التجربة النقدية في الشعر الأمازيغي من خلال ديوان “Abrid N Ulili”

بقلم سعيد بلعضيش

يتضمّن ديوان “Abrid N Ulili” (طريق الدفلى) للأستاذ والروائي حميد توعلي 94 قصيدة (من بينها أناشيد) تعود لما يناهز ثلاثة عقود (دُوّنت ما بين 1992 و2001). وقد قدّمتُ له بمقدمة هي مدخل فلسفي وسوسيولوجي لقراءة الأشعار المتضمنة فيه، باعتباره عتبة نصية تشي بما تصطبغ به القصائدُ من روحٍ إنسانية مفعمة بالعاطفة وتوهجها. فقصائده ليست متنوعة في ثيماتها (تيمّوزغا، الصداقة، الحب، المستقبل، الصدق، والقصائد العامة) فقط، وإنما تعكس التجربة النقدية لما يعتمر المجتمع من مآسي وظواهر، فالرؤية العامة في الديوان تتألف من بُعدين أساسيين هما: البعد النقدي والبعد الجمالي الوجداني، وهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً؛ الأمر الذي ضمن لهما درجة عالية من النضج والعمق والتكامل.

يعكس عنوان الديوان جوهر ذلك المزج، فطريق الدفلى طريق مليئة بالمنغّصات والحنظل لكنه جميل، يزيّن الفيافي بجمالية وجودية عزّ نظيرها كما أنشد الشاعر بدر شاكر السياب: “يا عين أين أزاهر الدفل *** مرّي بجانب نهرها وسلى”. وستتجسّد معالم هذه الطريق/السبيل في قصائد الديوان التي تعكس عمق الروح الإستطيقية للكينونة الأمازيغية الراغبة في التأسيس لثورة ثقافية تعيد إحياء كل ما هو جميل في الفكر/الفن والممارسة الأمازيغيين وتصفح عن أو تتجاوز كل ما غير جميل. قصائد مبنية على صيغة “أسفرو” أكثر مما هي “تامديازت”، لتعطي للشاعر إمكانية خلق وابتكار صيغ تعبيرية توائم الثيمات التي يريد للقصيدة أن تتضمنها. إنها وحدة جدلية بين الشكل والمضمون كما يريدها فالتر بنيامين. فليس المضمون وحده الأهم بقدر ما يهمّ الشكل كذلك، ذلك أن الأسفرو فيه كسر للصيغة التي يقوم عليها الإزلي أو تامديازت، رغم ما يتضمّنانه من إمكانيات شعرية وتعبيرية هائلة.

لقد عمل الشاعر على تطوير أدواته النقدية والفنية والمضامين الفكرية للشعر الأمازيغي، معتمدا الفن (الشعر) الوسيلة الأمثل للتحرّر والانعتاق. فقد انشغل بالهمّ النقدي انشغالاً كبيراً، ذلك أن إنكار الأمازيغية واحتقارها وما نجم عنه من ضياعٍ للقيم والحقوق والحريات واللغة والهوية، وتفكيكٌ وهدمٌ للإجتماعي، وانتهاك للكينونة الأمازيغية وتمزق وانقسام، الخ.؛ وقائع قضّت مضجع الشاعر، فانعكست في تجربته الشعرية، لهذا نجده يدعو إلى الصمود والمقاومة بصلابة وبدون هوادة.

لقد تضاعف لديه الانشغال بما مزّق الاجتماعي (شبكة العلاقات الإنسانية) بين الأصدقاء وبين الأخوة والأفراد. كما عبّر عن أزمة الإنسان الأمازيغي مع الأنظمة الحاكمة، فصّور بلُغة بليغة مترعة بالغضب، وبأسلوب النقد اللاذع صورة الحاكم الذي حرم الأمازيغيين طعم الحرية، وأذاقهم الاحتقار والمذلة. هكذا عرّى مظاهر التسلط، وصبّ عليها لهيب غضبه الغيور، ليدعو إلى مسلك المقاومة وترسيخ إرادة الصمود.

ولكنه لا يوجّه معاول نقده للسلطة فحسب، بل إلى الأمازيغيين كذلك. إنه يدرك الرسالة الفكرية والأخلاقية والتأثيرية التي يحملها الشاعر تجاه مجتمعه، لذا نجده يلسع المواضعات الاجتماعية والأوضاع البالية لدى الأمازيغيين. هكذا يمزج في شعره بين الخاص والعام بتعبير أدورنو (حيث يتضمن الخاص خصائص الكل دون أن يفقد خصوصيته)، فمن همه الذاتي نستنبط الهمّ العام، ذلك أن مأساته جزء من مأساة مجتمعه، والعكس بالعكس، في وحدة جدلية لا شبيه لها.

لا يتحدث الشاعر عن أطلال ولا يبكي على أمجاد ماضية، كما يفعل الشعراء، ولا يعد بغد أفضل مِلؤه النعيم، كما يفعل الأنبياء، وإنما يكشف الإمكانيات الحاضرة للحاضر المعاش، للتجربة الصّراعية القادرة على انتشال الأفراد من بؤسهم واستلابهم. إن القصيدة في معمارها الفني، ضمن هذا الديوان، تتلاءم مع البعد النقدي والعاطفي الذي يصوره الشاعر. بل إنه يدخل في مناظرة (على منوال الشعراء الأمازيغيين الذين يمتازون بضبط فن المناظرة وقواعد نظم الكلام في الشعر الأمازيغي، مع ما يرافقها من مبارزة قائمة على المكانة الاعتبارية والرمزية للشاعر) مع الشاعر أيت منقلات (Ayt Menguellat) في القبائل من خلال قصيدة “Tala n Tudert, am3ibar d Ayt Menguellat”، بل ونظم قصائد أخرى حول معتوب لوناس وأحداث القبائل وأخرى بإيقاع “Ideflawen” في توسيع لدائرة المناظرة لتشمل بقية الأمازيغيين، لإعادة التثاقف المنفتح بإرادة واعية دون استلاب أو هيمنة..

يتبع…

شاهد أيضاً

فنان أمازيغي شاب يصارع المرض والتجاهل

تفاقم تردي الوضع الصحي للفنان الأمازيغي رشيد انرزاف زج به في قسم المستعجلات بمستشفى الحسن ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *