الهاشمي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *