ولتدعيم هذا الطرح، يُستحضر دليل علمي يتمثل في دراسات جينية أُنجزت على عينات من المغاربة من مناطق مختلفة، حيث خلصت إلى أن نسبة 85 بالمائة من المغاربة تعود أصولهم إلى جذور أمازيغية، مقابل 7 بالمائة من أصول أوروبية، و0.08 بالمائة فقط من أصول عربية قادمة من المشرق، وهي نتائج وإن كانت تظل قابلة للنقاش العلمي، فإنها تعزز فكرة الامتداد الأمازيغي العريق في هذه الأرض.
أما مصطلح “المور”، الذي أثار ضجة كبيرة خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تعددت حوله التفسيرات. فهناك من يعتقد أنه مصطلح أطلقه الأوروبيون على سكان شمال إفريقيا باعتبارهم مزيجاً بين العرب والأمازيغ، غير أن هذا الاعتقاد يُعدّ في نظر بعض الباحثين غير دقيق. إذ يذهب الدكتور المؤرخ عبد الخالق كلاب إلى أن كلمة “المور” تحمل دلالة في بيئتها المحلية، وترتبط بمعانٍ نابعة من داخل الثقافة نفسها، ولا تحيل بالضرورة إلى توصيف خارجي.
وفي هذا السياق، يُستشهد بما أورده الجغرافي الإغريقي سترابون، المتوفى سنة 24 ميلادية، حيث أشار إلى أن الإغريق كانوا يطلقون على سكان شمال إفريقيا تسمية “الموريزيون”، كما أن التسمية اللاتينية والأهلية (أي التي يستعملها أهل البلاد) كانت “المورييون”، وهو الاسم الذي تبناه الرومان لاحقاً بعد دخولهم إلى المنطقة، حيث وجدوا أن الساكنة المحلية تستعمله للإشارة إلى نفسها.
وما يعزز هذا الطرح هو وجود جذور لغوية داخل الأمازيغية نفسها، حيث نجد كلمات متداولة مثل “تمورت” التي تعني الأرض أو الوطن، و”أمور” التي تدل على النصيب أو الانتماء، و”أموران” التي تُطلق في بعض مناطق سوس على الرجل القوي الشجاع المقاتل. كما نجد قبائل تحمل أسماء مثل “أيت أمور” أي أبناء الأرض، وهو ما يعكس رسوخ هذا المعنى في الوعي الجماعي.
ومن الأمثلة الدالة أيضاً، استعمال تعبير “أمور ن واكوش” المرتبط بمدينة مراكش، والتي تُعد عاصمة أول دولة مركزية قوية في تاريخ المغرب، حيث يُفهم هذا التعبير على أنه يعني “أرض الله”، وهو ما يبرز الارتباط العميق بين الأرض والانتماء في الثقافة المحلية. فالأهالي في تصورهم، يسمّون الأرض “تمورت” ويعبّرون عن انتمائهم لها من داخلها لا من خارجها.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن مصطلح “المور” يحمل دلالة محلية خالصة، في مقابل تسمية “المغرب” التي لا تنبع من الداخل، بل تعكس رؤية جغرافية مرتبطة بالمشرق، حيث يُطلق هذا الاسم باعتبار الموقع الغربي بالنسبة له. فـ”المغرب” يعني ببساطة الجهة الغربية، أي أنه توصيف ينطلق من مركز آخر يرى هذه الأرض من زاويته الخاصة.
وهنا يطرح سؤال جوهري: من الذي أطلق علينا اسم “المغرب”؟ الجواب واضح، إنه تصور مشرقي يرى هذه البلاد من موقعه الجغرافي. فهل يمكن مثلاً لشخص في أوروبا أو أمريكا أن يستعمل نفس التسمية بنفس المعنى؟ بطبيعة الحال لا، لأن دلالة الاسم مرتبطة بزاوية نظر محددة. وهذا يعني أن استعمالنا لتسمية “المغرب” يحمل في طياته نوعاً من تبني رؤية خارجية للذات.
وفي المقابل، فإن استعمال تسميات مثل “بلاد المور” أو “الموريين” يعكس مركزية داخلية، أي أن الإنسان يعرّف نفسه انطلاقاً من أرضه وهويته الخاصة، لا من خلال موقعه بالنسبة لغيره. فحين نقول “تمورت”، فإننا نستحضر الأرض بوصفها مجال الانتماء، وحين نقول “المور”، فإننا نستحضر هوية متجذرة في هذه الأرض.
كما أن المثير للاهتمام هو أن العديد من لغات العالم ما تزال تستعمل تسميات مشتقة من “المور”، ففي الفرنسية نقول Maroc، وفي الإنجليزية Morocco، وفي الإسبانية Marruecos وهي كلها تسميات تحيل بشكل أو بآخر إلى هذا الجذر التاريخي، لا إلى المعنى الجغرافي لكلمة المغرب.
وخلاصة القول، إن النقاش حول هوية المغرب وتسمياته ليس مجرد جدل لغوي، بل هو في عمقه سؤال حول كيفية تمثلنا لذاتنا: هل نراها من الداخل من خلال جذورها الأمازيغية العريقة، أم من الخارج عبر تسميات تعكس رؤية الآخرين؟ وبين هذا وذاك، يظل المغرب أرضاً ضاربة في التاريخ، وهويةً تتشكل من عمق الانتماء وتراكم الحضارات.
خالد خالصي: طالب بالمدرسة العليا للتربية و التكوين وجدة تخصص اللغة الأمازيغية
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
