ينقلنا الـمؤلف؛ الأستاذ أحمد النظيفي، عبر محتوى هذا الكتاب القيـم؛ من خلال الـحفر في ذاكرته؛ إلى ظرفية دقيقة من تاريخ الـمغرب، في بداية الـخمسينيات من القرن الـماضي، ليستعيد ذلك الـمخزون في ذاكرة طفل من أحداث يـمتزج فيها ما عايشه في مسقط الرأس؛ في فضاءاته الرحبة؛ وبين أحضان والدته الـحنون؛ وأقرانه الأطفال الصغار؛ في تلك القرية الـجبلية الـجميلة والهادئة أسغا، وما سيعيشه في فضاء غريب عنه، يـملؤه الصخب الذي لا يكاد ينقطع، بعد قيام والده بانتزاعه بصعوبة من ذلك الفضاء الفسيح من حضن أمه، حيث تعارضت رغبتان؛ رغبة الأم الـحنون التي تشبثت بطفلها ولا تستطيع فراقه؛ حيث تعتبره مازال طفلا صغيـرا يحتاج إلى رعايتها؛ ورغبة الوالد الذي يـرى رأيا آخر فهو كان يـرغب في إكساب ابنه تعليـما جيدا يوفر له سبل الـمستقبل الأفضل.
وبعد انتصار رغبة الوالد في نقل ابنه معه إلى مدينة الدار البيضاء في نهاية الأربعينيات وبداية الـخمسينيات من القرن الـماضي؛ وهي ظرفية تاريخية دقيقة وصعبة في تاريخ الـمغرب؛ الذي كان ما يزال يـرزح تحت نيـر الاستعمار، متأثرا بذيول وتبعات الـحرب العالـمية الثانية، حيث عانى فيها الشعب الـمغربي من نقص الـمنتوجات الفلاحية والصناعية، إذ كانت السلطات الاستعمارية تستنزفها لتصديـرها إلى فرنسا، التي خرجت توا من الـحرب العالـمية الثانية مثقلة بأزمتها الاقتصادية، وكان الـمغاربة أيضا ضحاياها حيث انعكست عليهم الأزمة الاقتصادية؛ فتـم تقنين توزيع الـمنتوجات من السلع وغيـرها؛ فسمى الـمغاربة تلك الظرفية بعام «البون».
اقترنت أيضا بتشكيل خلايا الـمقاومة للاستعمار بـمدينة الدار البيضاء؛ وشارك فيها التجار الصغار والـمتوسطون ومنهم والد الطفل الذي تـم نفيه إلى مسقط رأسه ووضعه تحت الإقامة الإجبارية وعمه الذي سجن أيضا، وخاله الـمقاوم داخل منظمة الهلال الأسود الذي تـم اغتياله وهي نفس الـمنظمة التي ينتـمي إليها عمه.
عاش الطفل في الـمدينة القديـمة بالدار البيضاء مع والده البقال الـمقاوم يتردد بين مدرسته؛ مدرسة أبناء أعيان الـمسلـمين في الـحي الدبلوماسي الـمطل على ميناء الـمدينة، ومتجر الوالد، فرصد في مؤلفه كل مازال عالقا في ذاكرته من أحداث؛ سواء في مؤسسته حيث وصف بشكل دقيق ما كان يدور في فضائها من أحداث، وعلاقته بـمعلـماته ومعلـميه ومديـر الـمؤسسة وتلاميذها، ليعطينا لـمحة عن واقع التعليـم في أواخر عهد الاستعمار وبداية عهد الاستقلال، أو في متجر الوالد ومتجر الأعمام، حيث وثق مشاهداته في الـحي الذي يقطنه ليذكرنا بحياة التجار الصغار وعلاقاتهم بزبنائهم في تلك الفترة، وكيف انخرطوا في الـمقاومة ضد الاستعمار بأشكال مختلفة، والتي كان هو نفسه مقحما فيها دون شعوره؛ لأن عمه سعيد كان يـرسل معه إلى زميله الـمقاوم في درب السلطان أسلـحة خفيفة كمسدسات داخل حقيبته؛ لكونه طفل لا يثيـر شكوك الـمخبرين والـجيش الفرنسي.
يعتبر كتاب الأستاذ أحمد النظيفي، الطفل بين مدرستي الاستعمار والـمقاومة؛ وثيقة مهمة للتأريخ لـمجموعة من الأحداث الاجتـماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية لـمرحلة أواخر عهد الاستعمار وبداية الاستقلال بالـمغرب، فهو مرجع مفيد لـمن يـريد الاطلاع على جزء من السياق التاريخي لتلك الظرفية.
هنيئا للـمؤلف على هذا الإصدار القيـم، في انتظار أن يخرج لنا ما راكمه من تجارب غنية ومفيدة في الـمجال الاقتصادي والتربوي والإداري والسياسي ضمن مؤلفات جديدة إن شاء الله تعالى.
أتـمنى له التوفيق والصحة الـجيدة والعمر الـمديد.
ذ. ميلود بكريـم
الـمحمدية، بتاريخ 12 دجنبر 2025
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
