بقلم: يوسف أقرقاش
ينقسم الناس حين يتعلق الأمر بالسخرية إلى راض أو رافض، إلى باسم أو عابس. الحياد بخصوص موضوعات السخرية أمر نادر، وربما قد يكون مرفوضا و مُستهجنا. إذا كان السبب في قبول السخرية يتعلق برسالة أو مغزى الفعل السخري، فلا يمكن أن نرفض السخرية للسبب ذاته، لأن الإنسان عموما يملك من القدرة ما به يمكن أن يواجه أي رسالة، ويملك من الدهاء والذكاء ما يسمح له بتجاهلها. إذن فالأمر يتعلق بنفور من الضحك، أو بغياب ملكة الضحك (أسميها ملكة، لأن الأمر لا يتعلق بتعلم أو اكتساب)، إن كل من يرفض السخرية هو في الأصل عاجز عن الضحك. وإذا كان مُتعذرا فصل السخرية عن الضحك، يمكن القول إن من يرفض السخرية ثلاثة أصناف:
الصنف الأول، هو الإنسان العادي Homme ordinaire. الإنسان الذي ألف الوجود بصورة أو نظام واحد، ولا يمكن أن يتخيل أو يتصور أي إمكانية أخرى لهذا الوجود غير ما ألفه. لذلك، فبدل أن يدفعه الأمر الغريب والغير المألوف إلى التعجب والاندهاش، كإمكانية لتقبل الواقع المُستجد ومحاولة ردم الهوة بين البديل والمستبدَل بالضحك أو الابتسامة، يسارع إلى الحفاظ على ما هو كائن ورفض كل إمكانية للتجديد.
لا يمكن للإنسان العادي، مثلا، أن يقبل فكرة الخروج عاريا حتى لو كان الفعل احتجاجا على انتهاك حرمة الإنسان وكرامته، ليس لأن الأمر يتعلق بالكشف عن أعضاء رؤيتها غير مرغوب فيها، بل لأنه يكتشف، وهو يتعرى، أنه ليست ثمة ما يتوجب ستره. وحتى إذا سلمنا بفكرة وجوب ستر الأعضاء الجنسية مراعاة للقيم والأخلاق العامة، فلا يمكن لمن يحرس على هذه القيم أن يقبل معنا فكرة كون الإنسان الحيوان الوحيد الذي يستحي من عورته! وإذا قبل معنا بهذا التحديد الغريب للإنسان انسجاما مع موقفه وما يترتب عنه، فلا يمكن له أن يبدي التعجب الذي نبديه لارتباط اِسم العورة بما هو مشين ومعيب رغم ما تتسم به الأعضاء الجنسية من جمال وفنية في الشكل والتكوين سواء عند الذكر أو الأنثى!
أن نقبل فكرة إخفاء أطراف هي في الواقع جزء منا وجزء من جسدنا، ونصر على معاقبة كل من خالف قواعد اللباس وقواعد الاحتكاك بالناس، هو في الأصل رفض لفكرة السخرية من واقع الناس وثقافتهم المزيفة، رفض لاستبدال واقع بواقع.
الصنف الثاني، هو الحاكم، خاصة الحاكم المستبد، فهو الآخر لا يقبل السخرية، لأن وجوده مبني على الضبط والتحكم، وأي فعل يمكن أن يخلق إمكانية للانفلات لابد أن يرفض. لذلك يسهل على الحاكم أن يواجه العصيان والانتفاضات والحروب، حتى وإن رأى في ذلك هلاكه، لكنه يعجز دائما عن مواجهة أفعال السخرية، لأنه مهزوم في هذه المواجهة من الأصل. لا أحد من الحكام انتصر بمنع السخرية، أو بسجن أو نفي أو قتل صاحبها. لذلك، يحتفظ لنا التاريخ بأسماء الحكام الذين استبدوا، بطشوا، وانتقموا من المنتقدين الساخرين أكثر من الساخرين أنفسهم.
صحيح أن بعض الحكام تستهويهم النكت و القصص المضحكة، فيولون أهمية كبرى للمسرح والكوميديا، لكنهم يبتسمون فقط إذا كانت الصورة كاملة وواضحة. أما إذا كان الفعل المُسْتَبْسِمْ ناقصا أو حمًال أوجه، فلا يمكن أن يجري أمام أبصارهم وعلى مسامعهم. ويعني هذا أن السخرية إمكانية للانفلات لا التحكم.
الصنف الثالث، هو الإله. يمكن أن نعثر في الأساطير وفي الأديان على صورة إله ماجن، ماكر، خادع، لكن لا يمكن أن نعثر داخلها على صورة إله ضاحك، أو صورة إله يقبل أو يتسامح مع السخرية. أسباب رفض البشر للسخرية واضحة، إنها ضد النظام، ضد التحكم، وتقدم صورة ناقصة لكل ما هو كامل، ترى ما الذي يجعل الآلهة هي أيضا ترفض السخرية وتتأفف من الضحك؟
ترتبط فكرة الألوهية عموما بالغيب واللغز والسر، إذْ لا يمكن للبشر أن يربطوا مصيرهم بإله يتبدى للناس، إله شفاف، يعلن عن أسراره ونواياه. إن ما يظهر، دينيا على الأقل، للإنسان يعميه، وفكرة التنزيه ما كانت لتُسْتَجَد في تاريخ الأديان لو لم يكن الإنسان ميالا إلى كل ما هو خفي وملغِز. وما كان للكذب، والفعل الخفي عموما، أن يُحرّمَ لو لم يكن الصدق غير مرغوب فيه. قد يبدو هذا الكلام قلبا للحقائق، لكن هل سبق لأحد منا أن تساءل لم يحرص الإنسان، دون الكائنات الأخرى، على أن يتم الفعل الجنسي خفية؟ بل حتى الكلام عن الجنس لابد أن يتم في مكان خاص؟ أليس في الإنسان ميلٌ لأن يخلق السر من لاشيء؟ أن يحب السر فقط لأنه سر؟ وإذا كانت السخرية كشفا لكل سر، وبيانا لكل لغز وعلما بكل غيب، فلا يمكن أن نقبل بها في عالم الألوهية، إلا إذا كانت الآلهة تتمتع بحس الفكاهة والضحك.
يمكن لكل من يريد توضيحا أكثر لفكرة رفض الآلهة للسخرية مخافة أن تنكشف أسرارها، أو لفكرة العلاقة بين السر و السخرية عموما، أن يعود إلى كتاب “رسائل توت” (وهو بدون مؤلف)، الذي يتحدث عن أسطورة الخلق لدى المصريين. يرد في أحد فصول هذا الكتاب أن أمون الإله عندما فكر في تعمير الأرض واستخلاف الإنسان، كان لابد أن يمنحه “السر”، دون توضيح منه لما هو هذا السر. لكن، بالمقابل، دعا الإنسان إلى تأمل الفعل الجنسي، ليكشف السر بنفسه، ولابد أن يحدث ذلك ليلا وخفية من الآخرين، لأنه لو انكشف هذا السر للإنسان الجاهل، فإنه سيسخر منه، والإله لا يحب من يستهزئ به ويسخر منه.
إجمالا، يمكن القول بأن السخرية أسلوب نقدي، يوظف الحس الفكاهي لدى الإنسان، لينبهنا إلى أن فكرة الاطمئنان لما هو واقع، و ما هو مألوف، ليست الصورة الوحيدة لنمط وجود الإنسان، وأن التحكم و الميل إلى كل ما هو سر، خفي و مُلغز، قد يُراد بهما كل شيء إلا الإنسان.