يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 11)

المؤرخ زكي مبارك: تبريرات البوخاري لتبرئة المهدي بنبركة من جريمة اغتيال عباس لمساعدي واهية

إلى أي حد يمكن اعتبار كتابات أحمد البوخاري المعتمدة على تقارير مخابراتية مصدرا موثوقا به لدراسة فترات تاريخ المغرب المعاصر؟ لماذا غيب التقرير الخاص الذي رفعته سفارة فرنسا بالمغرب إلى حكومة بلادها، فيما يخص مسألة اغتيال عباس لمساعدي، عن الوثائق التي اعتمدها عضو المخابرات المغربية “الكاب1″؟ ومن الأقرب إلى الجريمة؟ هل المهدي بنبركة الذي برأه البوخاري مما ألصقه به زميله الإستقلالي ومدير الأمن الوطني محمد الغزاوي؟ أم المحجوبي أحرضان الذي تعتبره الوثائق المخابراتية جاسوسا للإستخبارات الفرنسية منذ سنة 1948؟.

لتسليط الضوء على هذه المرحلة التقينا الدكتور زكي مبارك، الجامعي و الباحث في تاريخ المقاومة المغاربية والمؤرخ لتفاصيلها ووقائعها، فكان الاستجواب التالي :

ظهرت على الساحة السياسية والإعلامية المغربية العديد من المقالات والمذكرات، منها تلك التي أثارها عضو المخابرات المغربية السابق أحمد البوخاري معتمدا على الوثائق وتقارير مخابراتية تتناول قضايا الإغتيالات والتصفيات الجسدية، التي شهدها مغرب ما بعد الإستقلال. وكونكم من أبرز الباحثين المشهود لهم بكفاءاتهم في البحث في هذه المرحلة معتمدا في ذلك على وثائق تاريخية وطنية وأجنبية وشهادات حية. إلى أي حد تعتبر التقارير السرية المحفوظة في أرشيفات “الكاب1” من الوثائق الواجب اعتمادها لكتابة التاريخ المغربي؟

أحمد البوخاري

كما أشرتم إلى ذلك فإن كتابات السيد أحمد البوخاري أثارت ضجة إعلامية وسياسية، كان لها مفعول كبير داخل المجتمع المغربي بكل فئاته وشرائحه الإجتماعية.

والكل بالطبع يتساءل إلى أي حد يمكن أن تعتبر كتابات البوخاري المعتمدة على تقارير مخابراتية مصدرا موثوقا به، لدراسة هذه الحقبة من تاريخ مغربنا المعاصر. إعتمد البوخاري على تقارير مخابراتية، والمهم في هذه التقارير ليس ما هو موجود ومكتوب بها، لأننا لم نطلع عليها فلو تفضل ونشر بعضها، لأمكن للباحثين والمتفحصين أن تكون لديهم فكرة عن مضمونها. ولكن البوخاري يكتب، من خلال هذه التقارير، لفترة حاسمة من تاريخنا ويضيف إلى ما هو موجود بهذه التقارير شيئا آخر، وهو التأويل (تأويل هذه التقارير) وقراءته الشخصية لها، قراءة ربما تكون صائبة في بعض الموضوعات وقد تكون غير صائبة في أخرى، لأنها تبقى قراءة خاصة، كما أن تأويل مضمون هذه التقارير تأويلا شخصيا. بالنسبة للمؤرخ لا يمكن أن يعتمد في الظرف الحالي على كتابات البوخاري كمصدر موثوق به، يمكن للباحث والمتفحص والمتهم أن يستأنس ويسترشد بما ورد في هذه التقارير، ولكنه لا يمكن أن يأخذها كمصدر موثوق به، ما دامت هذه التقارير لم تنشر ولم يطلع عليها الباحثون.

إعتمد أحمد البوخاري نفس الأرشيفات التي جمعتها مصلحة مكافحة التجسس الفرنسية بالمغرب، قبل أن تنضم إلى أرشيفات “الكاب 1”. وبدوركم تتوفرون على وثائق دبلوماسية التي غالبا ما تستقيها من أجهزتها المخابراتية. وبالرجوع إلى التقرير الخاص الذي بعثه أندري لويس دوبوا سفير فرنسا بالمغرب إلى بلاده، والذي يشير إلى مسؤولية المهدي بنبركة في اغتيال عباس لمساعدي، يوم 27 يونيو 1956. في نظركم لماذا غيبت مثل هذه الوثائق عن الأرشيفات التي حصل عليها أحمد البوخاري والتي اعتمدها في رواياته؟

يجب أن نفرق بين هذه الوثائق. فالبوخاري اعتمد على تقارير المخابرات الفرنسية أو المغربية وما كتبته هذه الأجهزة حول أشخاص معينين أو حول أحداث شهدتها هذه الحقبة من تاريخ المغرب في بداية الإستقلال. هذه التقارير التي اعتمدها البوخاري لا علاقة لها بالتقارير الدبلوماسية التي بعث بها السفير الفرنسي في المغرب إلى بلاده. فالسفير، كما جرت العادة، يعتمد تقارير دبلوماسية لا تقل أهمية عن التقارير المخابراتية. وأنا أضيف التقارير الدبلوماسية التي يبعث سفير أو مقام سفير إلى حكومته، هي تقارير غالبا ما تكون سرية جدا، وتتحرى الموضوعية والصدق، وأعتقد أن فيها من الدقة ومن المصداقية أكثر بكثير مما يورد في تقارير مخابراتية.

أشرتم إلى التقرير الذي بعث به السفير أندري دبوا إلى حكومته، حول الخبر المتعلق باغتيال عباس لمساعدي، والذي يشير فيه بكل وضوح إلى تورط المهدي بنبركة وعلال الفاسي في هذا الإغتيال، وأتوفر كذلك على رسالتين أخرتين في نفس التاريخ، من حيث مضمونهما ومن حيث اتهامهما للمهدي بنبركة في هذه القضية واضحة جدا.

أريد فقط أن أشير وأؤكد على أن هناك تقارير دبلوماسية تبعث من طرف مصالح الإدارة الفرنسية إلى الحكومة الفرنسية أو إلى من يهمهم الأمر، وخاصة إلى وزارة الخارجية،… وهي لا تقل أهمية من حيث صدق المعلومات ودقتها. فالوثائق التي اعتمدها البوخاري في كتاباته من صنف آخر. إذن هناك صنف التقارير الدبلوماسية ذات الطابع الرسمي والجدي والتقارير الإستخباراتية ذات الطابع المخابراتي يحررها مخبرون ورجال المخابرات من مختلف الاتجاهات، فتتم قراءتها وتحليلها وتلخيصها لتقدم للدوائر المختصة.

هل سبق و أن اطلعتم على رد من طرف المهدي بن بركة على مثل هذه الإتهامات، خاصة وأن هذا الأخير ترددت على مسامعه منذ سنة 1956 وهو تاريخ مقتله؟

كما تتبعنا، فإن البوخاري حاول ما أمكن، وفي عدة حلقات، أن يزيل تهمة المهدي بنبركة حول اغتياله (أو مساهمته من قريب أو بعيد) لعباس لمساعدي. والتي لم يزلها المعني عن نفسه آنذاك. ولكن يأتي بنصوص ربما لا تخدم هذا الإتجاه، أي اتجاه إزالة هذه التهمة.

فعندما يقول بأن المهدي بنبركة توصل بمبلغ من المال لكي يكتري دارا بفاس ويجعل اسمه في توصيل الكراء من أجل اللقاء بعباس لمساعدي، فالكل يتساءل لماذا قبل المهدي بنبركة هذا العرض من طرف مدير الأمن الوطني؟ وبالتالي فكيفما كان الحال فمحمد الغزاوي كان على علم بهذا اللقاء وبأبعاده وخلفياته.

النقطة الثانية لو افترضنا أن المهدي بنبركة وقع في كمين ما نصبه له مدير الأمن الوطني من أجل التنكيل والتشنيع به، وحتى لإلقاء القبض عليه حتى يرتاح منه كذلك كل الجهات التي كان المهدي بنبركة يضايقها في ذلك الوقت، ونصب الكمين في نفس الوقت لعباس لمساعدي والذي بدوره يشكل عرقلة لعدة جهات، لنفرض أن المتهم سقط في هذا الكمين وأنه لا علاقة له بهذا الإغتيال، فالجانب الضعيف في موقف المهدي بنبركة أنه، وربما يكون جواب على سؤالكم، لماذا خلال المدة الممتدة ما بين 56 و65 (تاريخ اغتياله)، وهي طويلة جدا، لم يقم ولو لمرة واحدة بإزالة هذه التهمة عنه واتهام إما مدير الأمن الوطني أو الجهات التي حاولت إقحامه في هذا الكمين. لماذا لم يقم لا هو ولا زملاءه بعده ببيان حقيقة أو التصريح بهذه الحقيقة وقد كان لديهم من الوقت ما يكفي سواء في داخل المغرب أو خارجه من إعلام ونفوذ كبيرين لتوضيح هذه  الأمور. فلا المهدي ولا ابن اسعيد ولا الفقيه البصري قاموا بذلك، بل أشاروا إلى الإغتيال إشارات تلميحية، وفي كتاباتهم الأخيرة. ولم يدل أحد منهم بالحقيقة، ولا حاول بتصريح أو ببيان أو بتوضيح، على الأقل، دحض مخططات الغزاوي وما كان يستهدفه. أظن أن السكوت الذي استمر وما يزال هو الذي ولا ينفي إن شئنا، مطلقا تورط المهدي بنبركة في هذا الإغتيال.

يتضح من كتابات البوخاري أنه أراد أن يبرئ المهدي بنبركة حتى من حضوره أشغال معاهدة “إيكس ليبان “، وهي الأمور التي لم يشر إليها المهدي نفسه في كتابه “الإختبار الثوري”. ماذا يمكن قوله في هذا الموضوع؟

بالنسبة للنقطة الأولى، ما هو دور المهدي بنبركة في مباحثات وليست مفاوضات إيكس ليبان؟ وهنا اتفق مع ما ورد في كلام البوخاري لما سماها مباحثات، وهي مباحثات ما بين الحكومة الفرنسية ومجموعة ممن كانوا يمثلون في ذلك الوقت المجتمع المغربي من أحزاب سياسية أو طرق دينية أو رجال أعمال وممثلي اليهود الذين حضروا إلى هذه المباحثات. كانت الغاية من هذه المباحثات جس نبض هؤلاء ومعرفة نواياهم من أجل شيء أساسي وهو، أولا موقفهم من عودة محمد الخامس إلى عرشه بالرباط وثانيا يخص استقلال المغرب وربط هذا الإستقلال بالمحافظة على مصالح فرنسا بالمغرب.

إذن المباحثات جاءت في هذا السياق، والمهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد كانا من أنشط العناصر الذين كانوا يمثلون حزب الإستقلال باعتباره الحزب القوي والعتيد.

بالطبع في كتاباته يحاول البوخاري أن يقلل من مساهمة المهدي بنبركة في هذه المباحثات، وهذا التقليل يظهر إلى أي حد يتحيز الرجل إلى المهدي. فحتى بنبركة ذاته، لم يكتب ولم يبرئ نفسه كما برأه البوخاري من ذلك، باستثناء ما كتبه المهدي منتقدا سياسة حزبه وما قاموا به كمباحثين مع الحكومة الفرنسية. واعترف بصارح العبارة بأن المفاوضين، لا سيما في ذلك الوقت، بما فيه هو ورفاقه السياسيين، لم يكونوا في مستوى الوعي والخبرة السياسية من خبرة الفرنسيين الذين كانوا يتباحثون معهم. وللتأكيد من ذالك يجب الرجوع إلى ما كتبه المهدي، وسأقرأ لكم بالضبط النص الذي يشير إلى ذلك : “و لماذا لم تدرك حركة التحرر الوطني، التي كنا مسيرها، الأغراض الأساسية للإستعمار. ولماذا لم نتول توضيح هذه الأغراض، وما يترتب عنها من مسائل المناضلين مع ما ينتج عن ذلك من تحديد لمتطلبات معركة تحريرية جذرية. علينا اليوم أن نجيب على هذه الأسئلة وعن أمثالها في هذا الباب. لقد منحتنا الظروف التاريخية الوسائل الكفيلة أن نقوم بدور التوضيح الذي كانت تفرضه مهمتنا الثورية، فهل قمنا بهذه التسوية التي تمت مع المستعمر، كأنها حل وسط، ربحنا بمقتضاه وفي نفس الوقت سجلنا خسائرنا مؤقتا. ليس المهم اليوم أن نطرح بشأن هذه الإتفاقية أسئلة مزيفة مثل هل كان يمكن رفض الإتفاقية. ومن الذي دفع فرنسا إلى قبولها…“.

وفي نص آخر يقول: “علينا أن لا نقع مرة أخرى في خطأ إيكس ليبان، وأن نتولى تبرير التسويات كأنها حلول كاملة، والإحتفاء بها، كأنها انتصارات تخدم في الواقع أغراض انتهازية (الإختيار الثوري ص 32)”.

وضح إذن المهدي بنبركة موقفه من إيكس ليبان وأشار بأن الفرنسيين الذين كانوا يتفاوضون مع المغاربة كانوا أكثر خبرة وذكاء سياسي، وقام بنقد ذاتي لهذه المرحلة والتي يتبين من هذا النقد أن المهدي، بطريقة أو أخرى، يتحمل مسؤوليته السياسية، ولم يرد في تصريحاته على ما أشار إليه البوخاري في كتاباته.

محمد الغزاوي هو المسؤول عن الإدارة العامة للأمن الوطني والشرطة السياسية وفي نفس الوقت عضو مسير لمليشيات حزب الإستقلال التي كان يشرف عليها المهدي بنبركة والتي كانت مدعمة ماديا ومعنويا من قبل الشرطة السياسية. بعدما أن حولت ضيعات منعزلة إلى أماكن لاحتجاز الرافضين لسياسة الحزب الوحيد. واستحضار للصراع الحاد بين هذا الحزب ووالي الرباط سلا المحجوبي أحرضان. من في نظركم الأقرب إلى الجريمة، هل المهدي أم أحرضان؟

لقد أشرت في العديد من المرات إلى العلاقة التي كانت تربط بين عائلة عباس لمساعدي وأحرضان، والتي كانت وطيدة بين عباس لمساعدي وعائلة أحرضان. ربما هذه العلاقة لا تساعد على اتهام بسرعة مساهمة أحرضان في اغتيال عباس. لكن العكس عندما نقرأ ما كتبه بعض الفاعلين التاريخيين خلال هذه المرحلة، لا سيما بعض قادة جيش التحرير، نرى بأن الصراع كان قائما بين المهدي وعباس، ففي هذا الصدد، أتوفر على عدة مراسلات، كتبها زعيم جيش التحرير، ومن بينها الرسالة المؤرخة ب 19 يونيو 1956، أي أسبوع قبل اغتياله، وهي تدل دلالة قاطعة على موقف عباس من المهدي، إضافة إلى ما كتبه أحد أعضاء جيش التحرير الذي كان في منطقة كزيانة وهو نص مأخوذ من كتاب هذا الأخير، يقول بصارح العبارة بأنه كتب وهو شاهد عيان وهو على قيد الحياة، فمن خلال قراءتنا لهذا النص يتضح كذلك الصراع بين الرجلين الذي كان صراعا أولا قديما وطويلا.

البوخاري بنفسه أشار إلى أن ميلشيات حزب الإستقلال الخاضعة لإدارة الغزاوي، ارتكبت مئات الجرائم  عبر مختلف مناطق البلاد، وأخفي مسؤولية بنبركة في هذه الجرائم، علما أن هذا الأخير هو أقوى رجل إلى جانب الغزاوي في حزب الإستقلال. ألا ترون بأن هناك تناقض فيما يقوله البوخالري؟ وأن جهات معينة تحرك الراوي صد إزالة أية تهمة عن المهدي بنبركة؟

هناك تناقض واضح في كتابات البوخاري ولا سيما عندما أشار في إحدى الحلقات أن ميلشيات حزب الإستقلال كانت لها اليد الطولى في الإغتيالات والتصفيات التي شهدتها الفترة الممتدة ما بين 1956 و1960. يطرح سؤال في هذا الصدد، هو ما علاقة المهدي بنبركة بهذه المليشيات؟ إذا كان المهدي في فترة معينة يتعاون تعاونا وطيدا مع محمد الغزاوي الذي يشرف على هذه الملشيات، فكيف يبرئ المهدي بنبركة من هذه الجرائم ولكن لا يقول ولا يكتب عن العلاقة التي كانت موجودة ما بين المهدي والغزاوي في مرحلة معينة من تعاونهما. فالغزاوي عضو بارز في حزب الإستقلال بينهما تفاهم. فجانب تبرئة المهدي بنبركة من اغتيال عباس لمساعدي وإلصاق كل التهم والمؤامرات بمحمد الغزاوي يثير شكوك. هنا يبقى السؤال مطروحا لماذا يسكت البوخاري عن مسؤولية المهدي في عملية التنكيل بالمواطنين الذين كانوا يرفضون الدعم لحزب الإستقلال؟ فالبوخاري حاول ما أمكن أن لا يلصق أية تهمة أو أي إسهام للمهدي بنبركة في هذه الإغتيالات، قائلا أن من قام بها ودبرها هو محمد الغزاوي؟ والكل يعرف العلاقة بين الغزاوي والمهدي في بداية الإستقلال. أنا بنفسي أطرح هذا التساؤل.

في سلسلة المقالات الصادرة عن الجريدة “الأحداث المغربية” يقول البوخاري أن المليشيات التي يشرف عليها محمد الغزاوي هي التي نفذت عملية الإغتيال. ويعود في مقال آخر خاص ليتهم المحجوبي أحرضان بوقوفه وراء الجريمة. ماهي العلاقة بين مسؤول هذه الملشيات والمحجوب أحرضان؟ وكيف تفسرون هذه المقاربات.

إن مثل هذه المقاربات يجب أن تطرح، ويقودنا هذا إلى طرح سؤال جوهري. نعرف أن البوخاري اتهم أحرضان بكونه جاسوس منذ سنة 1948 ويعمل لصالح الأجهزة الفرنسية. وإذا ثبت الإتهام، فهذا خطير جدا، بمعنى أن أحرضان كان يقوم بكل هذه الأدوار، وبإمكانه أن يقوم بأدوار أخرى، ربما متسترة، فلا يستبعد أن يساهم الرجل كذلك في اغتيال عباس لمساعدي. ولكن كيف نبرر ذلك؟ ومع أية جهة تعاون أحرضان لتنفيذ الجريمة. فهل تعاون مع المهدي بنبركة أم مع محمد الغزاوي أم تعاون مع جهات أخرى؟ هذا اتهام خطير لكنه لا يجيب عنه البوخاري. أضف الى ذلك، وكما قلت، أنه من الصعب جدا أن يقبل أحرضان أي مساهمة في هذا الإغتيال نظرا للعلاقة التي تربط الرجلين ونظرا لاعتبارات أخرى، إذ لم يكن عباس يضايقه لا سياسيا ولا اجتماعيا.

بالرجوع إلى الوثائق التي كان يحررها عباس لمساعدي، وخاصة المشهورتين والمؤرختين ب 19 يونيو 1956، حيث تشير الأولى إلى وجوب استقلالية جيش التحرير عن الأحزاب السياسية، والثانية رسالة موجهة إلى الملك محمد الخامس يطلب منه تنصيب بعض أعضاء جيش التحرير في مناصب حساسة بمنطقة كزناية، ويخبره بالأساليب الإنتهازية لعامل تازة ضدا على أبناء الشهداء. ألا ترون بأن محاربته على جميع الواجهات هي من أودت بحياته؟

من خلال أسلوب كتابات عباس لمساعدي والتي كان يوجهها من مدينة الناظور الى تطوان، هذه الكتابات متعددة وموقعة من طرفه، يظهر محتوى القضايا التي كان يطرحها على القيادة في تطوان، وما مدى تقدم وعي هذا الرجل عن غيره من السياسيين في ذلك الوقت. لا أحد اليوم ينكر ولا سيما أولئك الذين عاشوا أو تقاسموا معه مرارا النضال التحرري في جبال الريف وغير ذلك من المواقف التي كان يدلي بها، وكذا نضالياته وإخلاصه وذكائه الحاد، فحتى البوخاري كتب أشياء مفيدة جدا عن أهمية هذا الرجل، حيث اعترف أنه كان رجلا صلب مبادئ لا يتزعزع وكان يحضى بمحبة جميع قادة جيش التحرير بالريف وكل الذين تعرفوا عليه إلا وتركوا لنا شهادات وبصمات جد طيبة عن الرجل كأخلاق وممارسة. فمن خلال كتاباته كان لمساعدي رجلا ذا بعد نظر ملحوظ وصاحب آفاق سياسية بعيدة المدى. وبالتالي فكل هذه المواصفات والمميزات جعلت المهدي بنبركة يرى فيه أكثر معارضيه لتحقيق طموحاته السياسية في المستقبل دون أن ننسى كذلك أن هذه المميزات كانت تزعج جهات كثيرة.

الحسين برادة، وملال الفكيكي في مؤلفيهما مسيرة “التحدي” و«Le temps des anciens» وكتابات أخرى تشير إلى مبارك المرزوقي وأحمد منير بوشعيب وحجاج المزابي منفذين لعملية اغتيال عباس لمساعدي الذي اكتشفت جثته بعين عيشا، وهي الرواية التي دحضها البوخاري، مشيرا إلى أسماء أخرى لأشخاص أفرغوا خراطيش بنادقهم على لمساعدي واثنين ممن كانوا معه في السيارة، هل فعلا مات اثنين من مرافقي الشهيد؟ ومن هم؟ وإذا افترضنا صحة رواية البوخاري، من قام في نظركم بتحويل الجثة إلى عين عيشا، حيث تركها الجناة قبالة الفيلا التي كان المهدي بنبركة على موعد داخلها مع الضحية؟

هذه أسئلة وجيهة، ووجيهة جدا. شخصيا ليس في مقدوري الإجابة عنها، لأني لا أتوفر على ما يكفي من المعلومات حولها. إلا أنه من الأفيد استجواب في شأنها الأشخاص الذين عاشوا هذه الأحداث، وساهموا في البحث عن جثة عباس لمساعدي، بل منهم من باشر الإستنطاقات وتعرف من خلالها على أسماء مشاركين في هذا الإغتيال.

ماهي العلاقة التي كانت تربط عباس بباقي قادة بلدان شمال أفريقيا وخاصة ببعض الجزائريين وبمحمد عبد الكريم الخطابي؟

في البداية يجب أن نشير إلى أن هناك وثيقة في 15 يوليوز 1955 حول تأسيس لجنة تحرير “المغرب العربي” موقعة من طرف لمساعدي وعبد الله الصنهاجي عن المغرب، ومحمد بوضياف والعربي بالمهيدي عن الجزائر. هذه الوثيقة تبين إلى حد كبير التعامل والتفاهم الذي ساد بين عباس لمساعدي وقادة جزائريين.

الجانب الثاني هو أن عباس كانت له كذلك علاقة مع الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وبعض القادة المصريين ولا سيما مع أحد المتعاونين مع الجهات المصرية بإشراف جيش تحرير “المغرب العربي”. كانت علاقة عباس جيدة بعبد المنعم النجار الذي كان ملحقا عسكريا بالسفارة المصرية بمدريد، وفتحي الديب، وعزت سليمان، خصوصا لما ذهب إلى القاهرة، بعد أن التزموا على ضرورة استمرار الثورة المغربية والقتال ومساندة الثورة الجزائرية. من خلال هذه اللقاءات مع قادة مصريين، وقادة الثورة الجزائرية وطد عباس علاقته مع العديد من الجهات مما يؤهله كي يكون قائدا كبيرا في لجنة تحرير الشعوب المغاربية. وهذا يدل على أن الرجل لم يكن بسيطا وكان يتميز كذلك بوفائه وصدقه وحسن تصرفاته مع قادة التحرير داخل المغرب، بل كان يحظى بنوع من الإجماع. فكل هذه المزايا تجعل منه رجلا كان سيلعب دورا مهما في مغرب الإستقلال.

بعد احتجاز الطائرة التي كانت تقيل الزعماء الخمسة الجزائريين، سيظهر على الساحة زعيم منحدر من القبائل الجزائرية وهو  “عبان رمضان”، إلا أنه سيغتال هو الآخر بالمغرب يوم 27 دجنبر 1957. ألا ترون بأن إغتيال الرجلين: عباس لمساعدي وعبان رمضان هو بمثابة القضاء على النخب الأمازيغية؟

أعتقد أن التوجه الأمازيغي في ذلك الوقت لم يكن مطروحا على الإطلاق، الشيء المطروح في هذه الحقبة هو توحيد الجهود لتحرير المغرب والجزائر وتونس من الإستعمار الفرنسي، فحتى الأمير عبد الكريم الخطابي في القاهرة لم يكن لديه هذا التوجه.  فيجب أن نكون واضحين وألا نقحم التاريخ في أمور بعيدة كل البعد عنه وعن الأحداث وتطوراتها.

بالإضافة إلى عباس لمساعدي المغربي، وعبان رمضان الجزائري، هناك شخص آخر تونسي هو صالح بن يوسف الذي تم اغتياله نظرا لأنه لم يكن يقبل الإستقلال الداخلي الذي قبله الحبيب بورقية، فصالح بن يوسف كان متأثرا بعبد الكريم الخطابي وبالتوجه الداعي إلى ضرورة متابعة التحرير بشمال أفريقيا. فموقف هذا التونسي يشبه إلى حد كبير عباس لمساعدي في هذا الباب. أما بالنسبة لعبان رمضان فقد أغتيل نتيجة لتصفية حسابات بين قيادات جزائرية في ذلك الوقت. والشيء المهم الذي أريد أن أؤكده هو يجب أن لا نقحم القضية الأمازيغية في حركة التحرير أثناء تلك الفترة. والذي لا يمكن إنكاره هو أن الأمازيغ هم الذين لعبوا دورا قياديا في هذا التحرير بكل بلدان شمال أفريقيا، بحيث أن الأمازيغيين كانوا معروفين بنضالهم وجهادهم وبإخلاصهم وبمحبتهم لوطنهم. وكانوا يشكلون القاعدة الصلبة في حركة التحرر المغاربية.

بماذا تفسرون ظهور النخبة المدينية “الحركة الوطنية” على حساب زعماء المقاومة وجيش التحرير من أمثال عباس لمساعدي ومحمد بن عبد الكريم الخطابي؟

في جميع بقع العالم الحركات التحررية بالسلاح هي التي أخذت السلطة والحكم من المستعمر، ولكن في المغرب نرى بأنه وقع العكس، و أن أولئك الذين ناضلوا بالسلاح كان مصيرهم التصفيات أو التهميش. لما جاءت المفاوضات لم تقبل فرنسا مشاركة هؤلاء لا في مباحثات إيكس ليبان ولا حتى في غيرها التي أشرفت عليها إسبانيا. فموقف فرنسا تجاه فصائل المقاومة وجيش التحرير هو لا يجب التفاوض معها، اشترطت للتفاوض مع الذين كانوا يمثلون “الحركة الوطنية”، ولا سيما الذين كانوا يمثلون جميع الاتجاهات المغربية باستثناء هؤلاء الحاملين للسلاح.

قالت فرنسا لمحمد الخامس ولقادة “الحركة الوطنية”، إذا كنتم فعلا ممثلين شرعيين للمغرب، فما موقع هؤلاء الذين يحملون السلاح وما زالوا موجودين في الجبال؟ فيجب على هؤلاء أن يضعوا السلاح وأن يعلنوا نهاية العمليات الحربية. وبالتالي يمكن أن نتفاوض معكم أنتم إذا كان لديكم نفوذ، وإذا لم يكن لديكم نفوذ فلا تصلح هذه المفاوضات لشيء. وبالتالي يدخل هذا في الجولات التي قام بها المهدي بنبركة والبصري إلى معاقل جيش التحرير لإيقاف العمليات الحربية ووضع السلاح حتى تتمكن “الحركة الوطنية” أو ما نسميه بالحركة السياسية من التفاوض مع فرنسا، على أساس أن لديهم نفوذ على هؤلاء وانتهى بوضع السلاح بعد تصفيات واغتيالات. ولما رجع محمد الخامس تكونت الحكومة الأولى في 7 دجنبر 1955  من الأحزاب السياسية وغيبت فيها تمثيلية المقاومة وجيش التحرير. وهذا يؤدي بنا إلى القول أن” الحركة الوطنية السياسية” استرجعت مكانتها ودورها القيادي على حساب حركة المقاومة وجيش التحرير التي تم تهميشها، وربما هذا التهميش والإقصاء المدروس بتعاون مع جميع الجهات هو الذي سيؤدي إلى الانتكاسات التي سنشهدها بعد ذلك. بحيث سنرى ابتداء من سنة 1958 الانتفاضة في الريف وأن أول معارضة للنظام ستنبثق عن حركة المقاومة وجيش التحرير على أساس أن هؤلاء لعبوا دورا مهما في تحرير البلاد وتم  إقصاؤهم، ولكن عندما استرجعوا وعيهم لاحظوا أن الحركات السياسية همشتهم وجعلتهم ضحايا. فكان عليهم أن يقوموا بعمل آخر مثل محاربة النظام والأحزاب السياسية ودخل المغرب في دوامة من الصراعات حول حماية النظام وانتهت بانقلابات عسكرية وبمحاولة إعادة جيوب المقاومة وجيش التحرير في العديد من المحطات كانت أشهرها المحاولة التي شهدها مركز مولاي بوعزا سنة 1973. ففي الفترة الحاسمة التي تم فيها إقصاء عناصر المقاومة وجيش التحرير من طرف الحركات السياسية التي أخذت من جديد دورها القيادي، تولدت التصفيات الجسدية التي استهدفت كل الأشخاص الرافضين الامتثال لحزب الاستقلال ولهذا التوجه السياسي.

كيف تنظرون إلى المستجدات التي ظهرت على الساحة السياسية والحقوقية من قبيل إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، في نظركم، في إعادة كتابة التاريخ المغربي؟

أرى أن أي مصالحة وطنية بمفهومها الواسع لا بد أن تمر بمراحل متعددة. من هذه المراحل الأساسية هي أولا المصالحة مع تاريخنا الوطني ولا سيما هذه الفترة الحاسمة التي ظلت سجينة الأرشيفات والمذكرات الفردية أو الجماعية. فعلينا قبل كل شيء أن نشجع كل أولئك الذين ساهموا من بعيد أو قريب في هذا التاريخ كي يعلموا على كتابة مذكراتهم أو على الأقل، أن يساهموا كواجب وطني في إيضاح الجوانب الغامضة من هذا التاريخ والتي مازالت تخيم بضلالها على هذه الفترة.

النقطة الثانية يجب على كل من شعر بأنه أساء إلى هذه البلاد، منذ الإستقلال إلى اليوم، وفي أي مجال وبأي وسيلة كانت، أن يقدم اعتذاره إلى الشعب المغربي بكل شجاعة ونزاهة فكرية.

المرحلة الثالثة وهي أن المصالحة الوطنية يجب أن تشمل جميع أولئك الذين تضرروا بشكل أو بآخر مما قاسوه من تعذيب سواء في السجون أو مما ألم أو ما تعرضوا له من انتهاكات، فيجب على الدولة كذلك أن تعترف بأخطائها في حق هؤلاء. وكم سررت كثيرا للموقف الذي اتخذه إبن المهدي بنبركة فيما يخص اختفاء والده والبحث عن الحقيقة، فأعتقد أنه كان واضحا وشجاعا بحيث يقول بأن المصالحة بالنسبة لعائلته لا يمكن أن تكون مصالحة انطلاقا من عطاء مادي بل أن تكون مصالحة تظهر فيها الحقيقة والإدلاء بها كيفما كانت، وتقديم الاعتذار من جميع الدوائر التي ساهمت في اغتيال والده. فمثل هذه المواقف رزينة جدا. فالمصالحة الوطنية يجب أن تأخذ بعين الإعتبار المراحل الثلاث التي أشرت إليها.

العالم الأمازيغي – عدد 46 يونيو 2004

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 1): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 2): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 3): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 4): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 5): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 6): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 7): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 8): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 9): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 10): من هنا

شاهد أيضاً

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 12 والأخيرة)

هل كان المهدي بنبركة جاسوسا للمعسكر الشرقي؟ نشرت مجلة “لكسبريس” الفرنسية، في عددها الصادر ما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *