
تابعتُ باهتمام فيديو السيدة مايسة سلامة الناجي، الذي عرضت فيه تصورها لمشروع ثقافي في حال تولّت وزارة الثقافة. وأود بداية أن أحيّي طموحها المشروع، فأن يطمح المرء لتحمّل مسؤولية عمومية هو، في حد ذاته، فعل يستحق الاحترام، وأتمنى لها صادقةً التوفيق فيما تطمح إليه.
غير أنني، في هذا المقال، لن أتوقف عند الطريقة التي طرحت بها نفسها مرشحةً لهذا المنصب، رغم أن ذلك بدوره موضوع يستحق نقاشًا حول مفهوم الديمقراطية وتداول المسؤولية في بلدنا.
ما يعنيني هنا هو جوهر المشروع الثقافي الذي قدّمته، منطلقاته، اختياراته، ومدى انسجامه مع الثوابت الاستراتيجية التي تؤطر السياسة الثقافية للدولة المغربية.
أي نعم، أتفق مع السيدة مايسة سلامة الناجي في جزء مهم من تشخيصها لواقع السياسة الثقافية بالمغرب، وأشاطرها انتقادها لطريقة تعامل وزارة الثقافة والتواصل مع ملف يفترض أن يكون في صلب بناء الإنسان المغربي، لا في هامشه.
أتفق معها حين تقول إن الإعلام العمومي ملزم أخلاقيًا وووطنيًا بتقوية الانتماء المغربي لدى المواطنات والمواطنين، عبر برامج جادة. وأوافقها كذلك على أن الشباب يحتاج إلى فضاءات حقيقية للتكوين في اللغات والفنون والثقافة والفلسفة وتدبير الأعمال، لأن الفراغ لا يُبنى إلا بالمعرفة والاعتراف.
كما أؤكد أن الانفتاح على العالم ضرورة، وأن عقد شراكات ثقافية مع الدول الفرنكوفونية والأنجلوسكسونية والعربية أمر مطلوب وحتمي في زمن التداخل الحضاري.
لكن، ومن موقع النقاش لا الخصومة، أرى أن الإشكال الجوهري في الطرح لا يكمن في ما يُقال فقط، بل في زاوية الانطلاق. فحين تُقدَّم الثقافة المغربية من منظور عربي خالص، وحين يُستدعى رموز من قبيل محمد عبد الوهاب كنماذج مرجعية، دون أن يُمنح العمق الأمازيغي والحساني والأفريقي نفس الاهتمام، نكون أمام رؤية ثقافية غير مكتملة، بل مختزِلة.
المغرب ليس هامشًا تابعًا لثقافة مشرقية، ولا نسخة من نموذج ثقافي واحد. إنه كيان حضاري مستقل، تشكّل عبر قرون من الأمازيغية في تفاعل متناغم مع العربية والحسانية والإسلام، بأفريقيته ومتوسطيته. وأي مشروع ثقافي يتجاهل هذا المعطى، ولو بحسن نية، يسقط في التبسيط والتهميش، بل والإقصاء.
وعندما يُشاد بحرص جلالة الملك على التوازنات الخارجية، مثل موقف المغرب من فلسطين واليهود، فإن الإنصاف يقتضي أولًا التوقف مليًا عند التوازنات الداخلية التي حرص جلالته على تقويتها، من الاعتراف بأمازيغية المغرب، ودسترة اللغة الأمازيغية، وإقرار حرف تيفيناغ لكتابة اللغة الأمازيغية، إلى إقرار رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية لجميع المغاربة بلا استثناء.
كل هذه التوازنات ليست مجرد رموز، بل تشكّل الأسس الاستراتيجية للخيارات الكبرى للدولة المغربية، والتي لا يمكن لأي مسؤول تجاهلها في أي مشروع ثقافي حقيقي لمغربنا.
كما نريد مشروعًا ثقافيًا يُعنى بتثمين الاكتشافات الأثرية الكبرى التي تؤكد، علميًا وتاريخيًا، أن المغرب ليس فقط مهدا للحضارة، بل مهدا للإنسانية ذاتها. فالأمثلة كثيرة ودالة، من اكتشاف جمجمة الإنسان العاقل في ءادرار -ن- إيغود، إلى أقدم دلائل الفلاحة في واد بهت، مرورًا بأقدم عملية جراحية معروفة، وأقدم الحُلي المكتشفة في الصويرة، وغيرها من الاكتشافات الموزعة على مختلف جهات المغرب.
هذه المعطيات العلمية ليست تفاصيل ثانوية، بل عناصر مركزية في بناء سردية ثقافية وطنية واثقة من ذاتها، وتشكّل رصيدًا حيًا للوعي والهوية. لذلك، نحتاج إلى سياسة ثقافية تحمي هذا التراث، وتُعرّف به، وتدمجه في التعليم والإعلام والمتاحف والمنتجات الثقافية، باعتباره ركيزة أساسية لفهم تاريخ المغرب العميق ومكانته في تاريخ البشرية.
وزيرة الثقافة التي يحتاجها المغرب اليوم لا يمكن أن تكون أسيرة خلفية ثقافية أحادية. المغرب بحاجة إلى وزيرة ثقافة تحمل الجينات الثقافية لهذا الوطن، وتتقن ألسنته، العربية والأمازيغية، وتعي أن الثقافة ليست مجرد تراكم نصوص، بل إحساس عميق بالناس وبذاكرتهم الجماعية.
نحتاج إلى وزيرة للثقافة تكون الأذن التي تسمع لكل المغاربة بلغاتهم، والحضن الذي يتسع لهم جميعًا، والضمير الذي يحرس توازنهم الثقافي وأمنهم اللغوي، تحت شعار واضح هو “الوحدة في التنوع”.
نريد وزيرة ثقافة تستحضر، دون انتقائية أو إقصاء، كل رموز الثقافة المغربية: الحاج بلعيد، عبد الهادي بلخياط، رويشة، ناس الغيوان، إزنزارن، مسلم، وليد ميمون، تابعمرانت، نعيمة سميح، سعيدة تيتريت، سعيدة شرف… قبل أن تستحضر رموز الطرب العربي المشرقي.
نريد سياسة ثقافية تنزل إلى القرى والجبال والصحاري، تعقد شراكات مع التعاونيات والجمعيات المحلية، وتُعيد الاعتبار للألعاب والفنون التقليدية، ليس باعتبارها فولكلورًا للسياحة، بل ذاكرة حية وهوية متجددة.
نريد شراكات ثقافية تمتد إلى شمال أفريقيا والساحل، وتغوص في عمقنا الأفريقي، وتتفرع إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، لأن هذا هو الامتداد الطبيعي للمغرب.
ختامًا، نعم للنقد، نعم للانفتاح، نعم للشراكات، لكن لا لاختزال المغرب في بعد واحد، ولا لمشروع ثقافي يُقصي هويتنا الوطنية. المغرب أكبر من أي سردية ضيقة، أعمق من أي قراءة انتقائية، ومن أراد قيادة ثقافته، فعليه أن يفهم المغرب كما هو واحدًا بتعدده اللغوي، قويًا بتنوعه الثقافي، ومتجذرًا بتاريخه العميق الضارب في القدم.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر