أخبار عاجلة

العدالة التصالحية في التشريع المغربي..”احساين أعبود” انموذجا في الصلح العرفي بإملشيل.

أحمد شݣنو
أحمد شݣنو

تسير منظومة التشريع بالمغرب في اتجاه إعطاء مكانة هامة و أولية للعدالة التصالحية عبر إقرارها قانونيا أولا، ثم ثانياً العمل على توسيع مجال ونطاق تطبيقاتها، آخرها ما ينص عليه قانون المسطرة الجنائية المعدل 03.23 الذي جاء بمستجدات هامة عبر توسيع من وعاء الجرائم القابلة للصلح، حيث أصبح يشمل إلى جانب الجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل، الجنح المعاقب عنها بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى مائة ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. بالإضافة ايضاً إلى النقاش الدائر حول مشروع مراجعة القانون الجنائي بتضمنه لتعديل هو الآخر مهم و يسير في نفس المقاربة، حيث سيتم التنصيص فيه كما صرح السيد وزير العدل في مارس الماضي داخل قبة البرلمان، على أن الصلح يُوقف الدعوى العمومية في جميع مراحلها.

وأما على مستوى المنازعات الأسرية فتكتسي العدالة التصالحية مكانة في غاية الأهمية لما لها من أبعاد إنسانية، لذا نص المشرع على إمكانية إجراء الصلح في هذا النوع من النزاعات في محاولة منه للتقليل من التفكك الأسري لما يُخلِّفه من أضرار وظواهر اجتماعية سلبية، وهو ما أقرته المادة 82 من مدونة الأسرة والتي تلزم المحكمة بمحاولة الصلح بين الزوجين في قضايا الطلاق، وتفرض جلسة ثانية للصلح في حالة وجود الأطفال. بل أكثر من ذلك فمن مقترحات اللجنة المكلفة بتعديل مدونة الأسرة اقترحت إحداث هيئة غير قضائية للصلح و الوساطة.

نفس الأمر على مستوى التنظيم القضائي فالمادة 13 من القانون 38.15 تنص على أنه يمكن للمحكمة المعروض عليها النزاع ما لم تكن محاولة الصلح إجبارية بنص قانوني، دعوة الأطراف لحل النزاع عن طريق الصلح أو الوساطة الاتفاقية في الحالات التي لا يمنع فيها القانون ذلك.

لكن فبالرغم من المجهودات التشريعية المبذولة في اتجاه ترسيخ العدالة التصالحية يبقى تنزيلها على أرض الواقع يعرف صعوبات لا تخفي على أهل الميدان.

في هذا القصور القضائي لتطبيق العدالة التصالحية تبرز أهمية الصلح في ثقافتنا المجتمعية، حيث نجد في أعرافنا الأمازيغية أو “إيزرفان إيمازيغن” تضع العدالة التصالحية في مرتبة عالية لفض النزاعات وحماية الأسر من التشتت وحفظ كرامة المرأة و الأطفال، كما أنها ترسّخ قيم التضامن و التسامح داخل المجتمع صيانة للسلم الاجتماعي بدل الانتقام.

وسؤال من يمارس هذه الآلية(الآلية التصالحية)؟ وكيف يمارسها؟ وما هي شروط تحقيقها؟ ونسبة نجاحها من عدمه؟ و أسئلة أخرى يتطلب الجواب عنها دراسة معمقة للمنظومة القانونية العرفية الأمازيغية، ليس فقط باعتبارها مصدرا للتشريع بل كقوة تشريعية تفتقرها أحياناً النصوص التشريعية الرسمية، منها يستمد المشرع اصلاحاته لمجموعة من القوانين التشريعية من دراسات خبراء القوانين العرفية على غرار نظرية الكد و السعاية للمحامي المرحوم “الحسين الملكي”.

بمنطقة إملشيل بإقليم ميدلت وعلى كل مجال قبيلتي أيت حديدو و أيت عبدي بالأطلس الكبير الشرقي، حيث لازال العمل بالصلح أمرا قائما بل لا يخلو أي نزاع أو دعوى أسرية كانت أو زجرية دون سلك مسطرة الصلح العرفية، ولهذه المسطرة رجالاتها ذائعي الصيت بالمنطقة يتميزون بخبرة و حنكة وقوة في الإقناع، وملكة جبر الخواطر للحصول على تنازلات من الأطراف من أجل الوصول لحل وسطي يرضي الطرفين للإبرام عقد الصلح بينهما، من بينهما (رجالات الصلح) على سبيل المثال لا الحصر السيد “احساين أعبود” كشخصية خبيرة في ميدان العدالة التصالحية العرفية،مشهود له أنه يجمع بين الحكمة و الرزانة من جهة، و الذكاء قبل القوة في الخطاب الحجاجي و الإقناعي للأطراف تحت قناع حرية الاختيار من جهة مقابلة.

فاحساين أعبود احتك بميدان الصلح منذ سنّ مبكّرة عبر حضوره لمجالس الصلح بقريته وكيفية إدارة وتدبير جالسته. وفي سنة 1978 فتح مكتب “كاتب عمومي” و هو الأول من نوعه بدائرة إملشيل آنذاك وكانت هي سنة بداية ممارسته لمهنة “قاضي الصلح العرفي” إن صحَّ التعبير أو الصّفة، وللمفارقة أن كل صاحب محل تجاري ينظر للزبناء كمصدر لربحه إلا أن عمي حساين أوّل ما يسلكه حينما يقصده أحد المواطنين لكتابة مقال افتتاحي لرفع الدعوى في القضايا الزجرية أو المدنية أو الأسرية هي استحضاره أولا لمسطرة الصلح العرفي قبل الربح المادي للمّ الشمل الأسري أو لفض النزاعات الزجرية بما يحفظ التماسك الأسري والسلم الاجتماعي على حد سواء من خلال بذل الجهد لاقناع الأزواج للعدول عن الطلاق أو التطليق أو لحث أطراف النزاع للانتصار لمبدأ الصلح و سلك مسلك تعويض الضحايا أو آهاليهم من أجل التنازل بدل سلك مسلك المسطرة القضائية.

تعد تدخلات السيد احساين أعبود سواء بمفرده أو مع زملاءه في الميدان بالمئات، كثيرها مرتبطة بالقضايا الأسرية( خلافات زوجية، الإرث…) لكن أيضا كثيرة هي القضايا المعقدة التي تدخَّل فيها وألَّف بين القلوب وأخمض نيران الغضب و نزعة الانتقام بين الإخوة و الجيران بل وحتى بين القبائل، فمنطقة “إمغال” تشهد له بتدخله البطولي باقتراح من السلطات المحلية بإملشيل في تسعينيات القرن الماضي للتدخل لحل صراع قبلي دامي و معقد حول المراعي المحروسة “أݣدال” بين قبيلتي أيت عبدي التابعة آنذاك  لإقليم الرشيدية و أيت داود أوعلي التابعة لأزيلال  بعد أحداث مؤسفة دارت بين الطرفين وتمكن السيد احساين أعبود بحنكته من نزع فتيل تلك الفتنة الدائرة آنذاك بين أبناء القبيلتين.

كما تدخل في قضايا لا تقل تعقيدا من السالفة، سقط فيها ضحايا وتعتزم آهاليهم الثأر لهم إلا أنه يعرف بتدخلاته كيف يخمد غريزة الانتقام خصوصا في مثل هذه المناطق التي يعد الذود في سبيل الشرف و النسب و القبيلة و مجالها طبع من طباع الساكنة.

فالرجل لا يبخل عن كل من دعاه لأجل الصلح بمنطقة إملشيل و اوتربات إلى الريش، ومن بوزمو إلى أݣدال وصولا إلى إقليم تنغير بمسمرير وتلمي وقلعة مݣونة. يتنقل أكثر مما يجلس في محله، وغالبا ما كان يهاجر تاركا لأسرته حتى لأسبوع لهذه الغاية، وفي هذا السياق صرَّح لي ما مرة أن أسرته تتفهم وتتقبل هجرته لها سعيا للصلح بين المتنازعين، يضيف أنه “لو لم تكن كذلك لا قاموا بطردي من المنزل” هكذا صرّح وهو مبتسما.

على أي، فمقالتنا لا تكفي ولا تفي بالإلمام الشامل على جوانب العدالة التصالحية العرفية ولا لشخصية احساين أعبود، ولا تمحص  عمله و مغامراته اليومية الساعية لإبرام محاضر الصلح العرفية.

لكن هي فقط محاولة متواضعة منا لحث المهتمين و الدارسين و الباحثين في العلوم القانونية للدراسة والبحث في الأعراف الأمازيغية ومع مثل هؤلاء الكنوز لإغناء المكتبة القانونية وتجويد منظومتنا التشريعية واستفادة مؤسستنا القضائية من إنتجات أجددنا العرفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *