
بعد نضالات دامت سنين طويلة من أجل جعل الأمازيغية لغة رسمية للدولة، وبفضل تضحيات واجتهادات المناضلين الأمازيغيين من شعراء ومثقفين وأدباء وموسيقيين، انتقلت الأمازيغية إلى مرحلة جديدة في مسارها. ففي زمن سابق، عانت الأمازيغية من الإقصاء والتهميش، حتى بدا وكأنها لغة محرمة، إذ كان يمنع التحدث بها في الإدارات وفي اللقاءات الثقافية والأدبية. غير أن هذا الوضع بدا يتغير تدريجيا، فأصبحت الأمازيغية اليوم حاضرة في عدد من الإدارات والفضاءات الرسمية، في خطوة تعكس وعيا متزايدا باهمية إنصافها بإعتبارها جزءا أصيلا من الهوية الوطنية. وأضحت تدرس في المدارس والجامعات، وهو ما يعد تحصيل حاصل لنضالات مريرة وطويلة.
غير أن هذا التحول لم يكن دائما محل اجماع أو دعم صادق. ففي السابق، كانت جل الأحزاب السياسية لا تبدي أدنى ذرة اهتمام بهذه اللغة، بل تعاملت معها باقصاء وتهميش، رغم كونها لغة الأرض ولغة الأجداد، ولغة الثقافة والشعر والذاكرة الجماعية. واليوم، تغير الخطاب، وأصبحت الأمازيغية حاضرة بقوة في واجهات المؤسسات الثقافية والفنية، بل وحتى في خطابات الأحزاب السياسية، التي جعلت منها ركنا أو جانبا من برامجها، أحيانا بدوافع سياسية أو لخدمة مصالح ظرفية.
ويحتفى اليوم بالسنة الامازيغية في مختلف التظاهرات والمناسبات، لكن السؤال الجوهري يظل مطروحا بالحاح: هل هناك أمازيغية حقيقية تمارس؟ وهل هناك حب صادق للأمازيغية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز تنظيم احتفالات شكلية ترفع فيها الشعارات دون أن تجسد في الممارسة؟
هل تكرم الأمازيغية فعلا في هذه التظاهرات الفنية؟ وهل يكرم الشاعر والموسيقي والفنان الأمازيغي؟ أم أن الأمازيغية لا تستعمل إلا كديكور ثقافي أو كمسحوق تجميل لتلميع الصورة أمام المتلقي؟
ومن هذا المنطلق، أستحضر واقعة شخصية ذات دلالة عميقة. فقد تم استدعائي، في أحد اللقاءات الثقافية المرتبطة بالامازيغية، لإلقاء بعض قصائدي بالأمازيغية، من دون الاستفادة من أي تعويض مادي، سواء عن تكاليف السفر أو عن المشاركة في هذا النشاط. حضرت النشاط وشاركت بإلقاء قصائدي، وكنت الوحيد الذي تحدث بالأمازيغية وقدم نصوصا شعرية بها، في حين أنجز النشاط برمته باللغة العربية.
والمفارقة المؤلمة أن هذا اللقاء شهد تكريم عدد من الشخصيات، وهو أمر يحسب للجهة المنظمة ولا نقاش في قيمته. غير أنني، بوصفي مدعوا ومشاركا في هذا النشاط، لم أتلق أي شهادة تقديرية أو ما يثبت مشاركتي. كما تم خلال اللقاء توقيع كتاب لأحد الكتاب، وهو صديق عزيز أكن له كل الاحترام، حيث وزعت نسخ من الكتاب على مجموعة من الحضور، بينما تم استثنائي من ذلك أيضا. وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت مؤلمة في معناها، خاصة في سياق نشاط يفترض انه يحتفي بالأمازيغية وبمبدعيها.
إن مثل هذه الوقائع تكشف إشكالا حقيقيا في طريقة التعاطي مع الامازيغية اليوم: احتفاء في الخطاب، وحضور في الواجهة، لكن غياب للإنصاف والإعتراف الفعلي بالمبدع الأمازيغي. وهو ما يفرض علينا إعادة طرح السؤال من جديد: هل نريد أمازيغية حية تكرم فيها اللغة وأهلها، ام نكتفي بأمازيغية شكلية تستعمل عند الحاجة، وتهمل حين يتعلق الأمر بالاعتراف الحقيقي؟
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر