أخبار عاجلة

حين احتضن عبد الكريم احمد بن بلّا ورفاقه في القاهرة

بقلم: امحمد لشقر

في أواخر شهر أبريل 1952، تغيّر شيء ما في القاهرة على مستوى. ما كان، حتى ذلك الحين، افقا استراتيجيًا يكاد يبدو مستبعدًا، تحول فجأة الى حقيقة يمكن تصديقها. المشروع الذي كان عبد الكريم يُنضجه منذ وصوله إلى مصر الحقت به أخيرًا وجوهًا وأصواتًا، وجيلًا عازمًا على ألّا ينتظر أكثر. كان وصول أحمد بن بلّا أولى إشارات هذا التحوّل. بعد فراره من سجن البليدة في 16 مارس، ومروره بباريس ثم بسويسرا حيث التقى بمحمد بوضياف، بلغ مصر بتلك العجلة التي تميّز الرجال حين يشعرون بأن التاريخ يضيق من حولهم. وبعد أيام قليلة، عند غروب الأول من مايو 1952، حطّ حسين آيت أحمد بدوره في مطار القاهرة، في ذلك الضوء الذهبي الذي يلفّ البدايات المترددة.

لم يكن اختيارهم للقاهرة وليد صدفة ولا مجرد ضرورة من ضرورات المنفى. فبعد حلّ «المنظمة الخاصة» وتصاعد القمع خلال عامي 1950-1951، بدا لهم أن طريق النضال الشرعي داخل الجزائر قد أُغلق نهائيًا. كانت فرنسا تراقب، وتتسلّل، وتعتقل. وكان لا بد من الابتعاد استعدادًا لعودةٍ أكثر إحكامًا. وقد منحت القاهرة وعدًا مزدوجًا: مسافةً عن القمع، ومنبرًا على الساحة الدولية. ففي مطلع الخمسينيات لم تكن المدينة عاصمة كسائر العواصم، بل كانت ملتقى الآمال العربية. فيها مقرّ جامعة الدول العربية، وفيها تجد القضايا المناهضة للاستعمار آذانًا صاغية، ووسائط دعم، وأحيانًا موارد مالية. وكانت مصر نفسها تعيش مخاضًا سياسيًا تغذّيه معارضة الاستعمار البريطاني، وهو ما ولّد تضامنًا فعّالًا مع الشعوب التي ما تزال ترزح تحت الهيمنة.

غير أنّ هناك ما هو أعمق من ذلك الا هو تواجد عبد الكريم بارض الكنانة سنوات منذ خمس سنوات. هذا الحضور منح هذا الاختيار بُعدًا رمزيًا بالغ الدلالة. فمنتصر معركة أنوال كان منفيّا ذي مكانة خاصة، فهو ذاكرة حيّة لحرب تحرّر ظافرة. والقدوم إلى القاهرة كان يعني إدراج نضالهم ضمن استمرارية مغاربية، والاعتراف فيه بسابقٍ ومرشد محتمل.

بانضمامهم إلى رفيقهم محمد خيضر، الموجود آنذاك في القاهرة، تشكّل سريعًا نواة نشطة للوفد الخارجي لحركة انتصار الحريات الديمقراطية. غير أنّ حضورهم تجاوز مجرد إعادة ترتيب جهاز حزبي؛ فقد أدخل إلى العاصمة المصرية طاقة جديدة، طاقة جيل مستعد لقطع حبال التردّد، ونقل المواجهة إلى صميم النظام الاستعماري.

أما عبد الكريم، فلم يكن هذا الالتقاء حدثًا عابرًا في نظره. فمنذ سنوات الريف، كان مقتنعًا بأن الحدود التي رسمتها القوى الأوروبية ليست سوى خطوط إدارية تفتقر إلى الشرعية التاريخية، وأن تحرير المغرب الكبير لا يكون إلا جماعيًا أو لا يكون. وقد منح وجود قادة جزائريين شباب وعازمين على الفعل الميداني مضمونًا حيًا لتلك القناعة القديمة.

ومنذ الأسابيع الأولى، انخرط الجزائريون بنشاط في أعمال لجنة تحرير شمال أفريقيا. وكان احترامهم لعبد الكريم واضحًا؛ فقد رأوا فيه رائد الكفاح المسلح الحديث ضد الاستعمار. وهو بدوره وضع مكانته في خدمة قضيتهم، فسهّل اتصالاتهم بالسلطات المصرية، وساند مساعيهم لدى جامعة الدول العربية للحصول على الدعم المالي الضروري.

ومع أحمد بن بلّا، على وجه الخصوص، كان التفاهم فوريًا. بين شيخ الريف والمناضل الجزائري الشاب نشأ تفاهم كبير، يكاد يكون فطريًا. جمعتهما رؤية مشتركة لمستقبل المغرب الكبير، بل ولوسائل بلوغه أيضًا. وسرعان ما توافقا على ضرورة إنشاء جيش تحرير مغاربي موحّد، قادر، حين تحين اللحظة، على إطلاق ثورة منسّقة في البلدان الثلاثة.

وللمرة الأولى منذ زمن، بدا لعبد الكريم أن ما كان يدعو إليه منذ جبال الريف بدأ يقترب من التحقق: استراتيجية مغاربية متحررة من الحسابات الضيقة ومن تنافس الأحزاب. لقد منح وصول هؤلاء الرجال جسدًا لفكرةٍ ظلّت، حتى ذلك الحين، أقرب إلى الرهان: تحويل التضامن إلى تنظيم، والأمل إلى انضباط، والذاكرة إلى قوة مسلّحة. لقد فتح هذه التحول أفقًا جديدًا؛ أفق استقلال يُفكَّر فيه على مستوى المغرب الكبير، لا ضمن الحدود التي فرضها الاستعمار.

اقرأ أيضا

أتفق مع التشخيص وأختلف مع المنطلق في مشروع مايسة سلامة الناجي

أمينة ابن الشيخ أوكدورت تابعتُ باهتمام فيديو السيدة مايسة سلامة الناجي، الذي عرضت فيه تصورها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *