قوانين القذافي ضد الأمازيغ في ليبيا الجديدة

ساعيد الفرواح

ليس أسوأ ما يحدث في ليبيا هو التنكر التام للحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية من قبل جماعات الإخوان والعروبيين، بل ما يثير السخط والإشمئزاز هو استناد المؤتمر الوطني الليبي على قوانين معمر القذافي، لتكريس تعريب ليبيا وإضطهاد الأمازيغ، إذ نجد مثلا القانون رقم ثمانية عشرة للمؤتمر الوطني الليبي الخاص بحقوق المكونات اللغوية والثقافية، يستند في ديباجته على قانون لمعمر القدافي مرقم بأربعة وعشرين وصادر سنة 2001، وهو قانون تم بموجبه منع استخدام غير اللغة العربية في جميع المعاملات داخل ليبيا، ولهذا فإن أعضاء المؤتمر الوطني الليبي الأوفياء لعروبة معمر القدافي يرون أنهم قدموا تنازلات كبيرة للأمازيغ بمجرد إصدار قانون يعد مهزلة ويقضي بجعل تعليم اللغة الأمازيغية اختيارية في مناطق الأمازيغ، والتفضل بالترخيص بتنظيم مهرجانات أمازيغية، مع حديث عام وغير واضح حول إنشاء مراكز بحث حول ما يعتبرونه تراثا موروثا.

إن السياسيين الإسلاميين والعرب بليبيا أوفياء لسياسة القذافي العنصرية والمعادية لكل ما هو أمازيغي بدليل لجوئهم لقوانين الطاغية، وبالتالي فما يواجهه الأمازيغ اليوم ليس صنيعة جديدة في ليبيا ما بعد الثورة، بل هو إرث النظام الليبي السابق الذي يتبجح عرب واسلاميي ليبيا أنهم أسقطوه، لكنهم لا يجدون حرجا في الإستناد على قوانينه لإصدار قوانين جديدة للتأسيس من جديد لدولة القدافي ولكن بحكام جدد وبوجوه جديدة، ناسين أن الشعب الليبي ثار ضد نظام سياسي ديكتاتوري وعنصري وليس ضد شخص القذافي أو الأشخاص المحيطين به، وبالتالي لا يعقل أن يعرض أعضاء المؤتمر الوطني الليبي وأحزابهم العربية والإسلامية ليبيا ما بعد الثورة لسخرية العالم مجددا، بلجوئهم لقوانين معمر بل حتى لمؤسساته، فحتى فيما يتعلق بالأسماء مثلا نجد حكام ليبيا الجدد متشبعين بثقافة القذافي، وبدل أن يستعملوا مسميات من قبيل البرلمان أو مجلس النواب، نجدهم بدل ذلك يطلقون تسمية المؤتمر الوطني العام على البرلمان الليبي، وربما لاحقا بعد استنادهم على قوانين معمر القدافي لإقصاء الأمازيغ سينشؤون اللجان الثورية ومؤتمرات الشعب العام وغيرها، وربما يعيدون طبع نسخ جديدة من الكتاب الأخضر.

كان العالم أجمع يتوقع أن تكون مرجعية ليبيا ما بعد الثورة هي المواثيق والإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ومبادئ الديمقراطية وليس قوانين الطاغية القذافي، لكن على ما يبدوا بعض حكام ليبيا الجدد لا يهمهم التأسيس لدولة ديمقراطية ليبرالية يتحقق فيها الإعتراف المتبادل بين الجميع، بقدر ما يسعون للحلول محل القذافي وأزلامه في حكم ليبيا الجديدة، إنها ردة لزمن القذافي وعهد العنصرية والإستبداد، وعلى الأمازيغ والطوارق والتبو أن يواجهوا من يسعى لإقصائهم بقوانين القذافي ليس في الجانب اللغوي والثقافي فقط، بل كذلك سياسيا، ويجب أن يستهدف حرصهم صياغة دستور ديمقراطي لليبيا ما بعد الطاغية، بالتوافق بين كل فئات المجتمع الليبي وفي كل فصوله، وليس في الفصول المتعلقة فقط بالهوية والثقافة.

مؤخرا أمازيغ ليبيا أعلنوا العصيان وتظاهروا أمام المؤتمر الوطني الليبي، وبدل أن تناقش بعض الأطراف الليبية العروبية والإسلاموية مطالبهم استنادا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، يحاولون تحوير النقاش إلى أمور تافهة من قبيل أن الأمازيغ اقتحموا مقر المؤتمر الوطني العام وكأنهم اقتحموا مكة المكرمة نفسها، والغريب أن لا أحد يتحدث عن لجوء المؤتمر الوطني العام المحترم، إلى قوانين الطاغية المقبور لإصدار قوانينهم لتدشين مرحلة جديدة من اضطهاد الأمازيغ، وكل ما نخشاه أن الأحزاب العربية والإسلامية الليبية لا تفهم لغة حقوق الإنسان والديمقراطية أكثر من فهمها للغة القوة والعنف، ولكن كيفما كان الحال لا يجب أن يكون استقرار ليبيا الجديدة مؤسسا على اضطهاد الأمازيغ، فإن لم يرد البعض أن تكون ليبيا لجميع الليبيين، فبالتأكيد يجب جعله يفهم أن بديل ذلك لن يكون سوى تدمير المعبد على رؤوس الجميع، ربما حينها فقط تبدأ بعض المكونات الليبية بالنظر إلى الأمور من زاوية أخرى غير زاوية القذافي وقوانين القذافي.

إن المفترض هو أن لا يتم إصدار أية قوانين كيفما كانت قبل صياغة الدستور الليبي الجديد، لأنه سيكون مصدر كل القوانين وكل السلط، ويجب تجميد العمل التشريعي للمؤتمر الوطني العام إلى حين صياغة ذلك الدستور، وإلا فسيستمر أعضاء المؤتمر في الاستناد على الترسانة القانونية العنصرية للقذافي، في إصدار تشريعات جديدة، وكأنهم يتعمدون ذلك للتأسيس لدستور ليبيا الجديد بلا أي حوار أو توافق مع أي كان، وبترسانة قانونية صاغوها لوحدهم، سيبذلون جهدهم لتأتي صياغة الدستور الليبي الجديد على مقاسها.

في الأخير لم يبق سوى أن أشير إلى أن بعض وسائل الإعلام وعلى خلفية الإحتجاج الأخير لأمازيغ ليبيا أمام مقر المؤتمر الوطني العام، استعملت كثيرا مصطلح الأقلية الأمازيغية، بل ثمة وسائل إعلام ذهبت إلى حد القول أن الأمازيغ يشكلون خمسة بالمائة من سكان ليبيا، ومادام القذافي حكم ليبيا لأكثر من أربعين عاما والجميع يعلم جرائمه ضد الأمازيغ، فيطيب لنا التساؤل عن الإحصاءات التي اعتمدها البعض ليحدد نسبة الأمازيغ بليبيا، أو حتى يصفهم بمصطلح الأقلية، ولما لا يوصف العرب في المغرب مثلا بنفس المصطلحات رغم كونهم أقلية ومعربة حقيقية بإعترافات رسمية، وعموما حتى لو افترضنا أن الأمازيغ أقل من الأقلية نفسها بليبيا، فالمواثيق والإتفاقات الدولية لحقوق الإنسان لا تسمح بتبرير إقصاء أي كان لأنه أقلية حقا، وربما البعض يكرر مصطلح الأقلية ليس كتعبير عن واقع بل كتبرير للإقصاء والاضطهاد والعنصرية التي لا يبررها قانون أو شريعة.

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *