مديرية المناهج والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يتجهان نحو إقبار البعد التاريخي والحضاري الأمازيغي في الكتاب المدرسي

ذ. زايد بوسع

بعد خطاب أجدير سنة2001 تنفس المغاربة الصعداء بهذا الإنجاز التاريخي، الذي عبر من خلاله جلالة الملك عن ضرورة النهوض بالثقافة واللغة الأمازيغيتين و ربطهما بالمشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، الذي تنشد بلادنا تحقيقه في مختلف المجالات التربوية والاجتماعية و الثقافية الوطنية، وقد مهد هذا الخطاب مباشرة إلى تدشين مجموعة من الأوراش الكبرى سابقة من نوعها في تاريخ المغرب المعاصر، و كان من بين هذه الأوراش تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي أسندت إليه مسؤولية الحفاظ و النهوض بالثقافة الأمازيغية في المجال التربوي و الإعلامي الوطني، بعدها مباشرة تم إدراج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية سنة2003 كلغة قائمة بنفسها، ليأتي دستور 2011 كأسمى قانون في البلاد الذي سيقر ويعترف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.

بعد كل هذه الإنجازات التاريخية التي نعتبرها كباحثين و متتبعين لتدبير الشأن الأمازيغي في بلادنا، من المكتسبات التي تم انتزاعها بعد عقود من النضال والترافع إلى جانب تضحيات المجتمع المدني، لكننا نتفاجأ اليوم بنوع من التراجع و النكوص، الذي تجلى واضحا بعد إصدار مديرية المناهج لوزارة التربية الوطنية بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وثيقة للمنهاج الدراسي الخاص بمادة اللغة الأمازيغية بالتعليم الابتدائي ابريل 2021 من حجم 80 صفحة تحت عنوان ” التوجيهات التربوية و البرامج الدراسية الخاصة بمادة اللغة الأمازيغية التعليم الابتدائي”، وهو الذي ينظم الغايات الكبرى والتوجيهات التربوية المتوخى تحقيقها في البرامج الدراسية، حيث تم تغيب البعد التاريخي و الحضاري للغة الأمازيغية في نصوص المنهاج المدرسي الجديد الخاص باللغة الأمازيغية في كل المستويات، عكس ما كان معتمد في كتاب “تيفاوين أ تمازيغيت”، متجاهلا الأهداف التربوية للمواضيع والنصوص التاريخية و الحضارية المميزة للهوية المغاربية في تعليم اللغة الأمازيغية لتلاميذ مستويات التعليم الأساسي، وكذا الغايات الكبرى التي يتوخى بلوغها من خلال التعريف بشخصيات تاريخية أمازيغية التي ساهمت في بناء حضارات و تاريخ شمال إفريقيا و التعرف على مدى مساهمة الأمازيغ في بلورة ثقافة حقوق الإنسان على مدى التاريخ في كتابتهم والعادات و التقاليد والأعراف المنظمة للمجتمع الأمازيغي.

وانطلاقا من قراءتنا لعناوين المجزوءات والموارد للوحدات التي يتضمنها التوزيع السنوي الخاص بكل المستويات، تغيبت وحدات تتناول شخصيات أمازيغية ضاربة في تاريخ شمال افريقيا سواء في بعده الوطني أو العالمي، و المبدعين الأدبيين ( أفولاي، يوبا، بن خلدون …) الذي بصموا تاريخ الأدب العالمي عبر مجموعة من النصوص الأدبية التي لازال يتم اعتمدها كمراجع أساسية في البحث العلمي، إلى جانب غياب وحدات ستتناول عادات وتقاليد الشعب الأمازيغي المتجذرة في المجتمعات المغاربية المتوارثة عبر الأجيال و التعريف كذلك بالإنتاجات الفنية و الأدبية القديمة التي تعكس مدى اهتمام المغاربة بالفنون الجميلة و الابداعات الفكرية و الأدبية مند فجر التاريخ كما تناولها كتاب” تفاوين أ تمازيغت ” المعتمد حاليا.

ولعل تبرير مديرية المناهج بضرورة خلق مناهج موحدة في مجالات اللغات الأربعة المدرسة في المنظومة التربوية، إلا أنها تفتقر إلى تصور واضح يضمن صيرورة النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين في المدرسة المغربية حيث تم تغييب الكفايات الممتدة التي تربط بين المواد الدراسية التي لها تقاطعات والتقاءات مما سيساهم في تغيب مكون الثقافة الأمازيغية في رصيد المتعلم، وسنصبح أمام رصيد ثقافة معينة بلسان أمازيغي.

إن الغايات الكبرى التي كان على مديرية المناهج والمعهد الملكي لثقافة الأمازيغية استثمارها في المنهاج الدراسي إسوة بالمناهج السابقة هو التركيز على جعل النصوص الحضارية والتاريخية من الركائز الأساسية لتعلم اللغة الأمازيغية وفهم التلميذ المغربي الإرث الثقافي والحضاري للغة التي بصدد تعلمها، لأننا لا يمكن الفصل بين اللغة والإرث الثقافي – اللغة هو الوعاء الحاضن للثقافة – وهما وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما إلا إذا كانت الغاية من تدريسها شيئا اخر.

تجدر الإشارة هنا إلى أن اللغة الأمازيغية قد تمكنت من تحقيق تراكم أكاديمي، علمي وبيداغوجي في كل المستويات، وذلك منذ إدراجها في النظام التربوي المغربي سنة 2003 لذا من الواجب علينا الحفاظ على هذه المكتسبات واستثمارها في مواصلة المجهودات الرامية في تحقيق الغايات الكبرى ومواصلة المشروع الديمقراطي الحداثي الذي يضمن خلق مجتمع متماسك ومتجانس يستطيع مجابهة التحديات والرهانات المستقبلية.

لذا يجب تثمين المعرفة التاريخية وتوظيفها توظيفا علميا بعيدا عن الإسقاطات والتفسيرات التحريفية لتمكين المتعلم المغربي من معرفة تاريخ بلاده معرفة سليمة، نظرا لأهميته في تنمية الشعور بالهوية الوطنية، ولأن المطلوب منا هنا هو تلقين الأجيال جزءا من ثقافتهم وتاريخهم الوطني دون تمييز أو تفضيل.

شاهد أيضاً

الفلاح “الأمازيغي” المدافع عن العرش

بإعادة صياغة أطروحة المتخصص الفرنسي في العلوم السياسية ريمي ليفو، التي عنونها ب “الفلاح المغربي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *