حزبا الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والمستقبل الصعب

يتجنب حزب العدالة والتنمية إبداء موقفه من ما يجري في مدينة ابن جرير المعقل الرئيسي لحزب الأصالة والمعاصرة.

يُشرف حزب الأصالة والمعاصرة على تسيير المجلس الحضري لمدينة ابن جرير، وهي المدينة التي انطلقت منها تجربة فؤاد عالي الهمة الانتخابية، وذلك بعد استقالته من الداخلية سنة 2007، ثم إقدامه على تأسيس لائحة الكرامة المواطنة رفقه خاله حميد نرجس والإعلامية فتيحة العيادي حفيدة “القائد العيادي”، أحد أشهر حلفاء الاستعمار الفرنسي في منطقة الحوز. وبعد الفوز الساحق الذي حققته لائحة فؤاد عالي الهمة في الانتخابات التشريعية لسنة 2007، سيقوم بتأسيس “حركة لكل الديمقراطيين”، بحيث ستكون هي القاعدة الخلفية لتأسيس الحزب الذي استفاد من حركة “الترحال السياسي” التي دشنها فؤاد علي الهمة، بل وزاد وجود الحزب من تقويتها منتهيا إلى سحب دعمه لحكومة عباس الفاسي، وممهدا لاكتساح انتخابات 2009 الجماعية.

خلال تلك الفترة وما تلاها شكل حزب الأصالة والمعاصرة أقوى تهديد لحزب العدالة والتنمية ولمشروعه السياسي والمجتمعي، وقد دشن فؤاد عالي الهمة ذلك الاصطدام بانتقاداته الحادة لحزب العدالة والتنمية في برنامج تلفزيوني حواري خاص عرضته القناة الثنية المغربية بعد فوز لائحة فؤاد عالي الهمة بالأغلبية في انتخابات 2007. واستمر الصراع بين الحزبين إلى غاية اندلاع أحداث فبراير 2011. ففي هذه الفترة سيعرف المغرب خروجا حاشدا للمغاربة في شوارع كبريات المدن، وهو الزخم الذي أطلقته حركة العشرين من فبراير، والتي شكلت امتدادا للاحتجاجات العارمة التي عرفها الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكان من بين أهم مطالب تلك الحركة فصل السلطة عن الثروة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومكافحة الفساد. وقد نال حزب الأصالة والمعاصرة النصيب الأكبر من انتقادات تلك الحركة.

كانت حركة 20 فبراير تضم شباب الأحزاب اليسارية وشباب بعض التيارات اللبرالية وشباب الحركة الأمازيغية، إضافة إلى شباب جماعة العدل والإحسان. وبالرغم من الموقف المتردد والغير واضح لحزب العدالة والتنمية من تلك الحركة حينئذ، إلا انه سيكون المستفيد الأكبر من دعواتها وما ستسفر عنه. فقد أسفرت نضالات الحركة عن ميلاد دستور جديد، بالرغم من أنه لم يرض كل مكوناتها، وأسفرت كذلك عن تنظيم انتخابات تشريعية تراجع فيها حزب الأصالة والمعاصرة لصالح العدالة والتنمية. وتشكلت خريطة المعارضة الجديدة من حزبي الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، لينظم إليهما حزب الاستقلال، وذلك بعد اصطدامه مع حزب العدالة والتنمية اثر انتخاب حميد شباط أمينا عاما له. الأمر الذي دفع حزب العدالة والتنمية إلى قبول التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار انقادا للأغلبية، وتراجعا عن المواقف السابقة التي كان قد أعلنها في حقه، والتي كانت تشي باستحالة مبدئية في الالتقاء بين الحزبين!.

وجد حزب العدالة والتنمية نفسه في مواجهة الكثير من التحديات، فلم يفلح في أجرأة الشعارات التي رفعها في حملته، من قبيل إصلاح صندوق المقاصة المخصص لدعم المواد الاستهلاكية الأساسية. وفقد الكثير من شعبيته اثر فشله في تدبير ملف الأطر العليا من حاملي الشهادات، كما زاد الارتباك في مواقفه من قضايا الفساد وسبل مكافحتها من ذلك التراجع. وفي هذه الأثناء استمر حزب الأصالة والمعاصرة في احتضانه لأشكال واضحة من الفساد(1)، وخاصة في معقله المتمثل في مدينة ابن جرير، وهي التي ينحدر منها مؤسسه، والتي ترأس مجلسها الحضري الذي يسيره الحزب بعد فوزه بأغلبية ساحقة في انتخابات سنة 2009 الجماعية، ولن يتخلى عن رئاسته – أي فؤاد عالي الهمة- إلا بعد تعيينه مستشارا للملك وتسليم رئاسة المجلس لنائبه الأول.

في هذه الأثناء لم تظهر من معارضة فعالة لهذا المجلس إلا تلك التي شكلتها حركة 20 فبراير، والتي ورثتها جمعية المعطلين. وينضاف إليها المعارضة الشرسة التي يمثلها الصحفي في جريدة أخبار اليوم المغربية وعضو الحزب نفسه والمستشار بالمجلس الحضري نفسه عبد الرحمان البصري، وذلك من خلال مداخلاته في أنشطة الحزب ومقالاته الصحفية. يقف عبد الرحمان البصري على ما يعتبره اختلالات في التدبير والتسيير الجماعي اللذان يضطلع الحزب بمسؤولية القيام بهما، وينتقد من ناحية ثانية، بشدة التحالف الذي يقيمه الأعضاء المسيرون للمجلس مع بعض الأعيان والمنتفعين من صفقات المجلس بشكل غير قانوني ومع عامل الإقليم فريد شوراق الذي يعتبر أول عامل على إقليم الرحامنة، الذي تم إحداثه في إطار الدينامية التي أطلقها تبني الدستور الجديد للجهوية الموسعة.

وفي الآونة الأخيرة انتهى ذلك الصدام باتهام عامل الإقليم للصحفي عبد الرحمان البصري بالافتراء عليه اثر نشره خبرا عن اعتقال نقابيين وفتاة كانوا يهدفون إلى استدراج عامل الإقليم لقضاء ليلة ماجنة وتصويره في أوضاع خليعة، الأمر الذي كذبه العامل في حين استقاه الصحفي من تصريحات الفتاة الموثقة في محضر للضابطة القضائية. هذا الحدث وما تبعه من تجييش للجمعيات والأعيان الموالين لحزب الأصالة والمعاصرة وتحالفاته في المدينة، هو حدث يعكس مخاوف الحزب من أن تُخدش صورته، خصوصا وأنه يعتبر تدبيره لمجلس مدينة ابن جرير نموذجا للتدبير الذي يريده للحكومة التي يسعى إلى تشكيلها في المستقبل. ومن ناحية ثانية يعكس تخوفات أعضاء المجلس الحضري الحالي من أن تتأذى سمعة عامل الإقليم بما يؤدي إلى إقالته وتضعف حظوظ الحزب في الفوز بالانتخابات الجماعية القادمة.

لكن الكثيرين ممن يناصرون حزب العدالة والتنمية يستغربون من تجاهل وصمت هذا الحزب وقياداته عن ما يجري في مدينة ابن جرير، التي يتمتع فيها حزب الاصالة والمعاصرة بنفوذ حصري واستثنائي. فلا يبدي حزب العدالة والتنمية مواقفه من ما يجري داخلها، رغم تأثير تلك المجريات احيانا في الرأي العام المغربي، وتصدره لواجهة الأحداث الوطنية. وهو الأمر الذي يضع مصداقية حزب العدالة والتنمية مرة أخرى على المحك، إذا تعلق الأمر بمكافحة الفساد والاستبداد، وهو الشعار الذي لا ينثني قادة العدالة والتنمية عن رفعه.

فالملاحظ أن اصطدام العدالة والتنمية مع الأصالة والمعاصرة يكون في العناوين الفضفاضة، ويبتعد عن الملفات الحساسة والدقيقة، وهو ربما راجع إلى الأفضال التي يشعر بها العدالة والتنمية إزاء المستشار الملكي وصديق الملك وابن مدينة ابن جرير ومؤسس الأصالة والمعاصرة، فلا ينثني هذا الأخير عن إنقاذ حزب العدالة والتنمية من المواقف الحرجة، وآخرها -حسب ما تداوله الإعلام الوطني- كان التدخل لكي لا يكلف الملكُ عبدَ الإلهِ بنكيران لحضور مراسيم تسليم السلطة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وهو الذي يعتبره حزب العدالة والتنمية عدوا ومجرما وقاتلا لإخوانهم في مصر. فلاشك أن مثل هذه الأفضال تمنع حزب العدالة والتنمية من خوض غمار الاشتباك المباشر والبعيد المدى مع حزب الأصالة والمعاصرة، بحيث يكون اشتباكا في كافة العناوين وفي جميع الملفات.

أمام كل هذا يصبح من الصعب التكهن بمستقبل الحزبين السياسي، وبمستقبلهما الانتخابي. فالعدالة والتنمية ربح التمرس في تدبير شؤون الدولة، وعزز نفسه بموقعة بعض عناصره ضمن جهاز الدولة، وهو الهدف التكتيكي الذي تتقاسمه كل التنظيمات الإسلامية، وخسر الكثير من مصداقيته وشعبيته. وحزب الأصالة والمعاصرة يريد أن يؤسس لشعبيته على أنقاض ذلك باستثمار كل الفرص والمناسبات، لكن الانتخابات التشريعية القادمة حاسمة في هذا الصدد، بحيث أن أي تحالف من أي نوع بين حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة من جهة أو بينهما وبين حزب الاتحاد الاشتراكي، هو المسار الوحيد الذي قد يضعف حظوظ العدالة والتنمية مستقبلا في تصدُّر الحكومة.

إن هذا الافتراض يفتح الباب على مصراعيه أمام ضرورة قد تلجأ إليها المؤسسة الملكية تتمثل في استنساخ معكوس لتجربة شبيهة بتجربة حكومة التناوب التي قادها الاتحاد الاشتراكي سنة 1998، لكن هذه المرة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة. وذلك لمواجهة الخطر الذي تمثله الاحتجاجات الشعبية التي يمكن أن تتأجج مستقبلا، فالظروف المعيشية للمواطنين المغاربة تنذر بذلك، وهي الحالة التي ستتلقفها وتستثمرها -في حالة حدوثها- جماعة العدل والإحسان، وهي المعارضة الأكثر تنظيما ومصداقية في المغرب، والأصعب على انجاز صفقات معها بالشروط التي يقبلها الآخرون. وهي كذلك التنظيم الأكثر ربطا للعلاقات الجيدة مع الخارج، بحيث تظفر بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وهي الأكثر مرونة وقدرة على تليين مواقفها، وهي الأكثر قدرة على تحسين علاقات المغرب في حالة وصولها إلى السلطة مع أطراف كثر في النظام الدولي الذي هو قيد التشكل. لكنها قد تواجه عقبة “العقم النظري” التي تسم برامج التيارات الإسلامية عموما، كما هو من الوارد أن تواجه الألغام التي ستكون موجودة لا محالة في الطريق إلى الإجابة عن الإشكاليات اليومية للمواطن.

– ينطلق الباحث من معاينات ميدانية أجراها داخل المدينة نفسها، بحيث يسجل امتعاضا متزايدا لدى الساكنة من حالات الاغتناء بلا سبب التي تظهر بوضوح على أعضاء المجلس الحضري للمدينة وعلى منتسبي حزب الأصالة والمعاصرة والمقربين منه.

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *