أخبار عاجلة

مراكش بعيون مغربية وأجنبية موضوع ندوة علمية لمختبر الأنساق اللغوية والثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير

حظي موضوع العلاقة بالمدينة بمكانة كبرى في تاريخ البحث العلمي بالجامعة المغربية، ما جعل فضاء المدينة ملقى اهتمامات العلوم الإنسانية بمختلف أصنافها محاولة استكناه أسرار هذه العلاقة من مواقع قرائية وأمكنة نظرية متعددة، ذلك أن العلاقة بين الإنسان والمدينة ليست علاقة عطف ولكنها علاقة تفاعل تعتورها حالات الانجذاب أو النفور أو الحياد، كما تنطوي على مسافة تؤمنها المغايرة وتظل بحاجة للمساءلة المعرفية، على أن هذه العلاقة ليست أرضا بكرا في الذاكرة المعرفية للشعوب منذ التأسيس الفلسفي لمفهوم المدينة عند أفلاطون ” polis” وهي اللحظة التي أشرعت بوابات التفكير في الموضوع.

واستحضارا لأهمية المكان ووشمه في الذاكرة الإنسانية وموقعه في الوجدان نظم مختبر الأنساق اللغوية والثقافية و كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر بأكادير الحلقة الأولى من ملتقى “الذاكرة المغربية بعيون مغربية وأجنبية” عبر ندوة علمية في موضوع “مراكش بعيون مغربية وأجنبية” بفضاء الإنسانيات يوم الأربعاء 09 يونيو 2021، وهي ندوة علمية جمعت تخصصات معرفية وعلمية مختلفة تعكس الرؤية الابستمولوجية التكاملية التي تطبع عمل المختبر العلمي وانفتاحه على الذاكرة والتاريخ وعلى المحيط الثقافي، تندرج في مسار استعادة للحظات معرفية وتقليد أكاديمي عرفته كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الثمانينات والتسعينات والعقد الأول من الألفية الجديدة، إذ شهدت جلسات علمية حول مدينة الصويرة ومدينة تارودانت ومدينة أكادير ومدينة تيزنيت وفضاءات واحية كفضاء درعة.

وبعد الترحيب بالحضور من قبل الدكتور أحمد بلقاضي عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، افتتحت الندوة بكلمة رئيس مختبر الأنساق اللغوية والثقافية الدكتور سليمان بحاري الذي اعتبر حلقات الملتقى العلمي أثرا خلاقا يعكس الريادة العلمية لكلية الآداب والعلوم الإنسانية وديناميتها العلمية التي تعكس مجهودة طاقم علمي منشغل بأسئلة الذاكرة والراهن، معتز بغنى الثقافة الوطنية ومسهم في نفض الغبار عن كنوز الذاكرة، وأكد الدكتور سليمان بحاري الباحث في الخطاب النقدي والدراسات الأدبية والثقافية أن الاحتفاء بمراكش هو احتفاء علمي يروم إضاءة جوانب وهوامش لامفكر فيها في علاقة المحلي والأجنبي بحاضرة مراكش بوصفها رحما ولادة للعلماء والأدباء، والنظر فيها ، وهو ما ينسجم ودلالة العين بوصفها رمزا دالا على التبصر وبوصفها مقترنة بالتفكير وما يتضمنه من ارتياب وانفتاح على مدارات السؤال، الذي يشكل المعنى الأسمى للجامعة.

وافتتح الدكتور عبد الرحيم حيمود المتخصص في العبرية وقائع الجلسة العلمية التي ترأسها ، ببسط المكانة الكبرى لمراكش في تاريخ المغرب وبرصد بعض التحولات التي مست المعيش الإنساني فيها، كما قدم نبذة عن الأساتذة الباحثين المشاركين في الندوة والذين عرضوا أوراقا علمية مختلفة من حيث المقاربات المعتمدة .

الطيب البوهالي : الذاكرة المغربية : النسق والمجال

اشتغل الاستاذ الباحث الطيب البوهالي على مجموعة من الممارسات الثقافية مقاربا إياها مقاربة تأويلية تمتاح أسسها النظرية من السيميائيات ومن الأنثربولوجية الرمزية ونظرية الذكاء الاصطناعي لدراسة الأنساق الثقافية التي تنظم الممارسات الفرجوية والفنية في الحياة اليومية بمراكش ، معتبرا أن فضاء مراكش فضاء تفاعل ثقافي بين الثقافة المغربية وبين ثقافات شعوب أخرى، ومن تجليات التفاعل الثقافي حضور الدائرة ورمزياتها الخاصة وسيادة نسقها الثقافي، وخصص الأستاذ الطيب البوهالي حيزا في ورقته لعرض السمات والمقومات التي تسم هذا النسق في فن الحلقة وفي الرقصات الشعبية التي تضج بها ساحة جامع الفنا، وأبرز أن هذا النسق الثقافي هو نتاج موضوعي للتبادلات الرمزية التي يقيمها الإنسان مع الطبيعة والتي تفصح عن رؤية يتجاور فيها الميثي والديني، وتجد جذورها العميقة في المتخيل الإنساني، ما جعل من الدائرة بحسب المتدخل إحدى النماذج الأصلية التي تحكم الفكر الإنساني وتوجه فعالية الفرد والجماعات ما جعل سطوتها في فضاء مراكش سطوة وازنة، استطاع الإنسان أن يداري فيها رؤيته إلى الذات والكون واستطاعت أن تختزل بكثافة رمزية سردياته ومحكياته التي توسل بها فهم العالم .

أحمد الهاشمي : مراكش بحث في أصل التسمية

لا تنفصل الأعلام المكانية والتسميات عن المعيش الإنساني وعن علاقة الإنسان بالطبيعة والمجال، لكن تراكم التأويلات وتضارب القصديات الإيديلوجية ورهانها على البحث عن أساطير مؤسسة ومحاولة اجتراحها يجعل من الحفر في جذور التسميات مهمة علمية تتطلب بذل طاقة قرائية تنطلق من اللغة التي تنتسب إليها التسميات وتنفتح على الثقافة وعلى التاريخ والجغرافيا، استنادا إلى هذه الفرضية وإلى الحاجة الملحة إلى خلخلة المفاهيم والتسميات التي يضطلع لبحث الأكاديمي بتحققه بشكل علمي ، اختار الاستاذ الباحث المتخصص في الطوبونيميا الدكتور أحمد الهاشمي الانطلاق من الطوبونيميا واللسانيات في قراءة عابرة للحقول المعرفية لإعادة التفكير في دلالات تسمية مراكش، وقد عرض الباحث القراءة التي قالت بها بعض الدراسات عن الدلالة العربية لتسمية مراكش ، وهي قراءة مدارها أن مراكش تعني ” مر سريعا” وهي قراءة قوضها الأستاذ الباحث أحمد الهاشمي لتغييبها لللانتساب اللغوي للتسمية إلى اللغة الأمازيغية، ما يجعل القراءة مفتقدة لقرائن علمية تعضدها ، كما عرض الدكتور أحمد الهاشمي قراءة الجامعي والمؤرخ أحمد التوفيق عن دلالة مراكش التي اعتبرها مركبا إضافيا من ” أمور ” و ” اكوش ” أي أرض الله ، فهي قراءة وبحسب الدكتور أحمد الهاشمي وإن كانت تنطلق من معطيات التاريخ ومن مداخل معجمية أمازيغية، فإنها قد انساقت خلف الرؤية التي تعتبر مراكش مركبا إضافيا، وهو ما جعل الباحث أحمد الهاشمي يستحضر حملة من المشيرات الجغرافية واللغوية من قبيل أشكال المناطق التي تحمل لفظة ” تاكوشت” واستحضر أيضا أشكال أشياء تسمى بهذه التسمية، كالكوشة ” الفران التقليدي ” ليقارنها بشكل كليز وبشكل الجبال المحاذية لمراكش ، وهو ما جعله يقول إن التسمية تحيل على الشكل والموقع الجغرافي ، وهي مركب مزجي يحيل إلى مكان بين جبلين او هضبتين ، وهو ما يلاحظ أيضا في تسمية ” مورإيطان ” و تسمية ” كرسيف” . وهي إضاءات حاول الدكتور احمد الهاشمي الاستدلال على وجاهتها عبر مقاربة موسعة وعبر قرائن امتاحت آلياتها من اللسانيات الامازيغية ومن التاريخ والجغرافيا، كما أنها ثمرة بحث ميداني .

عزالدين بونيت : ساحة جامع الفنا : تاريخيتها ودينامياتها ووظائفها: مسألة أولية

“حلق ثلاث ساعات باتجاه مراكش، تحلق ثلاثة قرون باتجاه الماضي” بهذه العتبة القرائية المتضمنة في ملصق إشهاري للدعاية للسياحة في مراكش سنة 1960، افتتح الأستاذ الباخث والناقد المسرحي عز الدين بونيت ورقته عن فضاء مراكش بوجه عام وفضا جامع لفنا بوجه خاص؛ فبالرغم من الرهانات التي يضطلع بها الخطاب الإشهاري والقائمة على التسلل إلى الوجدان ومملكة اللاشعور فإنه ينطوي على دلالات تقترب من حقيقة مراكش التي تختزل ساحتها زمنية تاريخية مكثفة للمارسات الثقافية والتعبيرات الفرجوية التي احتضنتها مدينة مراكش وأغنت بها الذاكرة الشعبية، وقد أبرز الناقد عز الدين بونيت أن الاعتبارات السياسية هي التي تحدد الأدوار التي تضطلع بها مراكش ومكانتها في المغرب ورفاه ساكنتها، فكلما اضطلعت مراكش بدور سياسي في المغرب كلما عم الرخاء.

محمد ناجي بنعمر: مراكش في الكتابات الأنثربولوجية 1860 – 1950

اشتغل الأكاديمي والمترجم المغربي محمد ناجي بنعمر في مساره الترجمي على ترجمة مجموعة من الكتب والأعمال الأنثربولوجية والاثنوغرافية والعسكرية الكولونيالية عن المغرب، وهي أعمال تتسم بحسب محمد ناجي بنعمر بوفرة الكتابات التي اهتمت بمراكش وبتاريخها وبتعدد أشكال الكتابة ومنطلقاتها وعلى مركزية حضور الفضاء المراكشي في المتن الكولونيالي ، ويعزى ذلك بحسبه إلى قوة الجذب التي جعلت المدينة مرآة للمغرب ولأنماط العيش فيه وهو ما يعبر عنه ، كما أن هذه الأعمال هيأت للباحثين إمكانات الكشف عن الصورة التي شكلها الآخر عن الذات واكتشاف ملامح الذات في مرايا الآخر وعيونه التي حدقت طويلا في تفاصيل المعيش المغربي وسافرت في مجالاته المدينية والقروية. وهو ما يتطلب استدعاءها واستعادتها وتحريرها من الرؤية التي تعتبرها مجرد أعمال مشدودة إلى رهان الهيمنة كرهان استعماري، وتحريرها من هذه الرؤية وتلقيها بشكل نقدي واع بما يطبعها من مسوح الغرائبي واستعاراته الساعية لمنح تفوق الآخر ملمحا علميا ومعرفيا ، وتحقق هذا التلقي – بحسب الأكاديمي محمد ناجي بنعمر – يجعلها عتبة لفهم جملة من التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في الراهن .

لحسن بوتكلاي: مراكش بعيون أجنبية : قراءة في رواية ” أصوات مراكش ” لإلياس كانيتي

سعى الباحث والأكاديمي المغربي لحسن بوتكلاي في ورقته العلمية إلى رصد أشكال وصور مراكش بأعين أجنبية في كتاب “أصوات مراكش” للروائي إلياس كانيتي ، أي كيف نظرت وصورت أفلام أجنبية هذه المدينة التي تعد تكثيفا وتلخيصا لثقافة مغربية، مدينة حاملة لعرق التاريخ وعبق الأمجاد، والتي في الآن نفسه تجسد التحولات العميقة التي عرفها المغرب وفعل الاحتكاك بالثقافات الأجنبية، وتأثرها بمظاهرها الاقتصادية والاجتماعية، وبالرغم من التحولات التي أشار إليها الأستاذ الباحث لحسن بوتكلاي فإنها بحسبه حافظت على طابعها المميز واستهوت الكثير من الكتاب فكتبوا عنها وفيها، أو كتبوا عنها لما غادروها معولين على ذاكرتهم. لقد كتب عنها أصناف من الكتاب والروائيين وعلماء الإجتماع والأنثربولوجيين، فاتخذت مراكش صورا متباينة في هذه الكتابات، فمن مغرم بها ووله فتار على جوانبها المضيئة الإيجابية عاثرين فيها على ما يخالف ثقافتهم وما يستجيب لرغبتهم في الإطلاع على الغريب عن ثقافتهم وحضارتهم هوايتهم، فقدموا أحيانا صورة سياحية أسبه ما تكون بدلائل السياحة التي تنصح بزيارة أماكن وتجنب أخرى تفاديا للوقوع ضحية للاحتيال والنصب بل منهم من ركز على الجوانب الحضارية التي فقدتها الحضارة الغربية من مهيمنة بالناس والفضاءات والأجساد … إلخ. فاتخذوا الحديث عن مراكش لنقد تخلي الغرب عن رائحة التاريخ وإتمامه في أحضان المادية والفر دانية المفرطة.

وقد شهدت الندوة التي دامت أربع ساعات نقاشا مثمرا وتفاعلا من قبل الحضور المتشكل أساسا من عمداء الكلية السابقين والأساتذة الباحثين بالكلية والطلبة الباحثين في سلك الماستر والباحثين والباحثات في وحدات الدكتوراه بمختبرات البحث وعموم المهتمين والمهتمات .

إعداد وتقديم : أحمد بوزيد

شاهد أيضاً

أسئلة قانونية مشروعة حول بلاغ الحكومة بشأن الزامية الادلاء بجوائز التلقيح للولوج للمرافق العمومية والخاصة

حسب مقتضيات المادة 3 من مرسوم قانون رقم 292-20-2الصادر بتاريخ 23مارس 2020 والمتعلق بين احكام ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *