أخبار عاجلة

بادغيس: الخط الأمازيغي ليس مجرد حروف فقط، بل أنفاس هوية متجذرة في الذاكرة

بادغيس: الخط الأمازيغي ليس مجرد حروف فقط، بل أنفاس هوية متجذرة في الذاكرةمن عاصمة الزغفران تالوين إلى أكادير فالدار البيضاء، ومن المعارض المحلية إلى تصميم مئات الخطوط الرقمية، نسج ضيفنا رحلة فنية متفردة، جعلت من الحروف الأمازيغية محور إبداعه ورسالة ثقافية يسعى إلى إيصالها إلى العالم.

في هذه اللحظة الحوارية، ندخل عالما تنبض فيه الهوية بالحروف، وتتحول الريشة إلى مرآة للذاكرة، ليكون ضيفنا ادريس آيت عمر، المعروف فنيا باسم “بادغيس”، فنان تشكيلي وخطاط أمازيغي، جمع بين شغف الطفولة وصلابة التجربة، ليصوغ مساره بين القرية والجامعة، بين الورشات والمعارض، وبين الخط العربي وتيفيناغ.

من خلال هذا الحوار، نعود معه إلى دفاتر الطفولة والبدايات، ونتوقف عند محطات التحول، ونلامس طموحه في أن يرتقي الخط الأمازيغي إلى فن معاصر بامتياز، يحاور العالم ويحمل هوية لا تنطفئ.

الخط الأمازيغي ليس مجرد حروف فقط بل أنفاس هوية متجذرة في الذاكرة

بداية، حدثنا عنك، عن طفولتك وبداياتك مع الفن؟

ادريس ايت عمر، المعروف فنيا باسم بادغيس، من مواليد 1983 بجماعة زاكموزن في إقليم تالوين. بدأت دراستي الابتدائية بمدرسة تاكموت بجماعة اسايس، نظرا لغياب مدرسة في دواري. خلال تلك المرحلة، بدأت علاقتي بالفن والرسم تتطور، حيث نما شغفي بالإبداع سنة بعد أخرى.

ومتى بدأت علاقتك بفن الخط؟

خلال المرحلة الإعدادية، كانت مادة الفنون التشكيلية نافذتي الأولى على الفن الأكاديمي، رغم أنها لم تستمر سوى سنة واحدة. ومع ذلك، ظل شغفي بالرسم والخط قويا، فكنت أمارسهما في أوقات فراغي بلا كلل. كنت مولعا بشكل خاص بفن الخط العربي، أتمرن عليه باستمرار، وأشارك في ملتقيات ومعارض صغيرة. بل نظمت معرضين للخط العربي؛ الأول ضمن فعاليات مهرجان ثقافي بتالوين، والثاني بخزانة السكتاني.

هل كانت هناك مسابقات أو محطات مهمة في مرحلة الثانوي؟

شاركت في عدة مسابقات على المستويين المحلي والجهوي، من أبرزها المسابقة الجهوية التي نظمتها القنصلية الإسبانية بجهة ماسة درعة، حيث حظيت بشرف الفوز بالمرتبة الثالثة.

ماذا عن تجربتك الجامعية؟

التحقت بجامعة ابن زهر بأكادير، حيث تعمقت في دراسة الرسم والخط لمدة عامين، إلا أن الظروف المادية حالت دون إتمام دراستي الجامعية. بعد ذلك انتقلت إلى الدار البيضاء، حيث عملت ودرست الإعلاميات في مركز للتكوين. ومع كل التحديات المترتبة على العمل والدراسة، لم أفارق الفن أبدا، فكنت دائما أخصص له وقتا خاصا للحفاظ على شغفي وإبداعي.

متى سمعت لأول مرة بالخط المغربي؟

كان ذلك في سنة 2008، حين طرحت على نفسي سؤالا: هل للمغرب خطه الخاص؟ بدأت البحث عبر الإنترنت، فاكتشفت عالما جديدا مليئا بالكنوز الفنية. منذ ذلك الوقت، صرت أتمرن على الخط المغربي وأغوص في دراسة خصائصه باستمرار. ومن خلال هذا البحث، أدركت خصوصية الفن المغربي، ولا سيما الجانب الإبداعي الأمازيغي الذي يتجلى في دور العبادة والمباني وغيرها، مؤكدا بذلك تفرد المغرب في مجال الفن والإبداع.

كيف كان تأثير عودتك إلى تالوين سنة 2012؟

كانت تلك تجربة نقطة تحول كبيرة في مسيرتي. التحقت بتعاونية للزعفران، حيث أقمت جناحا خاصا بالفن، عرضت فيه لوحاتي وقدمت ورشات للرسم للزوار المغاربة والأجانب على حد سواء. هذه التجربة مكنتني من التعرف على فنانين مغاربة وأجانب، والاستفادة كثيرا من خبراتهم ونصائحهم، ما أثرى تجربتي الفنية بشكل كبير.

وماذا عن دخولك مجال الخط الأمازيغي وتيفيناغ؟

رغم معرفتي السابقة بحروف تيفيناغ، لم أفكر أبدا في جعلها أساسا لفني إلا بفضل أحد أصدقائي في تالوين. عندما بدأت العمل على الحرف الأمازيغي، شعرت براحة كبيرة واكتشفت ذاتي، إذ إنه يعكس هويتي وانتمائي. منذ ذلك الحين، أصبح فني يرتكز على الإبداع الأمازيغي، وصرت أكتب وأرسم بتيفيناغ على مدى سنوات، متمسكا بجذوري وهويتي الثقافية.

حدثنا عن دورة أكادير سنة 2015 الخاصة بتصميم حروف تيفيناغ الرقمية؟

كانت تلك محطة مفصلية في مسيرتي الفنية، حيث أطرها صديقي مادغيس أومادي لمدة يومين بمدينة أكادير. خلال هذه الورشة، تعرفت على أساسيات تصميم الخطوط الرقمية، وفوجئت بحصولي على المرتبة الأولى رغم أنني لم أكن متمكنا بعد من التصميم الجرافيكي. هذه التجربة فتحت أمامي آفاقا جديدة، فبدأت أتعلم التصميم الجرافيكي عن طريق التعليم الذاتي وأغوص تدريجيا في عوالمه المتنوعة.

إذن بدأت مرحلة جديدة مع التصميم الرقمي؟

بعد هذه الدورة، بدأت بتصميم خطوط أمازيغية رقمية، وتم نشر بعضها على مواقع مثل تاوالت. واصلت العمل حتى أصبح لدي اليوم أكثر من مائة خط تيفيناغ، بعضها متاح للاستخدام، بينما لا يزال البعض الآخر قيد التطوير. كما تعمقت في دراسة التصميم الجرافيكي بشكل عام، متعلما خفاياه وطريقة التعامل مع برامج التصميم المتخصصة في مجال تصميم الخطوط.

إلى جانب ذلك، اشتغلت على الورشات والمعارض؟

أطرت ورشات للأطفال والشباب في تالوين ونواحيها، جميعها مخصصة لتعريفهم بالفن الأمازيغي وتشجيعهم على الإبداع. وفي سنة 2023، وأثناء عملي مع إحدى الجمعيات الشبابية بمدينة تيزنيت كمسؤول تواصل، نظمت معرضا للخط الأمازيغي استمر شهرا كاملا، وكان ذلك فرصة ثمينة لتبادل الأفكار حول فن الخط الأمازيغي وسبل تطويره.

ماذا عن الحاضر والمستقبل؟

حاليا، أعمل على مشروع كتاب مخصص لأنواع الخطوط الأمازيغية، أضع فيه أسس التعلم والتدريب مع توثيق أسماء كل نوع خط. كما أشتغل على الفن الرقمي، من خلال إعداد لوحات أمازيغية باستخدام الحاسوب إلى جانب ممارسة الخط اليدوي. حلمي أن يرى هذا الكتاب النور قريبا، ليصبح مرجعا لمن يرغب في تعلم الخط الأمازيغي. بالإضافة إلى ذلك، أنا منكب على مشروع لإنشاء متحف فني أمازيغي متنقل، يهدف إلى التعريف بفن الخط الأمازيغي ونشره على أوسع نطاق.

ما الذي تطمح إليه مستقبلا كفنان؟

أطمح إلى المساهمة في جعل الخط الأمازيغي فنا معاصرا يحظى بمكانته بين الخطوط العالمية، وأن تصل لوحاتي وتصاميمي إلى أبعد مدى ممكن، سواء داخل المغرب أو خارجه، لنشر الثقافة الأمازيغية وإبراز جماليتها في أفق عالمي.

كيف ترى دور الفن التشكيلي والخط الأمازيغي في التعريف بالثقافة الأمازيغية على المستويين الوطني والدولي؟

الفن بصفة عامة هو سفير، ورسالة ترسل إلى المتلقي ليقرأها ويكتشف ما تحمله اللوحة من حروف ورموز. لوحاتي الفنية تحمل هويتي وثقافتي، وتشكل فضاء يتيح للآخرين التعرف على هذه الثقافة الغنية والمتنوعة. أؤكد أن الخط الأمازيغي ليس مجرد وسيلة للكتابة والقراءة، بل هو مجال للإبداع والفن الراقي. أراه مسؤولية ثقيلة، لكنه يتيح للمتلقي اكتشاف عالم إبداعي آخر. باختصار، يمكن تلخيص دوره في ترسيخ وإحياء الهوية الأمازيغية إذا ما أدمج ضمن المشهد الفني المغربي المعاصر، لما يحمله الخط الأمازيغي من جمالية بصرية، فهو مرآة هوية رمزية تعكس الثقافة الأمازيغية بأبعادها الفنية والثقافية.

برأيك، هل يحتاج الخط الأمازيغي اليوم إلى مناهج تربوية وتقنية لتدريسه بشكل منظم كما هو الحال مع الخط العربي؟

سبق أن ذكرت أنني أعمل على إعداد كتاب أو كراسة لتعليم الخط الأمازيغي، مشابهة للخطوط العالمية الأخرى كالصيني والياباني والعربي. ولتحقيق ذلك، أرى أن هناك عدة محاور أساسية: أولا، يجب تقنين الخط الأمازيغي وجمع المادة الخام المتوفرة حاليا وتنظيمها بشكل منهجي. ثانيا، يجب أن تهتم الجهات المعنية بالخط الأمازيغي من خلال برامج ومسابقات تشجع الشباب الراغب في دخول هذا المجال، على غرار ما يحدث مع الفنون الأخرى. ثالثا، ينبغي اعتماد فن الخط الأمازيغي وتعليمه، سواء في المدارس والمؤسسات الرسمية، أو عبر المبادرات التي يقودها الفاعلون الجمعويون والفنانون، مع الحرص على حضوره المكثف في جميع الميادين البصرية الأمازيغية.

هل فقط تعتمد على الحرف الأمازيغي ام لك مصادر أخرى للوحاتك الفنية؟

تعتبر الحروف الأمازيغية الأساس في لوحاتي الفنية، إلى جانب اعتماد فن الوشم المغربي والفنون والرموز المميزة للزربية في منطقتنا.

دمج هذه العناصر يمنح اللوحة الخطية رونقا وجمالا وإبداعا متميزا. كما ذكرت سابقا، الخصوصية المغربية في الفن الأمازيغي هي بحر واسع، وما أمارسه في فن الخط يعد مجرد نقطة صغيرة في هذا البحر الكبير.

كلمة أخيرة…

أود أولا أن أتقدم بالشكر لمنبركم الكريم الذي منحني هذه الفرصة للتعبير عن حياتي الفنية، كما أشكر قراءكم الأعزاء وجميع الأصدقاء الذين كانوا بوصلتي من خلال توجيهاتهم وإرشاداتهم وتشجيعهم المستمر.

وأغتنم هذه الفرصة لأوجه دعوة للجمعيات الفنية والجهات ذات الصلة إلى ضرورة الالتفاف حول الفن الأمازيغي، سواء في المجال التشكيلي أو فن الخط، وإعطاء حيز من وقتهم لإدراجه ضمن برامجهم وأجنداتهم. يأتي ذلك أولا لضمان استمرارية هذين الفنين، وثانيا لإثراء الساحة بالفنون البصرية الأمازيغية، مع التركيز على التكوين والتدريب. وأنا رهن الإشارة في أي وقت للمساهمة في نشر هذه الثقافة بين مختلف الفئات والمكونات، والمساهمة في تأسيس فن الخط ووضع أسس تقنينه وتنظيمه.

حاوره: خيرالدين الجامعي

بادغيس: الخط الأمازيغي ليس مجرد حروف فقط، بل أنفاس هوية متجذرة في الذاكرة

اقرأ أيضا

سيليا: الهوية الأمازيغية ليست مجرد انتماء بل هي الجذر والنبض الذي يحيى في داخلي

في قلب الريف المغربي، حيث تتعانق الجبال مع نسيم البحر، وتهمس الطبيعة بحكايات الأجداد، تظهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *