أخبار عاجلة

محمد فارسي: أحاول مثل كثير من شباب الهامش أن أترك بصمتي الصغيرة في الثقافة الأمازيغية (1/2)

في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتقل الأسئلة العميقة، يطل محمد فارسي بهدوء من الهامش، لا بوصفه بطلا ثقافيا ولا ناطقا باسم هوية متخيلة، بل باعتباره ابن تجربة يومية صادقة، تشكلت بين البيت الأمازيغي البسيط، والمدرسة العمومية، وجامعات علمته أن المعرفة لا تمنح، بل تنتزع بالصبر والسخرية أحيانا.

هذا الحوار ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا احتفاء بإنجازات تعد على الأصابع، بل هو اقتراب هادئ من مسار مثقف أمازيغي شاب اختار الترجمة بوصفها شكلا من أشكال الوجود الخفي: حضور بلا ضجيج، وتأثير بلا ادعاء. في حديثه، تتجاور الجدية العلمية مع السخرية الذكية، ويختلط الوعي النقدي بمحبةٍ غير رومانسية للغة الأمازيغية، محبة لا ترى فيها كائنا مقدسا، بل لغة حية قابلة للخطأ والتجدد والمغامرة.

في هذا الحوار يحدثنا محمد فارسي عن الأمازيغية كما عاشها لا كما كتبت في البيانات، وعن الترجمة باعتبارها فعلا ثقافيا شاقا، لا يقل إبداعا عن الكتابة نفسها. هو حوار عن الهامش حين يفكر، وعن اللغة حين تختبر، وعن المترجم حين يختفي كي يترك للنص فرصة أن يتكلم.

بين هذه الأسئلة والأجوبة، سنكتشف أن ما يبدو بسيطا وعاديا، قد يكون في العمق فعلا ثقافيا مقاوما، وأن السير “حافي القدمين” بين اللغات قد يكون أصدق طرق الوصول إلى المعنى.

مرحبا بك أستاذ، لنبدأ بسؤال بسيط وملهم: من هو محمد فارسي؟

في البداية، أشكركم جزيل الشكر على دعوتكم الكريمة للحديث عبر صفحات «العالم الأمازيغي» هذه الجريدة التي تابعتها منذ سنوات طويلة لدرجة أصبحنا نشك أحيانا أنها تعرف عنا ما لا نعرفه نحن عن أنفسنا. ولا يفوتني أن أذكر السيد خيرالدين الجامعي، الذي لا يمل من إضاءة مصابيح المعرفة، حتى بدأنا نخاف أن ترتفع فاتورة الكهرباء الثقافية بسبب ذلك.

أما عن سؤالكم حول “من هو محمد فارسي؟” فبكل صراحة، لا أدري لماذا يفترض أن يكون في شخصي ما يلهم أحدا، فأنا أسير في الطريق نفسه الذي يسلكه أغلب البسطاء.. فقط الفرق أننا نسأل أحيانا عن ذلك في الجرائد. باختصار شديد: أنا محمد فارسي، من مواليد ميضار بالريف الأوسط سنة 1993، مواطن مغربي ينتمي إلى أسرة متواضعة جدا، من ذلك النوع الذي إن حاولت أن تبحث فيه عن “الدراما” فلن تجد سوى تفاصيل العيش اليومي المملة، والمتكررة، والتي لا تستحق حتى أن تروى.

أحاول مثل كثير من شباب الهامش أن أترك بصمتي الصغيرة في الثقافة الأمازيغية، بصمة قد لا ترى بالعين المجردة، لكنها موجودة مثل نقطة في محيط، أو مثل شجرة نحاول زرعها في صحراء، على أمل ألا تأتي جرافة البيروقراطية وتقتلعها قبل أن تثمر.

تلقيت تعليمي في المدارس العمومية، من الابتدائي إلى الجامعة، ونجوت بأعجوبة من كل الامتحانات. حصلت على الإجازة في الدراسات الأمازيغية بجامعة محمد الأول بوجدة، ثم على الماستر في الأدب والترجمة بالكلية متعددة التخصصات بالناظور. وبعد سلسلة طويلة من المعارك مع المراجع والهوامش والمكتبات، تمكنت من مناقشة أطروحة الدكتوراه بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، وكان موضوعها الترجمة من وإلى الأمازيغية مع التركيز على الاستعارة، نعم، ذلك الشيء الجميل الذي يقول لك: القلب يطير، فتصدق أنه حصل على جناحين!

التحقت بالتدريس سنة 2018 أستاذا للأمازيغية، أحمل الطبشور في يد، والأحلام في اليد الأخرى، محاولا نشر اللغة والثقافة بقدر ما يسمح به جدول الحصص ودفتر النصوص.

هذا كل شيء.. لا أسطورة ولا هالة ولا بطولة خارقة، فقط مجرد إنسان يحاول ألا يزاح من الهامش أكثر مما هو مزاح أصلا.

كيف بدأت علاقتك باللغة الأمازيغية والكتابة؟ ومتى اتجهت إلى الترجمة؟

علاقتي بالأمازيغية لم تكن مشروعا وجوديا معقدا، ولا نتيجة قراءة كتب الهوية على ضوء الشموع. ببساطة شديدة: فتحت عيني فوجدت نفسي أتكلم الأمازيغية في البيت وخارج البيت، ولم أوقع أي عقد بهذا الشأن. بدأت الحكاية مع جمعية تيفراس للثقافة التي كانت نشيطة جدا لدرجة أننا كنا نظن أنها لن تتعب أبدا، وكان أبي يصطحبني معه وأنا صغير باعتباره أحد أعضائها.. وأنا كنت أظن حينها أن الأمر كله نزهة مجانية.

ثم جاءت عمتي نعيمة فارسي، الشاعرة المشاكسة التي عشقت “إيزري” إلى حد جعلنا نعتقد أن الشعر مرض وراثي ينتقل عبر الدم. أما جدتي فكانت صوت الأمازيغية في البيت: كل حديث فيها كان بالأمازيغية، وأي لغة أخرى بالكاد تجد لها موضعا في محفلها. هكذا، ودون قراءة كتب عن الهوية أو التاريخ، اكتشفت أنني أمازيغي.. ببساطة لأن الأمازيغية كانت اللغة التي تعيش معنا، تتنفس معنا، وتجعلنا نحس بها كل يوم.

في الجامعة وجدت الخطاب الأمازيغي يزدهر بأناقة شديدة، والكل يفكر ويناقش السياسة والتاريخ والفلسفة، فكنت ألقي نظرة من حين لآخر، مثل شخص يطل من النافذة ليتأكد أن العالم ما زال موجودا.

أما الكتابة بالأمازيغية والبحث فيها، فالمتهم الأول معروف بالاسم: أستاذي حسن بنعقية -رحمه الله-. هذا الرجل دفعني دفعا إلى هذا “الوادي” وقال لي بثقة: “عوم شوية ما كاين باس”. في بعض الأحيان أقول: سامحه الله، وفي أحيان أخرى أقول: لولا هذا التحريض الجميل لما وجدت نفسي في هذا الطريق.. طريق طويل أقطعه حافي القدمين بين الترجمة والبحث والرواية، وأتظاهر طوال الوقت أنني أعرف إلى أين أمشي.

وهكذا بدأت القصة.. لا رسائل من السماء، ولا نبوءات غامضة.

ما الذي دفعك لاختيار الترجمة مجالا لعملك الإبداعي؟ هل هو حب اللغة أم الرغبة في مد الجسور بين الثقافات؟

في الحقيقة، لن أدعي أنني كنت أعد نفسي منذ الطفولة لمهنة المترجم، فالقواميس لم تكن ضمن أحلامي المبكرة، ولا الترجمة مشروعا وجوديا مخططا له. كل ما في الأمر أنني قبلت في ماستر الأدب والترجمة، ودخلت التكوين وأنا أظن أن الأدب سيظل مركز الاهتمام، قبل أن تسرق الترجمة الأضواء بهدوء، وتفرض حضورها دون استئذان. ومع أن الفصل بين الأدب والترجمة يبدو لي أمرا إداريا أكثر منه معرفيا، فإن وحدات الترجمة كانت الأكثر استفزازا لفضولي.

ثم جاءت توجيهات الأستاذ حسن بنعقية لتحول هذا الفضول إلى ممارسة فعلية، من خلال الاشتغال على ترجمة نصوص عالمية إلى الأمازيغية. وهكذا كانت أولى تجاربي ترجمة نص «كاليكولا» لألبير كامو، في مواجهة فكرية غير متكافئة مع إمبراطور روماني، غير أن هذه الترجمة بقيت حبيسة الدرج. أما أول عمل منشور فكان ترجمة رواية «سيرة حمار» للكاتب حسن أوريد إلى الأمازيغية، بعد استئذان الكاتب والحصول على ترخيصه، في تجربة جمعت بين الجدية الأدبية ومفارقة العنوان.

ومع التعمق في نظريات الترجمة، بدأت أكتشف أن هذا المجال يتمتع بحيوية خاصة، تجعلك فاعلا دون أن تكون في الواجهة، ومؤثرا دون أن تطلب الاعتراف. فالترجمة فعل حضور خفي، تمر فيه المعاني من لغة إلى أخرى، بينما يختفي المترجم خلف النص، كأن جهده لم يكن سوى أثر جانبي.

أما الأمازيغية، فأتعامل معها باعتبارها أمرا بديهيا في حياتي؛ أتحدثها، وأنتمي إليها، لا عن اجتهاد أو بطولة، بل لأنني وجدت هكذا: أمازيغيا. لذلك لا أتعامل معها بمنطق الإبهار أو الادعاء، بل أترجم لها بدافع المحبة الهادئة، محبة لا تلغي النقد ولا تمنع قول الحقيقة في وجهها، لأن العاطفة حين تفرط في المجاملة تفقد صدقها.

وبخصوص مسألة مد الجسور بين الثقافات، فأعتقد أن الترجمة في جوهرها عملية بناء مستمرة، جسور بين اللغات، والثقافات، والتجارب الإنسانية. وإذا كانت بعض اللغات تمتلك سفنا قوية للإبحار في العالم، فإن الترجمة هي الميناء الذي يسمح لها بالوصول إلى الآخر دون أن تفقد ملامحها أو تغرق في الطريق.

كيف تختار النصوص التي تشتغل على ترجمتها؟ وما الذي يجذبك فيها؟

لن أقول إنني أشتغل وفق قائمة معدة سلفا، ولا وفق روزنامة صارمة لاختيار النصوص، فالأمر لا يخضع عندي لمنطق الطلب أو الموضة الأدبية. اختيار النصوص يبدأ دائما من القراءة، لا من القرار. أقرأ، ثم يحدث أحيانا أن يعترضني نص لا يطلب الترجمة صراحة، لكنه يرفض أن يترك وشأنه.

ما يجذبني في النص، أولا، أن أجد ذاتي فيه، لا بمعنى التطابق، بل بمعنى التوتر، أن يربكني، أن يضعني أمام أسئلة، أو أن يشعرني بأنني معني به بطريقة ما. ثم يأتي عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو أن يشكل النص تحديا للأمازيغية نفسها، لا بوصفها لغة ناقصة تحتاج إلى اختبار، بل لغة حية قادرة على خوض مغامرات تعبيرية جديدة. وكما يقول أنطوان بيرمان: الترجمة تجربة للغريب، وأنا أضيف: تجربة للغريب داخل لغته أيضا.

لكن الشرط الأهم، وربما الأكثر أنانية، هو أن أترجم نصا لا يراه أحد في البداية. نصا أراه أنا فقط، وأدخل معه في علاقة سرية قبل أن أقدمه للآخرين. فالترجمة، في نظري، ليست استجابة فورية لانتظارات القارئ، بل حوار طويل بيني وبين النص، لا يسمح للآخرين بحضوره إلا بعد أن يهدأ.

بهذا المعنى، اختيار النصوص ليس عملية تقنية، بل شكل من أشكال الاعتراف الصامت: حين أشعر أن النص يحتاج إلى الأمازيغية، وأن الأمازيغية بدورها تحتاج إلى هذا النص، عندها فقط تبدأ الترجمة.

هل تواجه صعوبات لغوية أو مصطلحية أثناء الترجمة، خاصة في النصوص الأدبية والفكرية؟ وكيف تتعامل معها؟

الترجمة، في جوهرها، هي فن ترويض الأصعب، وهنا تبدأ المتعة الحقيقية. مواجهة الإشكاليات اللغوية والمصطلحية ليست مجرد عقبة، بل لحظة حيوية تجعل المترجم واللغة معا في حالة يقظة مستمرة. فالنص الذي يسلم نفسه بسهولة غالبا ما يكون خادعا، وكأنه يبتسم لك بينما يخبئ ألف تعقيد صغير. هذه الإشكالات تمنح اللغة، والمترجم معها، نوعا من المناعة ضد كل جديد يريد أن يوقفهما عند نقطة تطور معينة، أو يجبرهما على الركوع أمام مصطلح صعب أو عبارة ملتوية.

في النصوص الأدبية، يكون اللعب أكثر متعة. اللغة تمنح هامشا واسعا للمراوغة، وللمبالغة أحيانا، ولإعادة الصياغة بروح إبداعية. يمكن تجاوز إشكال مصطلح، أو إعادة تشكيل المعنى بطريقة تجعل القارئ يشعر بالدهشة وكأن النص قد ولد من جديد. الأدب لا يطالبك دائما باسم الشيء، بقدر ما يطالبك بإيصاله وأثره، وهنا يظهر دور المترجم كمعالج ذكي للغموض، كحارس للمعنى، وكمن يحول التحدي إلى متعة.

أما النصوص الفكرية، فالهامش فيها يضيق، ويصبح العمل أكثر صرامة. هنا لا يكفي نقل الفكرة بل يجب امتلاك كفاءة فكرية ولغوية متكاملة، والقدرة على نحت المصطلح ووضعه في مكانه الصحيح، خاصة حين لا تكون المؤسسة الاصطلاحية قد حسمت الأمر بعد. الترجمة هنا أشبه بعملية جراحية دقيقة، كل كلمة لها وزنها، وكل تركيبة تتطلب فحصا مزدوجا قبل أن تصل إلى القارئ.

ومن الطريف أن الصعوبة نفسها تصبح جزءا من المتعة، نوعا من الاختبار المستمر: اختبار للغة، وللمترجم، ولقدرة الاثنين على مواجهة كل جديد دون فقدان هويتهما أو صدقهما. أحيانا، تجد نفسك تتجادل مع الكلمة وكأنها خصم متنكر، وفي كل مرة تخضعه بطريقة ما، تشعر بفرح داخلي لا يراه أحد سواك.. وهذا بالضبط ما يجعل الترجمة تجربة ممتعة وساخرة بعض الشيء في الوقت ذاته.

ما الذي يميز برأيك الترجمة إلى الأمازيغية عن الترجمة منها؟

في الحقيقة، لا يمكنني الانحياز لطرف معين، فالأمر أشبه بمحاولة تحديد من هو الأكثر أهمية: القلب أم الدماغ؟ كلاهما ضروري، وكل محاولة لتفضيل أحدهما مضحكة بعض الشيء. لكن لو استطعنا فعل الترجمة إلى الأمازيغية ومن الأمازيغية في آن واحد، فربما سنصبح أمة عظيمة.. على سبيل المزاح طبعا.

الترجمة إلى الأمازيغية اليوم تمثل خطوة حيوية أولية. إنها ليست مجرد نقل كلمات، بل استيراد نصوص لترويض الأمازيغية نفسها، لإثراء مستواها اللغوي والفكري، ولملء الفراغ الذي طال أمده في بعض المجالات. كل نص يترجم هو تدريب للغة على التعبير عن مفاهيم جديدة، وكل مصطلح يثبت يرفع مستوى القدرة التعبيرية للأمازيغية ويجعلها أكثر استعدادا لمواجهة المستقبل.

أما الترجمة من الأمازيغية إلى اللغات الأخرى، فالأمر هنا يتطلب دقة أعلى وحسا أكبر. فالهدف ليس مجرد نقل معنى، بل تقديم هذه الثقافة واللغة للعالم بما يليق بعراقتها وعبقريتها، وإظهار أن الأمازيغية ليست لغة هامشية، بل لغة قادرة على التعبير عن الفكر والفن والفلسفة. ورغم أن العالم يعرف الأمازيغ، فإن الترجمة هنا مسألة تقنية أكثر منها تعريفية، وسرها يكمن في القدرة على تقديم جمال اللغة وروح الثقافة بطريقة تترك أثرا حقيقيا على القارئ الأجنبي.

باختصار، الترجمة إلى الأمازيغية هي تدريب للغة والمترجم معا، بينما الترجمة منها هي فن تقديم الذات للعالم، مع الحفاظ على الهوية والروح، وكلاهما معركة ممتعة، أحيانا صعبة، وأحيانا مضحكة، لكنها دائما ضرورية.

اقرأ أيضا

بادغيس: الخط الأمازيغي ليس مجرد حروف فقط، بل أنفاس هوية متجذرة في الذاكرة

بادغيس: الخط الأمازيغي ليس مجرد حروف فقط، بل أنفاس هوية متجذرة في الذاكرة

من عاصمة الزغفران تالوين إلى أكادير فالدار البيضاء، ومن المعارض المحلية إلى تصميم مئات الخطوط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *