
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
ما وقع في فنزويلا ليس مجرد حدث بعيد عن الجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا، ولا شأن لاتيني معزول عن ديناميات النظام الدولي، بل هو رسالة قاسية لكل نظام إختار أن يربط شرعيته الخارجية بخيارات صدامية، وأن يستثمر في دعم الإنفصال بدل الإستثمار في الإستقرار الإقليمي. والجزائر وهي تواصل رهانها على أطروحات تفتيتية تهدد السلم والأمن الحدودي لدول الجوار، مطالبة اليوم بقراءة ما جرى بذكاء سياسي.
إن دعم الجزائر لأطروحة الإنفصال التي أسستها بناءا على أساطير سرعان ما انكشفت للعالم بأسره، بعد إقرار مقترح الحكم الذاتي بالصحراء تحت السيادة الكاملة للدولة المغربية، لم يعد يقرأ على المستويين الإقليمي والدولي، باعتباره موقف “مبدئ” و إمتداد لخطاب تقرير المصير بدل خطاب حق الدولة في البقاء موحدة، بل بات ينظر إليه كعامل عدم إستقرار مزمن، يغذي التوترات الحدودية ويعطل الاندماج التنموي الإقليمي، ويفتح ثغرات أمنية في فضاء هش تغدي الارهاب والحرينة المنظمة، توتر يمتد من الساحل إلى المتوسط. فحين تستثمر موارد الدولة الإقتصادية ونفوذها الدبلوماسي في إدامة نزاع مفتعل، فإن النتيجة الحتمية ليست إضعاف الجار فقط، بل إنهاك المنطقة برمتها، ووضع الأمن الجماعي رهينة حسابات أيديولوجية متجاوزة.
وإذا كان سقوط مادورو يختزل في الإعلام الغربي كنهاية “نموذج مقاوم” جسدت إستمرارية “الشافيزمو” ، فإن القراءة الأعمق تكشف أنه نهاية لوهم أخطر وهم أن الخطاب السيادي حين ينفصل عن التنمية والشرعية الداخلية وحسن الجوار يمكن أن يصمد طويلا. هذا الدرس بالذات هو ما ينبغي على الجزائر أن تستوعبه. فالدولة التي تراكم الخصومات وتبني دورها الإقليمي على معاكسة محيطها بدل التفاعل معه، تجد نفسها عاجلا أو آجلا في موقع ضعيف يهدد نظامها بالزوال .
إن أخطر ما في السياسة الجزائرية بدعمها الإنفصال، ليس فقط في تعارضها مع منطق حسن الجوار ومقتضيات السلم الإقليمي، بل تعارضها مع التحولات الجارية في النظام الدولي، حيث لم يعد الصراع الصفري مقبولا، ولا النزاعات المجمدة محمية إلى الأبد. فالعالم اليوم يتجه نحو إعادة ترتيب الأولويات، الاستقرار و الشراكات الاقتصاديةو أمن الحدود ومحاربة التهديدات العابرة للدول. وفي هذا السياق، يصبح دعم الانفصال عبئ إستراتيجي لا ورقة ضغط.
إن ما وقع في فنزويلا يفضح هشاشة الرهانات التي تبنى على محاور أيديولوجية بدل بناء توازنات عقلانية. سقوط مدو يكشف كلفة العناد السياسي حين يتحول إلى سياسة دولة. والجزائر إن إستمرت في تجاهل هذه الإشارات فإنها تخاطر بأن تجد نفسها معزولة ديبلوماسيا وسياسيا، كنمودج دولة تطالب بالإستقرار وهي تغذي أسبابه العكسية التي لا محالة لن يصمد معها الشارع وهو يرى ترواثه تهدر لدعم مشاريع تقسيمية.
الذكاء السياسي اليوم لا يكمن في مضاعفة الخطاب العدائي، ولا في تصدير الأزمات إلى الخارج، بل في التقاط لحظة التحول. لحظة تقول إن زمن توظيف الإنفصال كورقة نفوذ يوشك على الأفول، وإن كلفة هذا الخيار ستفوق مكاسبه، داخليا وإقليميا. فإما أن تعيد الجزائر تموقعها كدولة توازن وحل، أو أن تبقى أسيرة سياسة تراكم الخصومات وتستنزف المستقبل.
ختاما، وحدها القراءة الإستشرافية لما جرى في فنزويلا، قادرة على تنبيه الجزائر من الإنزلاق نحو الهامش. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيا، لكنه يعاقب من يصر على تجاهل دروسه.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر