كتاب وآراء

أمازيغ الهامش وتصورهم للمركز السياسي

بنيات الهوية والمقاومة والتفاوض في شمال أفريقيا

د. محمد اشتاتو – أستاذ جامعي ومحلل سياسي دولي

 ملخص

يتناول هذا المقال الطريقةَ التي يتصوَّر بها الأمازيغ الساكنون في هوامش المغرب الكبير المركزَ السياسي الذي تجسَّد تاريخيًا في الدولة والإدارة الحضرية المهيمنة. انطلاقًا من أطر نظرية مستقاة من سوسيولوجيا الدولة، ودراسات الهوية الأمازيغية، وأنثروبولوجيا العلاقات المركز-هامش، يُبيِّن المقال أن العلاقة بين الأمازيغ والمركز ليست علاقةَ نبذٍ أحادي الاتجاه، بل هي علاقة تفاوض دقيق ومتغيِّر يتخلَّله الانتقاء الرمزي والمقاومة الصامتة والاندماج الانتقائي. تتكشَّف هذه الديناميكية عبر مفاهيم التشعُّب الثقافي، وازدواجية الانتماء، والذاكرة الجمعية المضادة. وتعتمد الدراسة على مصادر من الأنثروبولوجيا المغاربية، وعلم الاجتماع السياسي، وعلوم الهوية، مقدِّمةً تحليلًا شاملًا لهذه الإشكالية الحيَّة.

أولًا: مقدمة

تُشكِّل العلاقة بين الهامش والمركز السياسي إحدى الإشكاليات المحورية في الأنثروبولوجيا السياسية وعلم الاجتماع الراهن. وفي السياق المغاربي تحديدًا، تكتسب هذه الإشكالية أبعادًا استثنائية، إذ يتقاطع فيها التاريخُ العميق للحضارة الأمازيغية مع السياقات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، ومع مسارات بناء الدولة الحديثة وتوطيد المؤسسات الوطنية. فالأمازيغ — السكان الأصليون لشمال أفريقيا المنتشرون في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومناطق الساحل — لم يكونوا في أيٍّ من المراحل التاريخية كتلةً متجانسة ذات موقف موحَّد من السلطة المركزية؛ بل تباينت علاقتهم بها تباينًا جوهريًا وفقًا للموقع الجغرافي والتنظيم القبلي والتراكمات التاريخية والموارد الاقتصادية (Hammoudi, 1997; Hart, 1981).

ينطوي مفهوم “المركز السياسي” على تعقيد بنيوي لا يُختزَل في الجهاز الإداري للدولة وحده، بل يمتد ليشمل منظومة القيم الحضرية المهيمنة، والخطاب الديني الرسمي، والثقافة العربية الإسلامية كما رسَّخها الخطاب القومي في دول ما بعد الاستقلال (Maddy-Weitzman, 2011; Silverstein, 2004). فقد وجد الأمازيغ أنفسهم في مواجهة مركزٍ متعدِّد الأوجه: مركزٌ سياسي تمثَّل في العاصمة والأجهزة البيروقراطية، ومركزٌ ثقافي تجلَّى في اللغة العربية الفصحى والهوية الإسلامية الجامعة، ومركزٌ اقتصادي يرتكز على الحواضر الساحلية ومحاور التنمية التاريخية. وفي مواجهة هذا الثالوث المركزي، طوَّر الأمازيغ استجابات بالغة التنوع والتعقيد.

يستهدف هذا المقال استيعابَ هذه الاستجابات من خلال ثلاثة محاور تحليلية مترابطة: المحور الأول يتعلق بالبنى الأنثروبولوجية لتصوُّر الهامش للمركز عبر التاريخ. والمحور الثاني يفحص الاستراتيجيات السياسية والثقافية التي أتاحت للأمازيغ التحرُّك في مواجهة الدولة أو ضمن بنيتها. أما المحور الثالث فيتناول التحولات التي أحدثتها الحداثة والحركة الثقافية الأمازيغية في هذه العلاقة الجدلية منذ منتصف القرن العشرين.

ثانيًا: الإطار النظري: ثنائية المركز والهامش في دراسات شمال أفريقيا

أسهمت الأنثروبولوجيا السياسية إسهامًا بالغًا في تفكيك الثنائية المُبسِّطة بين المركز والهامش. فقد كشف أرنست غيلنر (Gellner, 1969) في دراسته الرائدة عن قبائل الأطلس المغربي أن الهامش القبلي لا يقع خارج نطاق الدولة بمحض السلبية والانعزال، بل ينتظم في منظومة ديناميكية من التضاد والتكامل مع السلطة المركزية. وفي هذا الإطار، تؤدي المؤسسات الوسيطة — كالأضرحة والزوايا ومجالس القبائل — دور المفصل بين عالمَين: عالم الدولة وعالم الجماعة الأمازيغية.

ومن منظور مغاير، يُقدِّم عبد الله حمودي (Hammoudi, 1997) تحليلًا ثاقبًا للبنية الثقافية للسلطة في المغرب، مُظهِرًا أن الشرعية السياسية مُشيَّدة على نموذج العلاقة بين الشيخ والمريد، وهو نموذج يتشرَّبه الأمازيغ ويُعيدون إنتاجه في صورة مُعدَّلة تتلاءم مع خصوصياتهم الثقافية. ثمة إذن تكيُّفٌ تصوُّري لا رفضٌ مطلق؛ يعيد الأمازيغ بناء مفهوم السلطة في ضوء إرثهم من قيم التوافق الجماعي ونظام العُرف (أو الأعراف).

وعلى صعيد الهوية، يُشير بول سيلفرشتاين (Silverstein, 2004) إلى أن الهويات الأمازيغية لا تُقرأ ببساطة كهويات مُقاوِمة للدولة القومية، بل تتَّسم بما يُسمِّيه “الترانزيتيفية الثقافية”: إذ يتنقَّل الأمازيغ بمهارة بين الهويات المتعددة — أمازيغي، ومغربي، ومسلم، وعربي في السياق العام — انتقالًا تفاوضيًا يُحقِّق مصالح متشعِّبة في فضاءات متباينة. ويُعزِّز هذا التصوُّرَ ما قدَّمه بروس مادي-فيتزمان (Maddy-Weitzman, 2011) من تحليل للحركة الثقافية الأمازيغية، التي لا تُعرِّف نفسها حصرًا بالنقيض من الدولة، بل تسعى إلى إعادة التفاوض على شروط الاندماج الوطني من داخله.

أما ديفيد هارت (Hart, 1976, 1981) فقد رسم في دراساته الإثنوغرافية المعمَّقة لقبائل الريف وأيت عطا صورةً دقيقة لكيفية تصوُّر هذه القبائل لسلطة المخزن؛ فهي تعترف بالمخزن قوةً سياسية، وتُتعامل معه ببراغماتية حسابية دقيقة، لكنها في الآن ذاته تحتفظ بمنظومتها الداخلية للحوكمة العُرفية التي تُشكِّل الحصن الرمزي للهوية الجمعية.

ثالثًا: المخزن في الخيال السياسي الأمازيغي

يحتل مفهوم المخزن مكانةً استثنائية في الخيال السياسي للأمازيغ المغاربة؛ إذ ليس هو مجرَّد بنية إدارية، بل حضورٌ رمزي جامع يُجسِّد السلطة العليا في تجلِّياتها الدينية والسياسية معًا. وقد رصد ويليام مارسي (Marçais, 1961) هذه الازدواجية في الإدراك الأمازيغي للمخزن: من جهة، يُمثِّل المخزن مرجعية الشرعية الدينية التي تُبرِّر الطاعة السياسية، ومن جهة أخرى يُمثِّل القوة الغريبة التي تفرض الضرائب وتُجنِّد الرجال وتخترق الاستقلالية الجماعية المحلية.

وتحتفظ الذاكرة الشفوية الأمازيغية بصورة مُركَّبة عن المخزن، يتداخل فيها الإجلالُ والخشيةُ والاستهجانُ السري. فالشعر الأمازيغي الكلاسيكي — ولا سيما قصائد الريف والأطلس المتوسط — يحتفي بزعماء المقاومة الذين واجهوا قوى خارجية، وفي الوقت ذاته يتعامل مع المخزن كحقيقة باقية لا مناص من التعايش معها (Jouad, 1995; Chtatou, 1997). وهذا التوتر الجوهري بين الرفض والتكيُّف هو ما يُحدِّد طبيعة التصوُّر الأمازيغي للمركز.

ويُبرز المنهج الأنثروبولوجي الذي طوَّره هارت (Hart, 1976) في دراساته لأيث ورياغر بالريف وأيت عطا بالجنوب المغربي مبدأَ “الازدواجية التفاعلية” في علاقة القبيلة الأمازيغية بالمخزن: فالقبيلة تُقرُّ بالأخير سيادةً اسميةً في مقابل أن يترك لها حرية تسيير شؤونها الداخلية وفق الأعراف، مُحقِّقةً بذلك توازنًا ضمنيًا يُؤبِّد نظام التفاوض المستمر بدلًا من الإذعان التام أو الرفض الصريح. وهو ما يُذكِّر بما وصفه جيلنر (Gellner, 1969) بـ”تعاقد اجتماعي صامت” بين الدولة والقبيلة.

وفي الفضاء الجزائري، تُعيد قبائل القبائل (Kabyles) إنتاج منطق مشابه تجاه الدولة الجزائرية ما بعد الاستعمارية؛ إذ يصفها غودمان (Goodman, 2005) بأنها تُمارس ما أسمَتْه “التفاوض على المواطنة” من الهامش، مُطالِبةً بالاندماج الكامل في المشروع الوطني مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية واللغوية الأمازيغية كرأسمال هوياتي لا تنازل عنه.

رابعًا: الذاكرة الجمعية المضادة واستراتيجيات المقاومة

يُشكِّل التراث الشفوي الأمازيغي أحد أبرز الحوامل التي يُعيد بها الهامش تأسيسَ صورته الذاتية في مواجهة المركز السياسي. فالذاكرة الجمعية، بوصفها مفهومًا تحليليًا أسَّس له هالبفاكس (Halbwachs, 1992) وطوَّره يان أسمان (Assmann, 2011)، تُحيلنا إلى الكيفية التي تُعيد بها المجموعات المُهمَّشة بناءَ تاريخها الخاص بصورة انتقائية تُقاوم الرواية الرسمية المُهيمِنة. وفي السياق الأمازيغي، تُشغِّل الذاكرة الجمعية وظيفتين متلازمتين: حفظ الهوية الثقافية من الذوبان، والتسليح الرمزي للجماعة في مواجهة ادِّعاءات التاريخ الرسمي.

يتجلى ذلك بوضوح في القصائد الأمازيغية التي تحفظ ذاكرة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني — لا سيما في الريف المغربي والأوراس الجزائري — بوصفها روايةً مضادة للرواية القومية الرسمية التي تميل إلى العروبة والإسلام أداةً وحيدة للمقاومة التاريخية. فزعماء الريف كمحمد أمزيان والأمير عبد الكريم الخطابي (Chtatou, 1991) حاضرون في الشعر الأمازيغي الشفوي بصفتهم مقاوِمِين أمازيغيين قبل أن يكونوا مقاوِمِين مسلمين، وهي إعادةُ قراءة تحمل في طيَّاتها نقدًا ضمنيًا للمركز الرمزي (Tilmatine, 1996; Brett & Fentress, 1996).

ويذهب فنتريس ووكهام (Fentress & Wickham, 1992) إلى أن الذاكرة الاجتماعية للجماعات المُهمَّشة تنزع نحو اختيار أحداث تُعظِّم من شأن المقاومة والصمود، في حين تُغيِّب لحظات الهزيمة أو تُعيد تأطيرها في سياق الفداء والتضحية لا الكسر والإخفاق. وينسجم هذا النمط مع ما يُلاحظه الباحثون في التراث الشفوي الأمازيغي من توليد مستمر لروايات تُحوِّل الهزيمة السياسية إلى انتصار ثقافي ومعنوي، مُحقِّقةً بذلك ما يُمكن تسميته “استمرارية هوياتية” في مواجهة ضغوط الاستيعاب والإقصاء.

وعلى الصعيد المؤسسي، ظلَّ القانون العُرفي الأمازيغي — المعروف بـ”إيزرف” أو “الأعراف” — يُشكِّل منظومةً موازيةً للقانون الرسمي للدولة، وهو ما وثَّقه ويسترمارك (Westermarck, 1926, 1930) في دراساته المُستفيضة. وقد مثَّل هذا القانون العُرفي الذاكرةَ القانونية للجماعة وحصنَها من الاختراق المؤسسي للمركز، إذ يستمد شرعيته من الإجماع الجماعي والسلطة الأخلاقية للشيوخ لا من قوة الدولة.

خامسًا: غموض الانتماء — بين الاندماج الانتقائي والهوية المضاعفة

لا يمكن فهم موقف الأمازيغ من المركز بمعزل عن ظاهرة ما يُمكن تسميته “الانتماء المضاعف” أو “الهوية متعددة الأوجه”. فعلى عكس التصوُّر الحادِّ الذي يضع الهوية الأمازيغية في تناقض جذري مع الهوية الوطنية الجامعة، تكشف الشواهد الإثنوغرافية عن أنماط من التسكُّن المتزامن في هويات متعددة: الإيمازيغي يُحدِّد نفسه أمازيغيًا في الحفلات والأعراف والتراث، ومغربيًا أو جزائريًا في الفضاء العام السياسي، ومسلمًا في الأفق الديني الكوني (Silverstein, 2004; Maddy-Weitzman, 2011).

يُحلِّل بيار بورديو (Bourdieu, 1977) آليات إعادة إنتاج الهيمنة من خلال ما أسماه “رأس المال الثقافي”، وهو مفهوم ينطبق بجلاء على وضعية الأمازيغ: فإتقان العربية الفصحى وتمثُّل القيم الحضرية المركزية يُوفِّران موردًا رمزيًا أساسيًا للحراك الاجتماعي الصاعد في مجتمعات ما بعد الاستقلال. ومن هنا، لم يكن الاندماجُ اللغوي والثقافي في المركز استسلامًا دائمًا، بل كان في أحيان كثيرة استراتيجيةً عملية للنفاذ إلى الفضاء العام والموارد مع الاحتفاظ بالهوية الأمازيغية في الفضاء الخاص.

وهذه الظاهرة تحديدًا هي ما يُسمِّيه سيلفرشتاين (Silverstein, 2004) “الترانزيتيفية” في الهوية: القدرة على التنقل بين الأطر الهوياتية المختلفة في سياقات متباينة. وهي لا تعني انعدام الهوية الجوهرية، بل تعني امتلاك هوية مرنة تُوظِّف السياق توظيفًا حسابيًا. يدعم هذا القول ما رصده جيلنر (Gellner, 1969) من أن أولياء الأطلس كانوا يُجسِّدون الوسيط الهوياتي بين عالمَين: القبيلة الأمازيغية والدولة المركزية، مُحقِّقِين نوعًا من الجسر بين منظومتَي القيم.

وفي السياق الجزائري، أعادت أحداث “الربيع الأمازيغي” عام 1980 وما تلاها من حراك ثقافي ترتيبَ أولويات هذا التفاوض الهوياتي؛ إذ بات جيل جديد من الأمازيغ يُطالب باعتراف الدولة بهويته لا من خلال الانفصال عنها، بل من خلال إعادة تعريف المواطنة الوطنية ذاتها على أسس تعددية تستوعب التنوع اللغوي والثقافي (Tilmatine, 1996; Goodman, 2005).

سادسًا: إعادة التأطير في سياق الدولة ما بعد الاستعمارية

أحدث الاستقلال الوطني في المغرب (1956) والجزائر (1962) تحولًا جوهريًا في طبيعة العلاقة بين الأمازيغ والمركز السياسي؛ إذ تعاملت دول ما بعد الاستقلال مع الأمازيغية تعاملًا مُزدوجًا: فبينما استُدعِي الأمازيغ إلى المشاركة في البناء الوطني بوصفهم مواطنِين، مُورِست عليهم سياسات التعريب التي ضيَّقت الفضاء العام للغة الأمازيغية وأقصتها من التعليم والإعلام والإدارة (Maddy-Weitzman, 2011; Tilmatine, 1996).

وقد فسَّرت الجماعات الأمازيغية سياسةَ التعريب كأداة رمزية للمركز لتعميق قبضته على الهامش الثقافي، لا كمشروع توحيدي حيادي. ولذلك، ظلَّ المُثقَّفون الأمازيغيون يُنبِّهون إلى الفارق بين العروبة السياسية كأيديولوجيا دولة وبين الإسلام كهوية مشتركة — مُؤكِّدِين أن الأول أداةٌ لإعادة إنتاج هيمنة المركز، أما الثاني فهو إرث مشترك لا تنازع فيه. ويُعبِّر عن هذا الموقف بجلاء اشتاتو (Chtatou, 1997) في دراسته لتأثير الأمازيغية على العربية المغربية، مُظهِرًا كيف أن اللغة ذاتها تُمثِّل ساحةً للتفاوض الهوياتي لا للذوبان الأحادي.

وعلى صعيد الاستجابة المؤسسية، شكَّل إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (إيركام) في المغرب عام 2001، ثم الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغةً رسميةً عام 2011، منعطفًا بارزًا في مسار إعادة تأطير العلاقة بين الهامش الأمازيغي والمركز. غير أن المقاربة النقدية التي يتبنَّاها مادي-فيتزمان (Maddy-Weitzman, 2011) تُشير إلى أن هذا الاعتراف الرسمي ليس حسم هذا التوتر بل هو مرحلة جديدة فيه؛ إذ لا تزال إشكاليات التطبيق الفعلي وتوزيع الموارد وتمثُّل الهوية الأمازيغية في الفضاء العام تُعرِّف طبيعة التفاوض المستمر بين الهامش والمركز.

وفي هذا الإطار، يُقدِّم أومسين (Amselle, 2001) مفهومَ “الهجنة المُبرمَجة” كأداة تحليلية لفهم هذه الظاهرة: فالدولة ما بعد الاستعمارية تُدمِج عناصر من ثقافة الهامش في خطابها بصورة منتقاة تُحيِّدها رمزيًا وتُوظِّفها لتعزيز مشروعيتها الوطنية، دون أن تُفضي هذه العملية إلى تغيير حقيقي في بنيات القوة المُنتِجة للهيمنة المركزية.

سابعًا: الديناميكيات المعاصرة — الرقمنة والحراك الأمازيغي وإعادة تعريف الهامش

تُلقي التحولات التكنولوجية الراهنة بظلالها على معادلة الهامش والمركز في العالم الأمازيغي. فالفضاء الرقمي — بما يُتيحه من منصات لنشر المحتوى بالأمازيغية، والتواصل بين جاليات الشتات وجماعات المنشأ، وإنتاج ثقافة موازية خارج المؤسسات الرسمية — يُعيد رسم حدود الهامش ذاتها (Merolla, 2005). ولم يعد الأمازيغ في باريس وأمستردام وكندا مُنفصِلِين عن الحراك الثقافي في الريف والأطلس وجرجرة، بل باتوا طرفًا فاعلًا في إعادة تشكيل الهوية الأمازيغية وإنتاج خطابها الثقافي والسياسي.

ويُحلِّل ميرولا (Merolla, 2002, 2005) هذه الظاهرة عبر مفهوم “الفضاء الأدبي والثقافي” الأمازيغي عابر الحدود، مُبيِّنًا كيف أن الإنتاج الأدبي والفني بالأمازيغية في المهجر يُعيد إنتاج الهامش كمركز ثقافي بديل. وهذا التحوُّل المفاهيمي يقلب المعادلة التقليدية: فالهامش الجغرافي لا يُولِّد بالضرورة هامشيةً ثقافية أو سياسية، بل يُمكنه في ظل الشبكية الرقمية أن يُنتج نماذج هيمنة ثقافية مضادة قادرة على التأثير في مراكز القرار.

وتزداد هذه الديناميكية تعقيدًا حين نضعها في سياق ما يُسمِّيه اشتاتو (0Chtatou, 202) “الرمزية النسجية الأمازيغية”: إذ تُمثِّل الزرابي والمنسوجات والنقوش الجسدية الأمازيغية لغةً بصرية مُضمَّرة تحمل ذاكرةً هوياتية مُقاوِمة لا تنكسر أمام ضغوط الاستيعاب الثقافي. هذه الأشكال التعبيرية غير اللغوية تُؤكِّد أن الهامش لا يستجيب للمركز بالكلمة وحدها، بل بكامل منظومة تعبيراته المادية والرمزية.

وفي السياق الجيوسياسي الأشمل، يُلاحَظ أن الحركة الثقافية الأمازيغية في المغرب والجزائر استطاعت تحويل خطابها من مجال الثقافة الضيِّق إلى الأجندة الحقوقية والسياسية الأوسع، مُطالِبةً بحصص تمثيل سياسي وإصلاح تعليمي وتوزيع عادل للموارد. وهذا الانتقال من مقاومة ثقافية صامتة إلى مطالبة سياسية معلَنة هو أبلغ تعبير عن كيفية إعادة الهامش تعريفَ علاقته بالمركز في عصر العولمة وانتشار الخطاب الحقوقي الكوني (Maddy-Weitzman, 2011).

خاتمة

تكشف هذه الدراسة أن العلاقة بين الأمازيغ في الهامش والمركز السياسي لا يُمكن اختزالها في نموذج أحادي، سواء أكان نموذج المقاومة الصريحة أم نموذج الاستيعاب السلبي. ما تُظهره الشواهد الأنثروبولوجية والتاريخية هو نمط مُركَّب من التفاوض المستمر، تشتبك فيه استراتيجيات التكيُّف الانتقائي مع لحظات المقاومة الجماعية، وتتقاطع فيه الذاكرة الجمعية المضادة مع الحرص البراغماتي على العيش داخل المنظومة السياسية القائمة.

إن الأمازيغ يتصوَّرون المركز السياسي لا كقوة خارجية بالمطلق، بل كحقيقة هيكلية يتعاملون معها بخمس استراتيجيات متداخلة: الاعتراف الاسمي مع الحفاظ على الاستقلالية الداخلية، والاندماج الانتقائي حيث تُوظَّف أدوات المركز لتحقيق أهداف الهامش، والمقاومة الرمزية عبر الذاكرة الشفوية والموروث الثقافي، والتفاوض المؤسسي عبر الأحزاب والحركات والمطالب السياسية، وأخيرًا إعادة التعريف الهوياتي التي تُقلقل ثنائية المركز والهامش ذاتها في عصر الشبكية الرقمية.

وفي المحصِّلة، تُعيد هذه الديناميكية تأكيد ما خلص إليه جيلنر وهارت وحمودي: أن الهامش القبلي الأمازيغي لم يكن يومًا خارج الدولة بمحض الجغرافيا، بل كان دائمًا في تماسٍّ معها يُحدِّد طبيعته التوازنُ الهشُّ بين قوة الدولة وصلابة الهوية الجمعية. والحركة الثقافية الأمازيغية اليوم ليست قطيعةً مع هذا التاريخ، بل هي استمرار له في أشكال جديدة تنسجم مع مُتطلَّبات السياق المعاصر من تعددية واعتراف بالحقوق وانفتاح عولمي.

المراجع

  • Amselle, J.-L. (2001). Branchements: Anthropologie de l’universalité des cultures. Flammarion.
  • Assmann, J. (2011). Cultural memory and early civilization: Writing, remembrance, and political imagination. Cambridge University Press.
  • Bourdieu, P. (1977). Outline of a theory of practice (R. Nice, Trans.). Cambridge University Press.
  • Brett, M., & Fentress, E. (1996). The Berbers. Blackwell
  • Chtatou, M. (1991). Bin ‘Abd al-Karim al-Khattabi in the Rifi Oral Tradition. In E. George H. Joffé & C. R. Pennell (Eds.), Tribe and State: Essays in Honour of David Montgomery Hart (pp. 182–212). Cambridgeshire, UK: Middle East and North African Studies Press..
  • Chtatou, M. (1997). The influence of the Berber language on Moroccan Arabic. International Journal of the Sociology of Language, 123, 101–118
  • Chtatou, M. (2020, June 18). Le tapis amazigh : identité, création, art et histoire. Le Monde Amazigh. https://amadalamazigh.press.ma/fr/le-tapis-amazigh-identite-creation-art-et-histoire/.
  • Fentress, J., & Wickham, C. (1992). Social memory. Blackwell.
  • Gellner, E. (1969). Saints of the Atlas. University of Chicago Press.
  • Goodman, J. E. (2005). Berber culture on the world stage: From village to video. Indiana University Press.
  • Halbwachs, M. (1992). On collective memory (L. A. Coser, Ed. & Trans.). University of Chicago Press. (Original work published 1941/1952)
  • Hammoudi, A. (1997). Master and disciple: The cultural foundations of Moroccan authoritarianism. University of Chicago Press.
  • Hart, D. M. (1976). The Aith Waryaghar of the Moroccan Rif: An ethnography and history. University of Arizona Press.
  • Hart, D. M. (1981). Dadda ʻAtta and his forty grandsons: The socio-political organisation of the Ait ʻAtta of southern Morocco. Menas Press.
  • Jouad, H. (1995). Le calcul inconscient de l’improvisation: Poésie berbère, rythme, nombre et sens. Éditions Peeters/SELAF.
  • Maddy-Weitzman, B. (2011). The Berber identity movement and the challenge to North African states. University of Texas Press.
  • Marçais, W. (1961). Articles et conférences. Publications de l’Institut d’Études Orientales.
  • Merolla, D. (2002). Gender and community in the Kabyle literary space: Cultural interfaces. LIT Verlag.
  • Merolla, D. (2005). Digital imagination and the ‘landscapes of group identities’: The flourishing of tifinagh, amazigh visual arts, and Web communications. Journal of North African Studies, 10(3–4), 621–648.
  • Silverstein, P. A. (2004). Algeria in France: Transpolitics, race, and nation. Indiana University Press.
  • Tilmatine, M. (1996). The Berber question in Algeria: Ethno-cultural movements and the politics of identity. Journal of North African Studies, 1(2), 137–154.
  • Vansina, J. (1985). Oral tradition as history. University of Wisconsin Press.
  • Westermarck, E. (1926). Ritual and belief in Morocco (2 vols.). Macmillan.
  • Westermarck, E. (1930). Wit and wisdom in Morocco: A study of native proverbs. Routledge.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى