التداعيات السياسية للأنترنيت

حميد بوهدا

يعد الأنترنيت من إنتاجات ما بعد الحداثة، فقد صمم لأهداف اقتصادية وإستراتيجية، إذ استعمل في البداية لأغراض عسكرية قبل أن ينتقل إلى المجال الاقتصادي ومن تم إلى الميدان السياسي.

غير الانترنيت العديد من المفاهيم والنظم والقيم السياسية التي أفرزها مجتمع الحداثة/الصناعي، فقد نال من العديد من وظائف الدولة والأحزاب والنقابات إن لم نقل سعى إلى تجاوزها. فقد ساهم في توسيع المشاركة السياسية والتعبئة والتنسيق والتواصل بين نشطاء سياسيين، اختاروا العالم الافتراضي منصة لانطلاق هجماتهم وتظاهراتهم ضد السلطة السياسية القائمة، فلم تعد مقرات الأحزاب والنقابات هي مكان طبخ ونضج القرارات والتخطيط للفعل السياسي، وأصبح العديد من “النشطاء الالكترونيينينبذون هذه الاطارات التقليدية ومركزيتها المقيتة.

يقول المفكر الاستراتجي الأمريكي “جوزيف ناي” إن تأثير الانترنت لا يمكن قياسه إلا بمقارنته بحجم التأثيرات التي كانت للكهرباء وظهور وسائل النقل الحديثة، بمعنى آخر إن التحولات التي سيحدثها الانترنت ستكون مشابهة أو أكبر من التحولات التي أحدثها استعمال الكهرباء ووسائل النقل، إننا بهذا التحليل في طور الدخول إلى مجتمع ما بعد الصناعي، ومن خلاله سيعرف المجتمع ظهور علاقات اقتصادية واجتماعية مختلفة عما كان سائدا في السابق، وبالتالي ظهور أنظمة حكم جديدة تتلاءم وتستوعب هذا التحول، وأن كل نظام قاوم هذا التحول الجارف لاشك سيكون مصيره الانهيار أو العزلة، الأمر الذي يفسر جزئيا ما يعيشه العالم حاليا من فوضى المرحلة الانتقالية.

فالانترنيت فضاء لامركزي وأفقي، يمنح بفعل طبيعته هاته لجميع المستعملين له فرصة التعبير عن رأيهم بنوع من المساواة، إذ أن الأفراد غالبا ما لا يعرف بعضهم البعض، فالهدف هو الذي يجمعهم بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي أو مكانتهم الاجتماعية، الأمر الذي يعني نهاية ما يسميه “ماكس فيبر” ب”الكاريزما”، وهي الصفة التي تلعب دورا ملهما في السياسية في المجمع الصناعي/الحداثي.

خلق الانترنيت بيئة سياسية جديدة غير مألوفة، فهي المصدر البديل للمعلومات الرسمية، وقد فرض هذا المعطى على الدول التعامل بأسلوب جديد للحفاظ على حد معين من مصداقيتها، إذ وجدت القنوات الرسمية المدمنة على “البروباغندا”، وبشكل مفاجئ، منافسا جديدا غير تقليدي يمارس رقابته عليه، و يستهجن نشراتها الاخبارية التي لا تمل من تكرار لغة التبجيل والتعظيم والتهليل للرئيس أو الملك، خاصة في الدول المتخلفة و أحيانا في الدول المتقدمة أيضا؛ مثل ما وقع مع الرئيس الأسبق للحكومة الاسبانية “ازنار”، الذي حاول التلاعب بالمعلومات المتعلقة بمنظمي الهجمات الدموية ل 11 مارس 2004، إذ سرعان ما واجهه الشارع بفضل المعلومات والتنسيق الذي وفره الانترنيت و الهاتف المحمول.

فرضت البيئة الإعلامية الجديدة على الدول ثقلا كبيرا، خاصة تلك التي تعرفت تضيقا لكل التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية المعارضة، فقد تحول الانترنت إلى فضاء تنشط فيه التيارات المعارضة بعيدة عن رقابة السلطة، الأمر الذي أفرغ القوانين المنظمة للفعل السياسي من محتواها. فالأفراد لا يحتاجون إلى ترخيص للالتقاء في غرف الدردشة أو انشاء مجموعات مغلقة أو مفتوحة، الأمر الذي دفع بالعديد من الدول إلى تبني قوانين تنظم هذا العالم الافتراضي من خلال اقرار مدونات تشدد الخناق على مستعملي الانترنت كما حدث في ايران والصين وغيرها من دول الشرق الأوسط.

ساهمت الأنترنيت في ظهور ما يسمى ب “الدولة الافتراضية” كدولة أسامة بن لادن، التي أعلنت عليها دولة عظمى متمثلة في الولايات المتحدة الحرب دون أن تعرف مقرها، فهي أول حرب على دولة افتراضية لا يوجد شعبها إلا في العالم الافتراضي وليس لها مقر محدد وهي أول حرب ضد مجهول كما يقول بذلك بعض مؤرخي العلاقات الدولية. هذه الدولة استغنت عن الفضاء الواقعي واستبدلته بالفضاء الالكتروني. فقد استطاع بن لادن أن يكون أول “إمبراطورية افتراضية إسلامية” على رقعة جيو-سياسية ممتدة لا حدود لها، فشروط الانتساب إليها ليست تقليدية، فهي دولة لا تبحث عن اعتراف دولي بها، لكنها مؤثرة على مجريات الأحداث الدولية.

يعد قادة الرأى العام أحد الأركان الأساسية في الأنظمة الديمقراطية التقليدية، فأفكارهم وتحليلاتهم تؤثر في صناعة القرار السياسي، خاصة إذا تبناها الجمهور بشكل كبير. اليوم، بفضل تكنولوجيا الاعلام الجديد ظهر قادة رأي عام جدد، من الفئات التي تستعمل الانترنت كوسيلة أساسية للحصول على المعلومات. فالأفراد في تفاعلهم عبر الفضاء الالكتروني يستطيعون الوصول إلى قناعات متبادلة للقيام بنشاط سياسي من قبيل التظاهرات أو صياغة عرائض؛ فلم يعودوا بحاجة إلى تحليلات قادة الرأى العام بمفهومه الكلاسيكي. هكذا أضحى الانترنت أحد أماكن ممارسة السياسية، وأحد الفضاءات المؤثرة في المجريات السياسية خاصة في الآونة الأخيرة، فهو احدى قنوات ممارسة السياسية خاصة في البلدان المغلقة التي لم تنضج فيها بعد قيم المواطنة بمعناها الحديث، وتغيب فيها الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة كأرقى  أشكال التنظيم السياسي التي وصل إليها الفكر السياسي.

يعود اتساع فضاء التأثير السياسي للانترنيت إلى ارتفاع نسبة التمدرس وانخفاض أسعار أجهزة الكمبيوتر ودخول الانترنيت في تركيبة الهواتف المحمولة، إذ توسع الفضاء العام وانكسرت كل المحرمات، وانفلتت الضمائر من رقابة المرشدين التقليديين، وانهارت سلطة الكهنة والقدسيين والزعماء، وتوارت الثقافة السياسية التقليدية تاركة المجال لثقافة سياسية جديدة، سمتها تفكيك كل المنظومات والإيديولوجيات وكل ما هو منظم، إنها قيم الشباب ما بعد الحداثة.

بين رد فعل السلطة تجاه تظاهرة استنكار العفو على مغتصب الاطفال “دانيل كالفان”، وكذلك احتجاجات 20 فبراير في المغرب، مدى تأثير الانترنت في صنع القرار السياسي، فمنه انطلقت دعوات التظاهر وعبره تم التنسيق و تحديد المطالب، فهو النقابة الأولى والحزب المتصدر للمشهد السياسي بدون انتخابات، وهو الذي استطاع تغطية جل مناطق المغرب في ظرف أيام معدودات.

 فالانترنيت زاد عدد المشاركين في اللعبة السياسية، وأنهى الخريطة السياسية المخزنية وأصبحت الأطر التقليدية لممارسة السياسة متجاوزة، و تغيرت المداخيل السياسية كما مخارجها؛ فالأنترنت وسع من آليات ممارسة الفعل السياسي، كما وضع نهاية للحدود الجغرافية، وتلاشت الحدود الفاصلة بين الأحداث الداخلية و الخارجية.

منح الانترنيت للأفراد قوة مهمة في مواجهة الدولة، وحسن من جودة المواطنة، فالأفراد اليوم يحسون بالمواطنة العالمية، من خلال الامكانيات الاتصالية ومرونتها التي وفرت لهم. فقد أصبحت المجموعات الدينية واللغوية والحقوقية والمهنية تكون مجتمعات افتراضية، تتخطى كل العوائق المرسومة سابقا كما يحدث الآن بالنسبة للأكراد والأمازيغ في شمال افر يقيا ومناهضي التعذيب وعقوبة الإعدام ومثلي الجنس …

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *