
المحور الثاني : تدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي بالمغرب.
شكل تدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي إحدى القضايا التي تصدرت اهتمام الدولة المغربية في العقدين الأخيرين لارتباطهما بعوامل تهم حفظ الأمن اللغوي والسلم الثقافي والتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي … وقد تميزت مقاربة الدولة المغربية في هذا الباب بالإقدام على دسترة التعدد اللغوي والتنوع الثقافي كنتاج لما حققه المغرب من تراكمات هامة في هذا الشأن، وكذلك تطابقا مع الخصوصية السوسيو – ثقافية والتاريخية للمجتمع المغربي، وانسجاما مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها في هذا المجال، ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا فيما يخص تقييم التجربة المغربية في مبتغاها لتحقيق رهان عدالة لغوية وثقافية مشتركة قادرة على إدماج التعدد والتنوع وفق سيرورة ديناميكية تفاعلية.
المبحث الأول: السياقات التأسيسية لتدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي بالمغرب.
اتسمت المقاربة الوطنية في تدبير التنوع الثقافي واللغوي على مدخل ثقافي ومؤسساتي دعم فيما بعد، بالإطار الدستوري، وقد مرت هذه التجربة بمراحل تأسيسية متعددة، مستفيدة من الإجماع الوطني حول بناء الدولة الوطنية الحديثة، يحكمها دستور توافقي جاء نتيجة تراكمات محلية وإقليمية ودولية عديدة .
المطلب الأول : تطور المسألة اللغوية بالمغرب.
بداية وجب التنويه إلى أنه حينما نتحدث عن الإشكال اللغوي بالمغرب يتبادر إلى النقاش موضوع اللغة والثقافة الأمازيغيتين بامتياز ، لكونهما تشكلان صلب أزمة المعادلة اللغوية بالمغرب كثقافة محلية تعرضت للتهميش عبر سيرورة تاريخية كبيرة ، إلى أن بدأ الوعي الحقوقي الأمازيغي بالتشكل على مختلف الأصعدة بما فيها الشق الهوياتي والثقافي ، على يد نخبة ثقافية ستؤسس لخطاب سلمي وثوري أحيانا ([11]) .
هذا الخطاب الذي بدأ يعمل بشكل فردي في مجالات اللغة والتاريخ والفنون، كرد فعل حول مقاربة الدولة واختياراتها اللغوية والثقافية مباشرة بعد الاستقلال، ليتحول بعد ذلك إلى نقاش عمومي مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، بعد تكليف الأستاذ “محمد شفيق” من طرف وزير الداخلية آنذاك، بتعليمات ملكية سنة 1978([12]) بإعداد تقرير حول تدريس الأمازيغية، وامتدادا للتفاعل الرسمي مع المطالب الأمازيغية تم تعيينه عضوا بأكاديمية المملكة، بعد أن شكلت اللغة والثقافة الأمازيغيتين ولفترة طويلة طابو (محرمات) في مغرب ما بعد مرحلة الاستقلال، وفي إطار السعي لتأسيس الدولة ـ الأمة المركزية ـ عملت الدولة المستقلة بتعاون مع الحركة الوطنية على تطوير وتنفيذ تصور للدولة يرى في الأمازيغية خطرا يهدد وحدتها وعروبتها وإسلاميتها .
وقد وصم هذا الوضع الأمازيغية وغيبها عن مختلف دروب مؤسسات الدولة، لكن مجموعة من التحولات الدولية التي عرفتها حقبة التسعينيات من القرن الماضي أثرت على التحولات التي سيعرفها الشأن الأمازيغي، ابتداء من سنة 1991 بإصدار أول وثيقة مطلبية مشتركة من طرف النسيج الجمعوي الأمازيغي ويتعلق الأمر بـ “ميثاق أكادير حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين”، الذي لم يعرف تفاعلا يذكر من جانب الفاعل الرسمي، إلا في حدود سنة 1994 بمناسبة خطاب الذكرى 41 لثورة الملك والشعب، هذا الخطاب الذي كان كرد فعل للتعبئة الواسعة للرأي العام الوطني والدولي التي أعقبت اعتقال منتسبين لجمعية ” تيليلي ” بمدينة الراشدية، إثر رفعهم للافتات مكتوبة بأبجدية ” تيفيناغ ” تطالب بتدريس الأمازيغية بمناسبة عيد العمال لسنة 1994، وستعرف نفس الفترة تأسيس مجلس ” للتنسيق الوطني بين الجمعيات المهتمة بالشأن الأمازيغي” كأول تكتل تنظيمي وطني بالمغرب([13]).
“بيان أكادير” هذا سيخلق ردود فعل ودينامية غير مسبوقة في التعاطي مع مسألة الأمازيغية في وقت أعلنت فيه الدولة عن عهد جديد بدأه الراحل الملك الحسن الثاني بالاعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية إلى جانب اللغة العربية، ولم يتأخر الجواب كذلك من طرف خلفه الملك محمد السادس وذلك باعترافه، بمناسبة خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2001 بالطابع المتعدد للمكونات الثقافية المندمجة في الهوية المغربية، مركزا على المكون الأمازيغي كأهم عنصر فيها. وفي خطاب رسمي ” بأجدير ضواحي مدينة خنيفرة ” بتاريخ 17 أكتوبر 2001، أعلن، بحضور كبار رجالات الدولة وقادة الأحزاب السياسية والنقابات والعلماء وممثلي المجتمع المدني، عن صدور ظهير يحدث بموجبه معهد، يتولى الحفاظ على الأمازيغية لغة وثقافة والنهوض بها وتعزيز مكانتها في المجال التربوي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، كما أسند للمعهد تعميق البحث في الثقافة الأمازيغية والعمل على إغنائها كمكون أساسي للثقافة الوطنية والتراث الثقافي على عدة مستويات. وهكذا وقع المعهد و”وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر” اتفاقية شراكة نصت على إحداث لجنة مشتركة للتنسيق والتتبع والتقويم، حيث تم الشروع في تدريس اللغة الأمازيغية بموجب هذه الاتفاقية مع بداية العام الدراسي 2003 -2004 بشكل تدريجي في أفق تعميمها على كل التراب الوطني كما عمل المعهد على الإعداد لإدماج الأمازيغية في الفضاء الإعلامي بشراكة مع وزارة الاتصال وذلك ببلورة استراتيجية تضمن مواكبة الأمازيغية في النسيج الإعلامي وخاصة في الفضاء السمعي البصري لتحدث سنة 2010 قناة تلفزية أمازيغية ([14])، هذا قبل أن تحل مستجدات دستور 2011 والتي سوف تطور مجموعة من المعطيات .
المطلب الثاني : دسترة الأمازيغية ورهان العدالة اللغوية.
تتأسس الانتقالات الديمقراطية في التجارب الدولية على جملة من الشروط والمقومات منها ما قد يكون موجودا، ومنها ما يمكن العمل من أجل إنضاجه وتوفيره، غير أنه في كلتا الحالتين يبقى المرتكز الأساسي في الانتقالات هو عنصر التعاقد السياسي، هذا الأخير يبقى محددا أساسيا للمعايير والشروط الموضوعية المطلوبة لتحقيق الانتقال الديمقراطي، وهو ما يعبر عليه بالدستور الوطني لأي بلد في العالم ([15]). والمغرب بدوره، وهو يصبو إلى المصالحة مع هويته وحضارته، قد صادق على دستور 2011 في سياق الحراك الاجتماعي الذي عرفته العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقد وصفه البعض بالصك الحقوقي نظرا للعديد من المستجدات التي جاء بها ومنها دسترة الأمازيغية، وبذلك تم لأول مرة في تاريخ الدساتير المغربية، بعد الاستقلال، إقرار الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية بموجب المادة الخامسة من الدستور التي نصت على أنه ” تظل العربية اللغة الرسمية للدولة، تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء “.
وانطلاقا من النص أعلاه قد يتبادر إلى الذهن سؤال هو كالآتي، لماذا هذه الصيغة في ترسيم اللغتين العربية والأمازيغية في الدستور ؟
وفي هذا الصدد يرى العديد من المتتبعين أن الصيغة، التي تظهر اليوم في نص دستور 2011 (المادة الخامسة) بعيدة كل البعد عما اقترحته الأحزاب السياسية وبعض الجمعيات المدنية في مذكراتها ([16]) والتي كانت تفضل صيغة وكتابة قانونية، تعكس نوعا من المساواة اللغوية. مما يجعل المتتبع يثير العديد من الملاحظات ومنها:
- إن الدستور يقدم في تصديره لترسيم اللغة الأمازيغية من خلال اعتبار الأمازيغية مكونا من مكونات الهوية الوطنية، ويبرر ترسيمها باعتبارها “رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء “.
- إن الدستور يوظف أوصافا زمنية في تعاطيه مع كل من اللغتين الرسميتين فيعتبر أن العربية ” تظل ” اللغة الرسمية للدولة، وأن الأمازيغية هي ” أيضا” لغة رسمية لها وأن القانون التنظيمي المتعلق بمراحل تفعيل طابعها الرسمي يضع كغاية له، أن تتمكن “مستقبلا” من القيام بوظيفتها، فهل وضعية اللامساواة العملية وتدارك الفارق الزمني في الإعمال والصعوبات المتصورة في حال التفعيل المباشر لرسمية اللغة الأمازيغية، بعد نفاذ الدستور، هي التي تقف وراء هذا التمييز، ذو البعد الزمني الظاهر؟ أم أن هذه الصياغة تخفي إرادة تضمين تراتبية في الرسمية داخل نص الدستور؟
- إن الدستور يرتب التزامات مختلفة تجاه اللغتين الرسميتين، فالدولة تعمل بخصوص اللغة العربية على “حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها”، في حين أن مثل هذا الالتزام الدستوري يغيب بخصوص اللغة الأمازيغية، إذ لا يشير الفصل الخامس، بفقراته الست، إلى أي نوع من هذه الالتزامات المقترنة باللغة العربية أو باللهجات والتعبيرات الثقافية واللغات الأجنبية ([17]).
إنه إذن ومما لا شك فيه أن الفصل الخامس من الدستور يشكل البنية التي ستقوم عليها عملية تدبير التعدد اللغوي عبر مدخل ترسيم الأمازيغية ومراحل تفعيل طابعها الرسمي، وتقنين وتدبير مسألة التنوع الثقافي، من خلال مجلس جامع لكل مكونات الثقافة الوطنية، إلا أن الترسيم بالصيغة التي وردت في الدستور يرسي تراتبية بين اللغتين قد ترقى لمستوى التمييز، مما يدفع للاعتقاد أن هذه الصيغة خضعت لمساومات اللحظة الأخيرة من المشاورات.
وعليه تدخل الأمازيغية لغة وثقافة، في إشكالية عامة تترجم النزاع بين الواقع والقانون، بين واقع اجتماعي وثقافي متجذر في أرض شمال إفريقيا، وبين مؤسسات الدولة التي تدبره وتضبطه، في إطار سياساتها العمومية وهو ما يجعلها تنهج أسلوب الاقتصاء والتهميش للحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، ويجعل الوضع أيضا يعرف حركات مقاومة تطالب، باسم الإنصاف والديمقراطية، بضمان الحق في ممارسة تلك الحقوق في إطار نهضة ثقافية تنطوي على أبعاد محلية وجهوية ووطنية وتنشط داخل جدلية أقطاب معادلة (الهيمنة، الاختلاف والمقاومة)([18]).
المبحث الثاني : قراءة في تنزيل التجربة الديمقراطية الثقافية واللغوية المغربية.
شكل موضوع التعدد اللغوي أحد الأوراش التي انكبت عليها الدولة المغربية، وتميزت مقاربتها في هذا الشأن بإقدامها على دسترة التعدد اللغوي والتنوع الثقافي كنتاج لما حققه المغرب من تراكمات هامة في هذا الباب، نتج عنه اعتماد وثيقة دستورية اعتبرها العديد من المحللين وثيقة دستورية للحقوق والحريات والهوية، لأن الدستور الحالي تناول بوضوح إشكال الهوية والتعدد اللغوي والتنوع الثقافي ونص على إحداث مؤسسة دستورية تسهر على بلورة السياسات العمومية المرتبطة بتدبير هذه التعددية وهي ” المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية”، بالإضافة إلى العديد من المبادرات، كمشروع الجهوية وغيرها ([19])، إلا أن الأمر يطرح العديد من الإكراهات والملاحظات ويحصد مجموعة من المخرجات والنتائج ذات أبعاد مختلفة .
المطلب الأول : تحديات تحقيق العدالة اللغوية والثقافية بالمغرب.
لقد حمل الدستور المغربي لسنة 2011 مجموعة من المستجدات وتناول التوجهات العامة ذات الصلة بالتنوع الثقافي بالمملكة وذلك من خلال دسترة عدة قيم ومبادئ تهم المكونات المختلفة للثقافة المغربية كما يلي :
- ففيما يتعلق بهوية الدولة المغربية وانتمائها ، نصت ديباجة الدستور على أن المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة … الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية ـ الإسلامية ، والأمازيغية والصحراوية الحسانية والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية مع الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى.
- وفي إطار تكريس التعددية الثقافية كذلك، ألغى دستور 2011 عبارة ” المغرب العربي ” وتم استبدالها بـ ” الاتحاد المغاربي ” .
- كما تمت الإشارة إلى البعد الإفريقي للشخصية المغربية، مع دعم خيار الجهوية المتقدمة وجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية والتنصيص على صيانة الحسانية.
إذن فإن التعاطي الدستوري الجديد مع المسألة اللغوية والثقافية، مع ما يثيره من ملاحظات تقنية، يشير إلى الإرادة في بلورة سياسة واضحة في مجال دمقرطة الحياة اللغوية والثقافية، إلا أن الأمر عند البعض يثير مجموعة الإكراهات والتحديات القانونية والموضوعية([20]).
ذلك وأنه بالرغم من كون المغرب قد عرف، بعد اعتماد دستور 2011 إصلاحات دستورية وقانونية ومؤسساتية، إلا أن المرحلة ستبرز وجود صعوبات حقيقية في تنزيل هذه السياسات ، كما أن المجهود المبذول في هذا الشأن، بإقرار رسمي، لم يؤطر بسياسة أو استراتيجية تُعْنَى بالشأن الثقافي ([21])، ومن تظهرات هذا القصور أو التراجعات نذكر :
- محدودية البناء المؤسساتي الحامي للحقوق الثقافية، فقد اختار المغرب في هيكلة الحقل الثقافي الأمازيغي الخيار المؤسساتي ، وتجسد هذا الاختيار في إحداث ” المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ” سنة 2001 وبعده في سنة 2011 تم إحداث “المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية”، مع العلم أن المعهد قد راكم في هذا الصدد عدة منجزات، ليتوج كذلك المسار بإحداث أول قناة عمومية أمازيغية سنة 2010 . لكن وكما سبقت الإشارة يطرح في سياق تقييم عمل ” المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ” وجود عائقين أساسيين مفترضين ، الأول وجود ترسانة قانونية وتنظيمية سابقة تستبعد الأمازيغية في عدد من المجالات الحيوية وكذا وجود مقاومة معلنة وغير معلنة ، كما هو الشأن بالنسبة للعراقيل التي يضعها بعض المسؤولين اللامركزيين لقطاع التعليم وفي مختلف الإدارات، إضافة إلى عدم استقلالية المعهد كمؤسسة استشارية وليست تقريرية إضافة إلى ضعف الموارد المالية المخصصة له إسوة بباقي المؤسسات العمومية الوطنية.
- بطء سيرورة تنزيل المقتضيات الحامية للتعدد اللغوي والثقافي: ذلك أن تنزيل المقتضيات التي ترمي إلى صيانة التنوع الثقافي، سواء كانت مقتضيات دستورية أو قانونية أو مؤسساتية، ستعرف بطئا كبيرا أثر على عدد من الأوراش المرتبطة بها، يكفي أن نشير هنا إلى التأخر الذي عرفه القانون التنظيمي بشأن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية والصعوبات التي تعترضه حتى بعد خروجه إلى حيز الوجود سواء كانت صعوبات قانونية أو موضوعية .
- ضعف الاعتمادات المالية المخصصة لدعم التنوع الثقافي : ففي ترابط تنزيل عدد من المقتضيات والسياسات الداعمة للتنوع الثقافي، مع الكلفة المالية لهذه الإجراءات ، يطرح موضوع الإمكانيات المالية المخصصة لهذا الغرض والتي تشكل أكبر عائق أمام تنفيذ كل المقتضيات الدستورية التي تهدف حماية والنهوض بالتنوع الثقافي لا من حيث الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة كجهاز وصي على القطاع ولا من حيث الميزانيات الفرعية والمحلية لباقي الجماعات الترابية ، وهو الموضوع الذي يطرح من جهة أخرى إشكالا كبيرا حول كفاءة الأطر التي يستند لها تدبير الشأن المحلي وعلاقتها بالشأن الثقافي وقيمته ([22]).
المطلب الثاني : أزمة تدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي بالمغرب وانعكاساته على القيم المجتمعية والسلم الاجتماعي.
من الملفت للانتباه أن المغرب وهو يخطو ببطء شديد، في اتجاه التحديث والدمقرطة ، في شتى أشكالها ، يعيش مفارقات هذا الانتقال على مستويات عديدة ، كما يعرف تصادما وصراعا حول الهوية ( عربي ـ أمازيغي ـ ريفي ـ عروبي … إلخ) وحول القيم الثقافية للمجتمع ، وهو الصراع الذي يتمظهر في النقاش العمومي ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وفي المدرسة والشارع وحتى في الأماكن ذات الوضع الاعتباري الروحي كالمساجد مثلا، وهي الأماكن على العموم التي تعرف تناميا ملحوظا للعنف الرمزي، رغم محاولات إخفائه بكل السبل ، الشيء الذي يمكن تفسيره في عدم تفعيل المكتسبات القانونية والدستورية وبين تنامي الوعي المواطن، مما أدى إلى أن يحل العنف اللفظي محل الحوار والتعايش ، وعندما نقوم بالتأمل في هذا الوضع، المتسم على العموم بالقلق والالتباس والتهميش، والذي يطرح بلا جدال أزمة هوية وأزمة قيم، فسوف نلمس بدون عناء كبير بروز مشكلتين اثنتين تعتبران منطلقا لتحليل إشكاليات التحولات القيمية والثقافية وانعكاسهما السلبي على العدالة اللغوية والثقافية : المشكلة الأولى تتمثل في الإرث الكولونيالي الذي لم يتم تدبيره بشكل عقلاني من طرف الحركة الوطنية المغربية والذي كان اختزاليا وتمييزيا إلى حد بعيد والمشكلة الثانية هي أن التجربة الديمقراطية المغربية في ترسيخ أسس الدولة الحديثة وتدبير المكونات الثقافية المتنوعة للمجتمع المغربي لم تعرف تسلسلا طبيعيا موضوعيا وتصاعديا، مما جعل الدولة تتدخل في العديد من المحطات لتوجيه وتسيير مجال الثقافة لتحقيق أغراض سياسية وأمنية حسب المقاس، مما أدى إلى نوع من النكوص والتراجع القيمي والثقافي ، لأن هاجس الدولة المغربية هو استتباب السلم الاجتماعي، ولو مرحلي أو ظرفي، والحد من تحول الأمازيغية إلى قضية سياسية وضبط المطالب الجهوية في هذا الخصوص([23]).
ففيما يخص محاولة الحد من تحول الأمازيغية إلى قضية سياسية وجب التذكير أنه قد تشكل لدى طيف واسع من الفاعلين والتنظيمات المهتمة بمسألة الحقوق الثقافية الأمازيغية ضرورة الانتقال إلى العمل السياسي وتحويل النقاش من مطالب ثقافية إلى سياسية في صورة تأسيس حزب أمازيغي إلا أن التفاعل السريع للدولة مع المطالب الثقافية الأمازيغية كما أسلفنا سابقا ، سيدفع إلى تأسس “المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية” وباقي المبادرات الأخرى وهو ما أدى إلى انفراج نسبي على مستوى تحقيق العدالة اللغوية والثقافية بالمغرب([24])، انفراج يعده البعض نسبي وغير مكتمل وفي حاجة ماسة إلى إرادة الفاعل الرسمي والحزبي لاستكمال كل شروط الانتقال الديموقراطي بشكل سلمي وسلس.
خاتمــــــة :
يقف التنوع الثقافي كأحد أبرز المفاهيم الحديثة التي درجت للدول على إنزالها على أرض الواقع لتفعيل القوى الثقافية في المجتمع والاستفادة منها في بناء مجتمع متنوع ومتعدد، يحترم كل الثقافات والحضارات ، إذ يجمع مفهوم التنوع الثقافي بين الاعتراف بتعدد الثقافات والأفكار والتجارب الإنسانية ، وبين وجود تجربة بشرية محددة لها أهلها وأفرادها الذين نشأوا وتربوا عليها، مع مراعاة ما تتمتع به هذه التجربة من خصوصية في التشكل والأثر ، وبذلك فإن مفهوم التعدد الثقافي يحافظ على سمات كل مجتمع مهما اختلفت تجارب أفراده وخبراتهم. ويشكل التنوع الثقافي مصدر ثراء للدولة والمجتمع ، حيث يخلق تلاقح الأفكار نوعا من التميز ، إلى جانب تحقيق التنمية البشرية المطلوبة للتقدم والارتقاء بالإنسانية , وبما أن الثقافة هي ما يكوّن الفرد عاطفيا وفكريا وروحيا، فإن التنوع الثقافي يساعد على تفعيل دور كل فرد في المجتمع ، كما يؤكد على وجود رؤية توجه البوصلة للنظر في تعامل الأفراد مع غيرهم بما يقوي خلق الأفكار البناءة، وبما يساعد على تأصيل ثقافة تقوم على مبدأ الاحترام والتعايش مع مختلف الثقافات واللغات.
الأمر الذي يجعل بالتالي الاستثمار في التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات أمرا في غاية الأهمية بالنسبة لكل الدول والتي عليها الرفع من وتيرة ملاءمة تشريعاتها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان في شقه الثقافي واللغوي . كما أن مراعاة التنوع الثقافي داخل هذه الدول في مختلف جوانب سياساتها العمومية، بما في ذلك الجوانب التي قد تعتبر بعيدة تماما عن السياسات الثقافية، كما على هذه الدول أن تعمل على تجديد المناهج التي يتبعها المجتمع الدولي إزاء هدفين رئيسيين يتمثلان في التنمية وبناء السلام ومنع النزاعات ، ويجعل بالتالي العديد من الحكومات ومن بينها المغرب أمام مسؤولية الحفاظ عل الموروث الثقافي المتنوع داخل البلد، إن هي أرادت الوقوف أمام تيارات العولمة، ومن جهة أخرى تحسين مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية.
المراجـــــع
الكتب :
- رشيد عصفوري ، الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وإشكالية الخصوصية ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى ، السنة 2014 .
- سيمون دورين Simon During الدراسات الثقافية : مقدمة نقدية ، ترجمة ممدوح يوسف عمران ، مجلة عالم المعرفة ، الكويت ، عدد يونيو 2015 .
- ليلى راضي مازن وأدهم حيضر الهادي، المدخل لدراسة حقوق الإنسان ، دار النشر المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط. 2 ، السنة 1999 .
- محمد عواطف ، ملاءمة القانون المغربي للاتفاقيات الدولية : التحديات وسبل الابتكار، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، طبعة 2014 .
المجـــلات :
- أحمد عصيد، التحولات القيمية والثقافية وعوامل الصراح القيمي ، مجلة RJME منشورات:FRIEDRICH ELBERT STIFUNG ، عدد دجنبر 2022.
- أحمد مفيد، الحماية الدستورية للحقوق والحريات الأساسية، المجلة المغربية للسياسات العمومية ، العدد 8 ، السنة 2012.
- آدم كوبر ، الثقافة : التفسير الأنثروبولوجي ، سلسلة عالم المعرفة ، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، السنة 2008 .
- أنجيلا ساييني (Angela Saini) ، الثقافة والمساواة ، نقد مساواتي للتعددية الثقافية ، ترجمة كمال المصري ، مجلة عالم المعرفة، الكويت ، عدد ديسمبر 2011.
- أنوار العمراوي ومحمد أزيان ، إشكالية التنوع الثقافي بالمغرب وعلاقته بالتنمية ، الحوار المتمدن ، العدد 6324، السنة 2019
- أنوار العمراوي ومحمد أمزيان، إشكالية التنوع الثقافي بالمغرب وعلاقته بالتنمية، مجلة الحوار المتمدن، العدد 6324 ، السنة 2019.
- بوعزة بنعاشر وعبد الله البلغيتي العلوي ، التنوع الثقافي والمواطنة المشتركة ، مجلة الأزمنة الحديثة ، عدد : ابريل 2008 .
- حسن أوريد ، أركيولوجية الحركة الأمازيغية ، مجلة زمان ، العدد 15، يناير 2015.
- خديجة عزيز، التنوع الثقافي بالمغرب رافعة للتنمية وضمان الاستقرار على الرابط hespress.com .
- خديجة محمد كمال وسعد الشاذلي ، التنوع الثقافي وآليات تعزيزه بالتعليم قبل الجامعي في العالم المعاصر، مجلة كلية التربية ، مصر ، عدد يناير 2020.
- رضوان زهر وآخرون ، الدستور الجديد وآفاق حقوق الإنسان ، مجلة مسالك ، عدد مزدوج 27- 28 ، السنة 2014 .
- عبد الصمد المجوطي ، تدبير المغرب للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي ، مجلة ” دستور” الصادرة عن المنظمة العربية للقانون الدستوري ، الدورة 6 ، السنة 2021.
- عبد العزيز العروسي ، التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان : ملاءمات قانونية ودستورية ، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 2014 – 2015.
- عبد اللطيف بكور ، دستور 2011 وسؤال الانتقال الديمقراطي ، المجلة المغربية للسياسات العمومية ، العدد 8 ، السنة 2012 .
- عزيز ضويو ، الهوية واللغة : العلاقة المعقدة ، مجلة الشعلة ، عدد أبريل ، 2016.
- كريمة بلعز ، فلسفة التعايش ودورها في التنوع الثقافي ، مجلة ” آفاق علمية ” المجلد 11 ، العدد 3 ، السنة 2019.
- مجلة نوافذ ، الأمازيغية وحقوق الإنسان ، مطبوعات وزارة الثقافة ، العددان 49- 50 ، يوليوز 2011 .
- محمد الغالي ، جدلية الثابت والمتحول في دستور 2011 في ضوء قراءة السياق والركائز والأهداف، منشورات مجلة الحقوق ، العدد 5، السنة 2012 .
- محمد بودهان ، الأمازيغية بين الوعي الإيديولوجي الزائف واستعادة الذاكرة الجماعية الحقيقية ، مجلة الحوار المتمدن ، العدد 99 .
- مصطفى عنترة ، مفهوم الهوية في خطاب الحركة الأمازيغية، مجلة الأزمنة الحديثة، عدد أبريل 2008.
- وليد رشاد ، التنوع الثقافي : الاتفاقيات والتوصيات ، منشورات : سلسلة الثقافة الأثرية والتاريخية ، العدد 31 ، دمشق 1999.
مراجع باللغة الفرنسية:
- Marie le Pinay, sécurité sociale , faillite sur Ordonnance culturelle, éd : Bayard, Paris 2010 .
- Max Rubin , Cultural right and democratization, published bay stast Dpumlcood, Since, 2008 .
- Selim Abou, culture et droits de l’homme, édition : pourriel, Paris , France , 2007 .
- Torkel Ospahl , Déclaration de la diversité culturelle et programme d’action, édition Cambridge, Bordeaux , France, année 1994.
————————————-
[11] – محمد بودهان، الأمازيغية بين الوعي الإيديولوجي الزائف واستعادة الذاكرة الجماعية الحقيقية، مجلة الحوار المتمدن، العدد 99، ص : 16. [12] – حسن أوريد، أركيولوجية الحركة الأمازيغية، مجلة زمان، العدد 15، يناير 2015 . [13] – عبد الصمد المجوطي، تدبير المغرب للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي، مجلة ” دستور” الصادرة عن المنظمة العربية للقانون الدستوري، الدورة 6، السنة 2021، ص : 7- 8. [14] – مجلة نوافذ، الأمازيغية وحقوق الإنسان، مطبوعات وزارة الثقافة، العددان 49- 50، يوليوز 2011، ص: 111 -112. [15] – محمد الغالي، جدلية الثابت والمتحول في دستور 2011 في ضوء قراءة السياق والركائز والأهداف، منشورات مجلة الحقوق، العدد 5، السنة 2012 ، ص : 56. [16] – أنوار العمراوي ومحمد أزيان، إشكالية التنوع الثقافي بالمغرب وعلاقته بالتنمية، الحوار المتمدن، العدد 6324، السنة 2019 [17] – محمد عواطف، ملاءمة القانون المغربي للاتفاقيات الدولية: التحديات وسبل الابتكار، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، طبعة 2014، ص : 135. [18] – كريمة بلعز، فلسفة التعايش ودورها في التنوع الثقافي، مجلة ” آفاق علمية ” المجلد 11، العدد 3، السنة 2019، ص : 599. [19] – أحمد مفيد، الحماية الدستورية للحقوق والحريات الأساسية، المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد 8، السنة 2012. [20] – رشيد عصفوري، الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وإشكالية الخصوصية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، السنة 2014، ص : 76. [21] – رضوان زهر وآخرون، الدستور الجديد وآفاق حقوق الإنسان، مجلة مسالك، عدد مزدوج 27- 28، السنة 2014، ص : 91. [22] – عبد اللطيف بكور، دستور 2011 وسؤال الانتقال الديمقراطي، المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد 8، السنة 2012، ص : 75 – 76. [23] – أحمد عصيد، التحولات القيمية والثقافية وعوامل الصراع القيمي، مجلة RJME منشورات FRIEDRICH ELBERT STIFUNG، عدد دجنبر 2022، ص : 19- 20. [24] عبد العزيز العروسي، التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان: ملاءمات قانونية ودستورية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 2014 – 2015، ص : 215.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر