أصيلة المغربية بين صيفين اثنين متتاليين

عادل الزبيري

غشت/ آب/ أغسطس 2019
عندما يأتي الأول من غشت، تكون بطارياتي انتهت، وأحتاج إلى راحة للجسد وللعقل وللروح؛ من تعب سنة مهنية.

توجهت صوب مدينة أصيلة في شمال المغرب، كما هي عادتي منذ عقد من الزمن، وهدفي واحد هو اللحاق بعائلتي الصغيرة، في لجوءها الاجتماعي الصيفي.

فكرت طيلة طريق سفري، في حصاد عام مهني مضى، رغم أنني لا أحب الحصاد بلغة الحسابات، وأعشق مواصلة حلم قديم، لا زلت أحرثه، البحث عن أفضل القصص الصحافية، التي يمكن لي أن أحكيها على شاشة التلفزيون.

وصلت مدينة أصيلة، وجدت وجبة سمك تنتظرني، أكلت هنيئا بعد أيام من أكل مطاعم الرباط وسلا، وخيارات قليلة، وتكرار آلي للوائح الطعام، وغياب للتنويع والتنوع.

فثقافة الأكل السريع والسناك، تهيمن بشكل شبه كامل، على المناخ المطعمي، في مدينتي سلا، وجارتها الرباط.

وأخيرا أمسى بإمكاني إغلاق هاتفي المحمول، أو جعله على وضع الطائرة، والاستسلام الكامل لعلاج اضطراب النوم، كانت ركبتي لا تزال تأن ألما.

ففي كل صباح، كنت أزيل كمادات الثلج، قبل مغادرة سرير الراحة الصيفية، من تعب العمل والمرض.

ففي أصيلة، استولى الباعة الجائلون على شارع الحسن الثاني، القلب النابض لهذه المدينة الأطلسية الصغيرة، فما إن يأتي المساء، حتى يصبح تحريك سيارة مهمة مستحيلة، وسط آلاف من “الفراشة”، الذين حولوا باب الحومر التاريخي، إلى مشهد لا يسر العابرين الناظرين.

أعتقد أن الأزمة الاجتماعية لا تبيح بأي شكل استباحة الأماكن بدون استئذان.

ففي الصيف، يأتي باعة متجولون من مدن أخرى، لتحقيق نشاط تجاري مربح، في البلدات السياحية الصيفية، عبر تجارة الرصيف؛ لأن الناس تقضي نهارها بحرا، فيما يجري إغراءها للتسوق ليلا؛ فبائع ملابس كان يتعمد ارتداء كسوة نسائية، من اللواتي يبعهن، لشد انتباه النساء.

ففي أصيلة، هيمن باعة الحلزون بعرباتهم على الكورنيش، فصاروا عمليا سادة المكان، في كل ليلة صيفا، ومنشطوه الأساسيون، والمنادون على الزوار لتناول “الببوش”/ “غولال”.

تحولت السياحة في المغرب إلى نشاط اجتماعي تضامني.

ففي أصيلة، لا تظهر تأثيرات ميدانية لمعادلة الثقافة في خدمة التنمية.

في غشت، ترتفع درجة الحرارة المناخية نهارا، فأحاول اللجوء إلى المحيط الأطلسي لحمام شمس وحمام ماء بارد.

ولا يريد مراهقون في شواطئ أصيلة، ترك المصطافين يرتاحون، فيركولون كرة القدم في كل اتجاه.

وأما المصطافون في كل تجمع عائلي، إلا الاستثناءات التي لا يقاس عليها، فحملوا معهم نصف المطبخ، بغية إعداد وجبة غذاء جماعي، وما إن تستعد الشمس للرحيل اليومي، يرحل المستحمون عن شاطىء المحيط الأطلسي؛ تاركين وراءهم كما من نفايات.

أما الغلاء فيضرب أيضا المصايف، 40 درهما لكراء كراسي ومظلة، بينما كأس شاي أخضر فلا يقل عن ما بين 10 و20 درهما مغربيا، بينما شواية من 6 سردينات، فلا تقل عن 20 درهما، ويمكن تناول سندويتش تونة مع الخضار ب 30 درهما مغربيا.

كلما وجدت رشيد، من يلقب بأفضل صانع صينيات بيتزا الفقراء، أي كالينطي، أطلب درهما أو اثنين.

في تفاصيل العطلة الصيفية السنوية، فوضى غير خلاقة، تضرب كل شيء، حشاشون لا يترددون في قضاء جزء من ليلتهم في زقاقات المدينة العتيقة في أصيلة، ينشرون الضجيج والصخب ودخان لفائف الحشيش.

هذا الصيف، انتقلت فرقة الطرب الأندلسي إلى مقهى آخر، فأصبح المقهى الأزرق، أي الزريرق، خاويا من العاشقين من زبناءه.

في مدينة أصيلة، تجرأت شابتان على كسر هيمنة عربات البابوش، بالاشتغال في عربة لصناعة المعجنات الأوروبية = Crêpes.

أشعر أن الصيف فقد مذاقه الأصلي، والشمس تمارس هروبا نهاريا، لأنها ربما تعبت من تدفئة أجسادنا.

أعتبر شهر غشت محطة استراحة، لتجميع أكبر عدد من ساعات النوم، وهو ما لم يتحقق هذا العام للأسف الشديد، جراء المرض.

أتمنى أن تستمر أصيلة تفتح أبوابها لزوارها، وأن تعتني بجمالها أكثر، وأن تطرد أصحاب مطاعم عشوائية، لأنهم حولوها لسويقة شعبية، وأن تحارب الغلاء في الأسعار، وأن تطرد من زقاقاتها كل حشاش مراهق، وأن توقف فوضى الجائلين من الباعة، وأن تستعيد ثقة عشاقها فيها من جديد.

لا زلت أرفض الانضمام إلى المهاجرين القانونيين إلى خارج المغرب صيفا، بحثا عن عطلة سنوية بعيدا عن الوطن، بالرغم من شربي لكؤوس مرارة في كل موسم اصطياف صيفي في مصايف بلدي المغرب.

الصورة الكاملة في تقديري، عن شهر غشت المغربي، بحث عن الراحة، ومجهود لتجنب فخاخ المصايف، وابتعاد عن مصادر الضجيج.

وأما أصيلة كما عرفتها في تسعينيات القرن العشرين، ومعها مدن أخرى تطل على البحر، فتشتكي في صمت، في غياب من ينصت للأنين.

غشت/ آب/ أغسطس 2020
سعدت كثيرا لأنني وجدت محلا تجاريا يبيع قمصانا صيفية مكتوب عليها بلغة لاتينية ASILAH، فاشتريت منها ثلاثة.

لا تربطني بهذه البلدة الأطلسية الصغيرة، أي مصالح نفعية، لأنني أعتبرها مستشفى أجد فيه راحتي، ومكانا لاسترجاع عافيتي من مطاردة عقارب ساعة الأخبار، ومصدرا طاقيا لشحن بطاريات قلبي، وشاطئا أرمي فهي هموم روحي.

لكل مكان أسرار دفينة يكتمها إلا عن العاشقين الصادقين، الذين لا يهمهم سباق انتخابي، ولا وصولية سياسية، ولا مجاملة لصاحب مطعم أو حانة او مقهى، لأن الحرية تقتضي في الحب الوفاء بعدم التبعية، ولا سمسرة في ملف له خيوط تصل إلى طنجة أو الرباط أو ادعاء امتلاك مفاتيح هنا أو هنالك، فالحب صافي لوجه رب كريم.

أثقلت جائحة فيروس كورونا كاهل بلدة أصيلة، فبقيت وحيدة في صيف 2020، إلا من قلة عشاق قرروا الاستمرار في وصالهم لأنهم محبون صادقون لها، وأنا منهم.

لا يمكن تحمل الحشاشين والمدمنين، ولو أنهم سكان المكان اليوم بالممارسات اليومية السلبية، فهم يجلسون على يمين وعلى يسار باب الحومر التاريخي، فلا يتركونك تمر دون أن يرموك بسهام نظراتهم الحادة جدا، او ينفثون دخان لفائفهم اتجاهك، خصوصا إذا كانوا لا يتوفرون على ميلغ شراء تعبة المزاج.

مع احترامي لحرية كل فرد في ممارسة ما يريد، ولكن موقفي السلبي من الحشاشين، مرده إلى إصرارهم على أن يتقاسموا مع الجميع نزواتهم وإدمانهم، ونشرهم للإزعاج الصوتي في كل مكان، ولما تسألهم الرحيل، يجيب أحدهم نحن أهل المكان وسكانه، وأن علي دخول البيت وتحملهم، وهم يستغلون قانون التواطئ الاجتماعي، الذي يسود البلدة منذ سنوات وسنوات؛ فالكل يعلم ويعرف ولكن الكل يشاهد في صمت.

في صيف 2020 التاريخي، البلدة الزيلاشية الأطلسية نسجت يوميات فراغ، لم يتصورها أحد ولو باب الخيال الأدبي، بما فيهم الروائي يحيى بن الوليد، في نصه فوق عش العقل، ولا جهابدة نسج القصص الخرافية في مقاهي السور التاريخي الزيلاشي.

فكورنيش أصيلة الطويل، ترتفع فيه أصوات المزنجرات، العاملة في صياغة شكل جديد للكورنيش، على أمل أن يكون مشروعا لولادة واجهة على المحيط الأطلسي، لجذب زوار جدد من نوع جديد يضخون مالا في حصالات المقاهي والمطاعم الجديدة، ويقطعون مع مرحلة أثبتت أنها محدودية سياحة عربات الحلزون.

ترتفع شمس منتصف النهار، تفرغ المدينة من المترجلين، وحدهم قطط المدينة العتيقة يأخذون قيلولة مريحة في وسط الطريق، لأنهم تعودوا الحياة من دون بشر في زمن فيروس كورونا في المغرب.

فعندما تكلم التجار، يأتي صوت الأنين بتشك من صيف بدون سياح، يخبرني أحدهم أن السياحة الداخلية كذبة كبيرة، وفي مدخل المحل لا توجد أي ملصقات تتعلق بفيروس كورونا، ولا يقدم المحل أي محلول للتعقيم لليدين،ولا يحترم زبناء المكان التباعد الاجتماعي، وهذا مشهد يكاد يكون روتينيا، لذلك أغادر اختياريا متنازلا عن حاجياتي.

ينظر لي كثيرون ككائن نزل في سفينة من مجرة أخرى، ملتزما بارتداء الكمامة، وباستعمال منتظم للسائل المعقم، بعضهم يقول لي إن فيروس كورونا مآمرة غربية، وأن الإعلام يكذب على المغاربة، أغادر سريعا لأنني أتجنب نقاشات عقيمة.

في صيف 2020، جئت ككل صيف من كل عام، منذ 10 سنوات، للاستراحة السنوية في بيت العائلة في المدينة التاريخية، داخل أسوار القلعة البرتغالية، وواصلت حجري الصحي المنزلي.

ستعمق جائحة فيروس كورونا مشاكل بلدة أصيلة الأطلسية، في غياب نخب محلية قادرة عن تقديم وصفات جديدة، لنهضة البلدة لمرحلة ما بعد جلاء الجائحة.

ستواصل جائحة فيروس إسقاط أوهام في أصيلة وفي كل المغرب، للوبيات لها مصالح لا ترتبط بتنمية الإنسان، لأنها تسبح عكس تيار إصلاحي أساسه الإنسان، يريده العاهل المغربي الملك محمد السادس للمغاربة، وهو ما عبر عنه العاهل المغربي في خطابي عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب.

يجلس نفر إلى طاولة بيع الحلزون، يتزاحمون وهم يضحكون، فيما الشمس تغادر يوما صيفيا آخر من شهر غشت 2020، في مدينة أصيلة، يرتفع صوت يطالب باحترام قواعد السلامة الصحية، فترد عليه صاحبة العربة مخاطبة زبناءها، اجلسوا وكلوا لن تقتلنا كورونا، سنموت من الجوع.

يطالع بائع الكتب في باب الحومر المشهد، يغيب لحظة قبل أن يحضر كأسه من الشاي الأخضر المنعنع، يواصل تتبع خيوط فصول من مسرحية الحياة اليومية في باب الحومر في أصيلة المغربية.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *