هل يتسبب “مرتزقة فاغنر” في مالي بحرب باردة جديدة

أبوبكر الأنصاري
خبير في الشؤون المغاربية

مشكلة المنطقة المغاربية تكمن في تقليد كلما هو مشرقي وتصدير الانقسامات والتجاذبات إلى شعوبها ولكل نظام مغاربي ٱخر مشرقي يقلده ففي الستينات كان التنافس بين الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز والرئيس المصري جمال عبد الناصر يترجم مغاربيا بحرب رمال بين المغرب المدعوم سعوديا والجزائر المدعومة مصريا وفي السبعينات والثمانينات أصبح التنافس بين صدام حسين وحافظ الأسد يترجم على شكل صراع مغربي جزائري على الصحراء، وأصبحت الجزائر تستنسخ اسلوب الهيمنة السورية على لبنان في التعاطي مع جارتها الضعيفة مالي وتستخدم فصائل بقيادة اياد اغ غالي لتحقيق ذلك وتدعم احتلال اسبانيا اراضي مغربية مثل دعم سوريا أيران في الاستيلاء على شط العرب وفي حربها مع العراق واعتبار كل من ينتقد سياساتها عميلا امبرياليا صهيونيا يتأمر عليها بسبب مواقفها القومية المؤيدة لفلسطين ظالمة او مظلومة او ما تسميه دعمها حق الشعوب في تقرير المصير الذي يدعم الصحراويين للانفصال عن المغرب على خلفية تصفية حسابات قديمة تعود لحرب الرمال بين البلدين وتهين وتتأمر على الأزوادييين وتمنح السلاح لمالي الخاضعة لسياستها لقتلهم وتجلب أميركا وفرنسا وفاغنر الروسية لمحاربتهم باسم مكافحة الإرهاب مثلما كانت سوريا تعتبر كل نقد لدورها التخريبي في لبنان مؤامرة وتواطؤ مع الصهاينة لمقاومة رغبتها في تحرير فلسطين من البحر الى النهر ونتيجة لذلك تبلور إجماع أمازيغي معارض لسياسات الجزائر داخليا وفي طول شمال افريقيا وعرضها أقرب للطرح المغربي تجاوبت معه الرباط بمزيد من ترسيم الأمازيغية والاستفادة من الجاليات المغاربية في ترويج أطروحاتها الرسمية .

يخيل للكثيرين أن الوجود الروسي في مالي قضية مستجدة جاءت كرد فعل على الفشل الذريع للتدخل العسكري في مالي منذ عام 2013 والحقيقة أنه منذ استقلال مالي في عهد رئيسها الاول موديبو كيتا بدأت المنح الدراسية للاتحاد السوفيتي السابق وطوال ستين سنة من عمل القوة الناعمة الروسية أصبح ثلث كوادر دولة مالي من خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس العلياء الروسية وكانو خلال الحرب الباردة السابقة خلايا نائمة ل” KGB ” في الساحة الأفريقية .
وكان الاتحاد السوفيتي هو من اقنع الرئيس جمال عبدالناصر باقتراح الرئيس المالي موديبو كيتا للوساطة بين المغرب والجزائر لوقف حرب الرمال بين الدولتين المغاربيتين مقابل تسليمه معارضيه قادة ثورة 1963 الأمير محمد علي الأنصاري والأمير زيد بن الطاهر الآباء المؤسسين للمعسكر الاستقلالي الأزوادي الذين اعتقلوا ما بين 1963-1976 ومنذ ذلك الوقت أصبحت روسيا رقم صعب في المعادلة الداخلية في مالي حيث يدين 30%من كوادر دولة مالي بالولاء لروسيا على شكل خلايا نائمة يمكن استخدامها في التوقيت المناسب وفي اي جولة حرب باردة تكون افريقيا ساحتها .

وفي عام 1990 قام الرئيس المالي الأسبق موسى تراوري بمحاولة لاستخراج النفط في شمالي مالي عبر التفاهم مع الروس متجاوزا الجزائر وفرنسا فكان الرد تحريك الغضب المكبوت في الشارع الأزوادي وتفجيره على شكل ثورة مطالبة بالاستقلال قادها إياد اغ غالي وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار حلف وارسو وانقلاب امادو توماني توري الذي ارتكب مجازر وحرب إبادة عرقية ضد الطوارق”1990-1992″ وبعد الاطمئنان على فشل مشروع استخراج البترول مع الروس وضمان هيمنة سونتراك الجزائرية وتوتال الفرنسية على موارد مالي والإبقاء عليها دولة فقيرة متسولة لاتستطيع الاستفادة من مخزون ثرواتها صدرت الأوامر لإياد اغ غالي بإغلاق الملف باتفافيات دمجت بعض المقاتلين بالجيش المالي وتعيين بعض المدنيين بوظائف حكومية دون الالتفات لمعاناة الضحايا الأبرياء المدنيين الذين نجو من الإبادة وخاضوا تجربة لجوء مرة في دول الجوار .

بقي النفوذ الروسي يتغلغل في مالي بشكل صامت ورغم تحالف الرئيس ألفا عمر كوناري مع الدول العربية المرتبطة باميركا وانخراط سلفه امادو توماني توري في مشروع المحافظين الجدد لغزو العراق وافغانستان وترشيحه شمال مالي كنقطة إرهابية يجب غزوها والتخلص من سكانها المحليين ليتمكن اللوبي الزنجي من الاستفادة من الموارد النفطية في الساحل لتعزيز مكانته داخل أميركا على حساب اللوبيات اليهودية واللاتينية والأرمنية و بعد فشل المشروع والإطاحة به وندلاع الربيع العربي ظلت روسيا بعيدة لانشغالاتها الداخلية بالشيشان وأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم ومحاصرة الناتو.

وبعد “الربيع العربي” عاد التغلغل الروسي مع تدخلها في سوريا ثم دعمها خليفة حفتر شرق ليبيا ومحاولاته السيطرة على طرابلس وصولا لتدخل فاغنر الروسية في مالي بتمويل جزائري لمعاقبة الغرب على اعترافه بمغربية الصحراء ومساندته طرح الحكم الذاتي الذي يروج له ملك المغرب منذ سنوات .

والان تشهد المنطقة حرب باردة بين روسيا والغرب وبدأت معها سياسة محاور جديدة تتشكل في المنطقة حيث يشمل الحلف الروسي الصين و مالي والممول الجزائري وإيران وشركة فاغنر بينما يشمل الحلف الغربي المغرب وامريكا والاتحاد الأوروبي والناتو وتطرح بعض وسائل الإعلام اسرائيل كطرف داعم للمغرب لكن الحقيقة أن هناك انقسام داخلها بين اليمين الاستيطاني بقيادة نتنياهو الذي يضم المستوطنين الروس والفرس الأصفهان و يدعمون روسيا وإيران و كان اليمين الاستيطاني الطرف المحرض على حرب أميركا ضد الإرهاب منذ 11 سبتمبر 2001 لمحاربة الشعوب السنية المعادية لإيران مثل أفغانستان والعراق وقد طبعت دول عربية مثل الامارات علاقاتها مع اليمين الاستيطاني للحصول على دعمه في خصوماتها الإقليمية ضد تركيا وقطر وقد انهارت تلك التحالفات بعد هزيمة ترامب ونتنياهو في مواجهة معسكر السلام الإسرائيلي الذي يضم تحالف اليهود الشرقيين الامازيغ المغاربيين وعائلة روتشيلد الاشكنازية التي تهيمن على اقتصاد العالم والذين يؤيدون الغرب امريكا والاتحاد الأوروبي والناتو وحلفائهم في شمال أفريقيا المغرب والمعسكر الاستقلالي الأزوادي المطالب بحق تقرير مصير أزواد وبناء دولته المستقلة الفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي وكان معسكر السلام الإسرائيلي قد افشل محاولات أنظمة أفريقية مثل مالي و حفتر و تشاد للتطبيع مع إسرائيل بسبب رفض اليهود الامازيغ الذين يعتبرون تلك الأطراف عدو للامازيغ المسلمين في المغرب وليبيا ومنطقة الساحل .

وقد تحولت مالي بسبب التدخل الجزائري والفرنسي والروسي في شؤونها إلى ساحة لمعارك لا ناقة لها فيها ولا جمل وأصبحت تعاني من سياسات الأطراف التي تدعي حماية وحدتها الترابية لأن ما يهم الجزائر هو منع تقرير مصير أزواد وإضعاف الحكومة المركزية في باماكو وتخويفها ببعبع التقسيم و وتغلغل المنظمات الإرهابية التي جاءت لحماية وحدتها الترابية وخاصة جماعة إياد اغ غالي الموالية للحزائر ومنعها من الاستفادة من مخزونات النفط والغاز في شمالها بينما تهتم فرنسا بالذهب في جنوب مالي الذي يستخدمه المصرف المركزي في باريس لضمان عملة CFA الفرنك الافريقي وحصة فرنسا من اليورو داخل المنظومة الاقتصادية الأوروبية وهذا يقتضي السيطرة على مالي ومنعها من إقامة شراكات أمنية واقتصادية مع قوى كبرى أخرى مثل أميركا والروس والصين الذين يسعون لإيجاد موطئ قدم لهم للحصول على ذهب جنوب مالي ونفط وغاز شمالها وقد لجأت حكومة مالي للروس لحمايتها من الاستغلال الفرنسي ولكن تعاون الجزائر مع موسكو لمعاقبة واشنطن على اعترافها بمغربية الصحراء سيدخل الغرب والرباط في معمعة توترات منطقة الساحل.

وقد بدأت الحرب الباردة منذ فشلت فرنسا في مالي ما بين 2013-2016 ونجاح التدخل الروسي في سوريا في إنقاذ النظام السوري حليف الجزائر التي ترغب في استيراد تدخل موسكو إلى شمال أفريقيا والساحل وتمويل مرتزقة فاغنر وشركات صناعة السلاح الروسية من عوائد هيمنة سونتراك على ذهب مالي ونفط وغاز إقليم أزواد وتحويل الجماعات الجهادية الموالية للجزائر مثل نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة اياد اغ غالي وحركة مآسينا الفلانية إلى قوة ممانعة مثل حزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية بدعم من فيلق القدس الفارسي الإيراني وهذا ما يعارضه الغرب وقد يتوحد ضد روسيا والصين وهو ما حمل الكونغرس الأمريكي على إصدار قانون يجرم معاداة الإسلام لكسب الشعوب المسلمة ضد الصين وروسيا كما حدث في الثمانينات خلال الغزو السوفيتي لافغانستان وانتشار الصحوة التي جرى توظيفها ضد السوفيت وتكون الجزائر بذلك قد أدخلت نفسها في معمعة لعبة صراع الكبار وفد تنتهي الحرب الباردة بنهائيات مثل الثورة البلشفية وتفكك الاتحاد السوفيتي ودعم الغرب تفكيك الجزائر إلى دويلات وضم اجزاء منها لدول الجوار مثل يوغسلافيا السابقة.

شاهد أيضاً

مدريد تحيي ذكرى ايض ن يناير

في اطار الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة 2972، برمج اكراو ن ايريفين fuenlabrada بالعاصمة الإسبانية احتفالا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *