هل يوحد الكسكس ما فرقته السياسة في شمال إفريقيا

بعد خلافات بشأن نَسَبه القُطري رغم الإجماع على أنه أمازيغي صِرف، اتفقت الجزائر والمغرب على الانضمام معاً في تحالف مع تونس وموريتانيا للتقدم بملف مشترك لتسجيل الكسكسي على قائمة اليونسكو للتراث العالمي اللامادي.
ونقلت صحيفة رصيف 22 عن سفير تونس الدائم لدى اليونسكو غازي الغرايري، تأكيده أن تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا مجتمعةً ستقدم، مارس المقبل، ملفاً مشتركاً إلى اليونسكو لتسجيل الكسكس، الوجبة الأكثر شعبية في شمال أفريقيا، على قائمة التراث العالمي اللامادي.

وقال الغرايري، في تصريح لموقع موزييك التونسي، إن تونس والمغرب وموريتانيا والجزائر اتفقت أخيراً على تقديم الطلب باسمها جميعاً، لافتاً إلى دور بلاده الحثيث في إتمام التنسيق مع ممثلي الدول المغاربية في اليونسكو منذ مدة.
وعزى السفير التونسي غياب ليبيا عن تحالف الدول المغاربية التي تعتزم تقديم ملف لترسيم الكسكسي كتراث عالمي، إلى عدم انضوائها تحت معاهدة اليونسكو للتراث اللامادي، مضيفاً أنه سيتم إضافتها لملف المطالبة في حال التحاقها بالمعاهدة.
وأكد الغرايري أن تقديم الملف سيتم في موعدٍ أقصاه 31 مارس الجاري، حسب الاتفاق مشدداً على توجيه الدعوة لليبيا للانضمام إلى القائمة بعد التوقيع على الاتفاقية ليضم الملف المشترك بذلك جميع دول المغرب الكبير.

وأضاف الغرايري أن وزارة الثقافة التونسية أعدت قائمةً بالطقوس التونسية التراثية في مجال الطهي والثقافة مثل طريقة الصيد في جزيرة قرقنة (شرق تونس)، مستطرداً “تراثنا ثري للغاية ويمكننا إدراج سمة تونسية خالصة كل عام ضمن التراث العالمي لليونسكو”.
وقالت قناة “النهار” الجزائرية، إن “الدول المغاربية الأربع، موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس، نجحت في الخروج بقرار موحد ومتفق عليه بخصوص تقديم ملف مشترك لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”. وهذه هي المرة الأولى التي تبادر فيها دول المغرب الكبير إلى السعي نحو تصنيف تراث مشترك بينها على قائمة التراث.

وتسعى دول المغرب الكبير إلى إدراج طبق “الكسكس” التقليدي الشهير ضمن قائمة التراث العالمي، لأول مرة من أجل تسجيله تراثا إنسانيا مغاربيا. وهذه هي المرة الأولى التي تبادر فيها الدول المغاربية إلى السعي نحو تصنيف تراث مشترك بينها على قائمة التراث.

ولم يتضح على الفور الأفق الزمني الذي تعتزم فيه الدول المغاربية التقدم بهذا الطلب رسمياً لليونسكو للنظر فيه. وينتشر طبق “الكسكسي” في دول المغرب الكبير بكل من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا، إضافة إلى مصر، وتجاوزت شهرته حدود هذه الدول.
وقال وزير الثقافة الجزائري عزالدين ميهوبي،11 فبراير من السنة الماضي قُدمت إلى اليونسكو ملفات مشتركة حول التراث المشترك والمتعلق بالأطباق التقليدية منها “الكسكسي”.

وأكدّ الوزير، في حوار مع صحيفة “الشروق”، أنّ الجزائر طلبت تنظيم لقاء يجمع عددا من ممثلي البلدان المغاربية حول هذه المسألة. وأشار إلى أنّ اليونسكو تشجع الملفات المشتركة التي تتقدم بها البلدان.
وأكدّت ندى الحسن، عن مركز التراث العالمي في هيئة “اليونسكو”، أنّ “هناك عناصر تراثية عديدة مشتركة بين الدول المغاربية ومنها الكسكسي”.

وقالت ندى الحسن، للأناضول، “توجد عناصر تراثية مشتركة بين هذه الدول ولكن هناك عناصر تفضل كل دولة تقديمها بمفردها في إطار مبادرة وطنية”.
ومضت قائلة: “هذه علاقات بين الدول وقرارات وطنية وإذا أرادت الدول المغاربية تقديم ملف مشترك حول الكسكسي أو أي تراث مشترك أخر فنرحب بذلك”.

وفي المقابل، لفتت المتحدثة إلى وجود مبادرات وطنية من منطلق أنّ كل دولة تحب تسجيل تراثها غير المادي على لائحة التراث العالمي.
وتقول الباحثة الجزائرية في التراث سميرة أمبوعزة إنّ “الكسكسي تراث مشترك بين دول المغرب ودول شمال إفريقيا، أصله أمازيغي”.
وتضيف أمبوعزة، للأناضول، في حديث للأناضول، أنّ الكسكسي وجد عند السكان الأصليين لشمال إفريقيا قبل تقسيمها إلى دول، حيث وجد في مصر وموريتانيا وليبيا وتونس والمغرب والجزائر.

وتشير أمبوعزة إلى أنّه “انتشر مع مرور الوقت في العالم بفضل الرحالة الأمازيغ”.
ونوهت بما قاله المؤلف الحسن الوزان (1494-1554م) : “عرف البربر بلبس البرنوس وحلق الرأس وأكل الكسكس”.
وتأمل المتحدثة إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي في “اليونسكو” وأن تنجح مساعي تصنيف الكسكسي المغاربي لكونه طبقاً تراثياً يوحد البلدان المغاربية تاريخياً وحضارياً وعرقياً، حسبها.
ويرجع تاريخ ” الكسكسي” إلى الفترة 202-148 قبل الميلاد حيث تم العثور على أواني طبخ تشبه تلك المستخدمة في تحضير الكسكسي في مقابر تعود إلى فترة الملك ماسينيسا (238 ق.م-148 ق.م) .

والملك ماسينيسا هو موحد مملكة نوميديا وعاصمتها سيرتا (محافظة قسنطينة اليوم) وكانت تضم شمال الجزائر ومناطق من تونس وليبيا.
وذكر رحالة ومؤرخون كثر “الكسكسي” في أعمالهم منهم المؤرخ الفرنسي شارل اندري جوليان (1891-1991) في كتابه “تاريخ شمال إفريقيا”.
وقال المؤرخ الفرنسي: “اشتهر البربر في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم،.. وكان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ ذلك العهد (الروماني) ومربو المواشي قليلاً ما كانوا يذبحون حيواناتهم بل يكتفون بلبن المعز وكانوا يؤثرون الصيد والحلزون والعسل ولا يشربون إلا الماء”.

كما سمحت عملية تنقيب وحفريات بمحافظة تيارت (غربي الجزائر) بالعثور على بعض الأواني منها القدر المستعمل في تحضير الكسكس ويعود تاريخها للقرن التاسع بحسب خبراء.
خبراء لتصنيف طبق الكسكسي المغاربي كتراث إنساني
وكشف مدير المركز الوطني للأبحاث فيما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ الجزائري، فريد خربوش، أن ملف تصنيف طبق الكسكسي المغاربي في تراث الإنسانية سيتم إيداعه، قبل نهاية شهر مارس 2019، لدى لجنة التقييم في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» باسم أربعة بلدان مغاربية.

وأوضح خربوش، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، على إثر لقاء تحضيري للملف، انعقد بمقر المركز فإن ملف تصنيف هذا الطبق العتيق، الذي يعود لآلاف السنين، والمشهور جداً في منطقة المغرب الكبير، جار الانتهاء منه، وهو الاتفاق، الذي تم بين دول المنطقة بعد لقاء جملة من الخبراء، وممثلي وزارات الثقافة والتراث بكل من تونس، وموريتانيا، والمغرب، إضافة إلى الجزائر.

وجمع الاجتماع الثاني من نوعه منذ شهر مايو/أيار الماضي مجموعة من الخبراء وممثلي وزارات الثقافة والتراث بكل من تونس وموريتانيا والمغرب إضافة إلى الجزائر الممثلة بالباحث والمدير السابق للمركز الوطني للأبحاث فيما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، سليمان حاشي.

وخصصت الأشغال التي تواصلت الثلاثاء لتحرير الملف وإنهاء الريبورتاج المصور الذي سيرافق طلب تصنيف طبق الكسكسي المغاربي كعنصر مشترك بين البلدان الأربعة.
احتمال تضمين طبق الكسكس في التراث الثقافي غير المادي لليونسكو

ونشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريرا، تحدثت فيه عن احتمال تضمين طبق الكسكس، الذي يعد من بين الأطباق المفضلة لدى الفرنسيين، في التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، ومن المحتمل أن تساهم هذه الخطوة في توحيد شعوب منطقة المغرب الكبير باعتباره طبقا مشتركا.

وقالت الصحيفة، في تقريرها ، حسب “ماروك تلغراف” إن طبق الكسكس كان سببا في نشوب نزاع بين دول المغرب العربي. ففي سنة 2016، أعلنت الجزائر عن رغبتها في إدراج هذا الطبق ضمن التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، ما أثار استياء الدول المجاورة. وقد اجتمع خبراء من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا بغية التوصل إلى حل يتمثل في تقديم ملف مشترك من أجل تصنيف هذا الطبق الذي يوحد بين شعوب المنطقة. وفي الواقع، يعكس الجدال واسع النطاق والنقاشات الساخنة التي انجرت عن هذه القضية أهمية طبق الكسكس.

ونقلت الصحيفة عن الطاهي بفندق “الانتركونتيننتال” بمدينة مارسيليا الفرنسية، ليونيل ليفي، أن الكسكسي “طبق لا يشبه أي طبق آخر”. وأضاف الشيف الذي ولد من أب مغربي: “أعتقد أنه في جزء كبير من الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، يرمز الكسكسي إلى أشياء عميقة جدا، على غرار ذكريات الطفولة وطبخات الأم أو الجدة، بالإضافة إلى انتماء الشخص”.

وذكرت الصحيفة، حسب ما نقله ذات المصدر، وصفة الكسكسي المطبوخ مع الدجاج والقرفة ومدقوق السكر، وتؤكد المؤرخة لوسي بولان أن أصول هذه الأكلة تعود إلى عهد الملك البربري ماسينيسا. وقد أفاد المؤرخ والشيف إيمانويل بيرودان بأن تاريخ هذا الطبق يرتبط بحركات هجرة الجزائريين إلى فرنسا في فترة الخمسينات.

وسلطت الصحيفة الضوء على طبق الكسكس الملكي المتكون من أربعة أنواع من اللحوم، بما في ذلك “المرقاز” أي النقانق. وقالت مديرة مطعم المنصورية بباريس، المغربية فاطمة حال، إن “إضافة النقانق إلى طبق الكسكس تعدّ بمثابة عادة غريبة بالنسبة لمنطقة شمال أفريقيا، فعادة ما يفضل أصيل و هذه المنطقة طهيها على الشواية وتقديمها كمقبلات”. ويعد الكسكس الملكي طبقا تسويقيا طورته فرنسا، ليصبح من بين أفضل ثلاثة أطباق مفضلة لدى الفرنسيين.

وأفادت الصحيفة بأن جين، التي تجاوزت سن الثمانين، لا تزال تدير مطبخا تلتزم فيه بإتباع وصفات والدتها المتوفاة. وتقوم هذه الوصفة بالأساس على سمك الهامور الأبيض المنقوع في صلصة الزعفران والهريسة والليمون. وفي الحقيقة، توجد المئات من وصفات الكسكس بالمغرب الكبير، حيث تؤمن جميع المدن والقرى المغاربية بأنها تمتلك الوصفة الألذ والأشهى.

وأضافت الصحيفة حسب “ماروك تلغراف” دائما، أن هذا الاختصاص، الذي واصل الصمود طيلة قرون من الزمن، قادر على جمع المسلمين واليهود والمسيحيين، والأغنياء والفقراء حول مائدة واحدة. وقد ساهم هذا الرابط العميق في ظهور فعاليات مهرجان “الكسكسي” بالمدينة الفرنسية مرسيليا سنة 2018. ويضم المهرجان موائد تعرض عليها أطباق الكسكس المختلفة، إلى جانب مشاركة مجموعة واسعة من الطهاة والفنانين في هذه الأجواء الاحتفالية.

وتشترط منظمة “اليونسكو”، بحسب لوائحها، لإدراج أي موروث إلى قائمة التراث العالمي توفر تعبير المجتمعات عن حس الانتماء والتملك حيال العنصر الثقافي وهذا ما يمثله طبق “الكسكسي” لدى شعوب دول المغرب الكبير.

شاهد أيضاً

إعطاء الانطلاقة لفعاليات مشروع “نزهتي : الطبيعة والثقافة ” لتثمين التراث اللامادي لمدينة الرباط لاسيما في بعده الأمازيغي

تم يوم أمس الثلاثاء برحاب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إعطاء الانطلاقة لفعاليات مشروع “نزهتي : ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *