أخبار العالم الأمازيغيكتاب وآراء

من محو الذاكرة إلى وهم الهجرة

أمينة ابن الشيخ

أمينة ابن الشيخ أوكدورت

منذ الدرس الأول في مادة التاريخ في المستوى الابتدائي، كانوا يقولون لنا، بل يحثوننا على حفظ ذلك عن ظهر قلب، إننا جئنا من اليمن والشام، عن طريق الحبشة ومصر. وهناك من النظريات من يقول كذلك إننا أتينا من أوروبا. لم يكن هناك من يلقننا، ونحن أطفال وطفلات، أننا أبناء هذه الأرض، وأننا ننتمي إلى وطن ضارب في عمق التاريخ، وأننا أبناء حضارة عريقة عمرها آلاف السنين.

لم يقل لنا أحد إننا أحفاد يوبا ويوكرتن وماسينيسا وتيهيا وتينهينان وغيرهم من الشخصيات التي صنعت صفحات من تاريخ هذه الأرض.
لم يحدثنا أحد عن أمجاد أجدادنا في الفن والطب والهندسة والفلك، وفي مختلف أصناف العلوم والمعارف. لم يحدثنا أحد عن الحضارات التي نشأت على هذه الأرض، وعن إسهامات آبائنا وأجدادنا في بناء تاريخها.

بل إن ما تلقيناه في كثير من المراجع والمناهج التاريخية كان، في أحيان كثيرة، يقلل من شأننا، وينسب الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض إلى أقوام آخرى، من الرومان إلى الوندال، ومن العرب إلى الفرنسيين.

لقد كنا، في كثير من الأحيان، نُقدَّم لأنفسنا وكأننا بلا جذور، وبلا ذاكرة، وبلا إسهامات في الحضارة الإنسانية؛ وكأن وجودنا يقتصر على أن نعيش ونأكل ونشرب ونتكاثر، دون أن نعرف من نحن، ومن أين جئنا، وماذا ترك لنا أجدادنا من إرث حضاري وثقافي.

وهكذا، أُضعفت صلتنا بتاريخنا وهويتنا من خلال مناهج دراسية ساهم في إعدادها، منذ بداية الاستقلال، مدرسون ومؤلفون من الشرق، سواء في المناهج المقدمة باللغة العربية أو من الغرب لتلك الموجهة باللغة الفرنسية. وكانت النتيجة أن نشأ كثير من أبناء هذا الوطن وهم لا يمتلكون معرفة عميقة بتاريخهم، ولا يشعرون بما يكفي من الاعتزاز بالانتماء إلى هذه الأرض.

وما لم تستطع المناهج الدراسية محوه أو إضعافه، جاء الإعلام ليكمل، في بعض جوانبه، ما عجزت عنه المدرسة.

فقد ساهمت بعض البرامج التي تناولت الهجرة إلى أوروبا في تكريس صورة انتقائية عنها، من خلال التركيز على النماذج الناجحة لمغاربة ومغربيات استطاعوا بناء مسارات مهنية واجتماعية ناجحة في الضفة الأخرى: شاب أصبح رجل أعمال، وفتاة أصبحت صاحبة مشاريع، ومغربي نجح في مهنته، وآخرى حققت مكانة اجتماعية متميزة.

أنا لا أحد أعترض على تقديم هذه النماذج والاحتفاء بها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى الصورة الوحيدة للهجرة، وعندما يترسخ في ذهن الناشئة أن النجاح يوجد دائماً في الضفة الأخرى، وأن من أراد أن ينجح في حياته فما عليه إلا أن يهاجر.

كان من الضروري، (كما كنت دائما اقترح أثناء نقاش البرامج التلفزيونية) إلى جانب هذه النماذج، أن يسلط الإعلام الضوء على الوجه الآخر للهجرة، أي أن يتناول مواضيع حول صعوبات الاندماج، والعنصرية والتمييز، والعنف، والبطالة، والفقر، والهشاشة الاجتماعية، وغيرها من التحديات التي يعيشها عدد من المهاجرين، حتى يكون الشاب والشابة على بينة من أمرهما، وحتى يعرف المشاهد المغربي أن أوروبا وأمريكا وغيرها ليست جنة الفردوس، وأن الهجرة ليست طريقاً مضموناً إلى النجاح.

واليوم، وأنا أتابع مشاهد المغاربة الذين يحاولون العبور جماعياً نحو سبتة، ومحاولات الوصول إلى مليلية، وبينهم شباب وأسر وأطفال، أعود إلى طرح السؤال نفسه: كيف وصلنا إلى أن يصبح الوطن، بالنسبة إلى بعض أبنائه، مكاناً يريدون الهروب منه؟

نعم، أقول بكل مسؤولية ان المدرسة تتحمل جزءاً من مسؤوليتها عندما تفشل في ربط التلميذ بوطنه وتاريخه وهويته عبر المناهج الدراسية، والإعلام يتحمل بدوره مسؤوليته عندما يصنع، من خلال صورة انتقائية، حلماً يبدو وكأنه لا يتحقق إلا في الضفة الأخرى.

أما الأسرة، فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل ما زالت لدينا مؤسسة الاسرة التي تؤدي دورها في التربية على الانتماء؟ هل ما زالت تربي أبناءها وتحدثهم عن الوطن وتاريخ الأسرة والمنطقة والبلد، وتغرس فيهم معنى المواطنة والاعتزاز بالهوية؟

ربما يبقى جواب هذا السؤال واضحًا عندما نشاهد صوراً وفيديوهات لأسر كاملة، بآباء يحملون أطفالهم على أكتافهم وأمهات يحملن رضاعهن على ظهورهن، تتسابق نحو البحر أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى.
ان التربية على المواطنة هي بناء للوعي والانتماء. والطفل الذي يعرف تاريخ وطنه، ويعتز بهويته، ويدرك مكانة بلده بين الأمم، ويعرف في الوقت نفسه حقيقة الحياة في الضفة الأخرى، يكون أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بوعي، وأقل عرضة لأن يتحول حلم الهجرة لديه إلى هروب من الوطن.

فالمطلوب ليس أن نمنع أبناءنا من الحلم، وإنما أن نتعلم ونعلمهم أن النجاح وبناء المستقبل يبدأ من بناء الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى