الأمازيغية بين تَعِلَّةِ الدَّستَرَة وواقع الإقصاء


مقتطفات من دستور المملكة
من التصدير:
“وتأسيسا على هذه القيم والمبادئ الثابتة (…)، فإن المملكة المغربية، الدولة الموحدة، ذات السيادة الكاملة، المنتمية الى المغرب الكبير، تؤكد وتلتزم بما يلي:
(…)

حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان.”

من الفصل الخامس:
“تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء.”

من الفصل السادس:
“القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.

“يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الاعلام العمومية ومراقبتها. ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل، مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي.

وتسهر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على احترام هذه التعددية، وفق أحكام الفصل 165 من هذا الدستور.”

هذا ما ينص عليه دستور 2011. لكن الزمن يثبت، بعد مرور أحد عشر عاما على التصويت عليه، أن هذا الدستور لم يكن ثمرةَ اقتناع من الدولة بروحه ومنطوقه؛ وإنما كان إجراءً ظرفيا أملاه سياق الحَراك الشعبي المطالب بالتغيير في شمال افريقيا والشرق الأوسط آنذاك. وبما أن الحركة الأمازيغية كانت حاضرة في الحراك فقد اعترف الدستور، الذي حُرِّرَ تحت ضغط ذلك السياق، في صيغة ملتبسة كَشَف الزمن عن معناها، بأنه “تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة”.

ثم كان ما كان من تحول “الربيع الديمقراطي” الى شتاء ثورات مضادة في معظم الدول التي شملها؛ بحيث استعادت الأنظمة زمام المبادرة، مستفيدةً من انعدام بدائل سياسية يتوفر لها القدر الكافي من الانسجام والتجانس لكي تنال انخراط المجتمعات المعنية التي صارت تؤمن بمقولة أنه “ليس في الإمكان أفضل مما كان”…

سياق دستور 2011
وقد نجحت الدولة المغربية في تدبير تلك المرحلة على نحو جنَّبها ما آلت إليه الأوضاع في الدول التي شملتها الحركات الاحتجاجية. وذلك عن طريق إقرار دستور متقدم في كثير من الوجوه؛ في مقدمتها إعادة تعريف الهوية المغربية والاعتراف باللغة الأمازيغية (أيضا) لغةً رسمية للدولة، كما ذكرت. لكن بما أن الدستور الجديد لم يأت تعبيرا عن عقيدة سياسية متجذرة عند الدولة، وإنما كان تكتيكا سياسيا اقتضته المرحلة، فما لبثت أن تنصلت من التزاماتها الدستورية بخصوص الأمازيغية خاصة، مستغلةً حالة الانتظارية التي ركنت إليها الحركة الأمازيغية بعد أن “تحققت” مطالبها المتعلقة بالهوية واللغة دستوريا…

مسلسل المماطلات
ولا يتعلق الأمر إطلاقا بمحاكمة نوايا الدولة بهذا الخصوص، وإنما هو تقريرُ واقع: فمَوادُّ الدستور يجب أن تجد ترجمتها في مؤسسات الدولة. وما لم تتم هذه الترجمة ستظل مجرد إعلان مبادئ (على فرض أن الأمر يتعلق فعلا بمبادئ تؤمن بها الدولة). ورغم أن “الدودة كانت في الثمرة”، كما يقال، وذلك حين قيد الدستور تفعيل بنوده المتعلقة بالأمازيغية بقانون تنظيمي لم تُقيَّد بمثله لا العربية ولا الفرنسية، فإن التلكؤ في إخراج هذا القانون (ثماني سنوات!) كان في ذاته كافيا لإثبات عدم وجود إرادة سياسية لدى الدولة لإحلال الأمازيغية مكانتها في الواقع المؤسساتي بما يطابق مكانتها المنصوص عليها في الدستور، ومكانتها في الواقع الاجتماعي باعتبارها لغة ملايين المغاربة من غير المعرَّبين.

لكن التماطل لم ينحصر في الثماني سنوات التي انتظرتها الأمازيغية قبل أن تفوز بالمفتاح السحري الذي كان يُفترض أن يفتح لها أبواب مؤسسات الدولة، باعتبارها لغة رسمية لها أيضا! بل إن التمطيط المقصود شمل زمنية تفعيل القانون التنظيمي نفسه! حيث يظهر أن مراحل تنزيل الأمازيغية مؤسساتيا تَمَّ حساب مدتها بحيث تتطابق وَمَوْتَ آخر متكلم بها! أليست الأمازيغية ماثلة في قائمة اللغات المهددة بالانقراض؟!

ثم إن الحواجز والعراقيل لم تقتصر على تقييد الأمازيغية حصرا بقانون تنظيمي، وانتظار ما يقرب من عقد من الزمان لإخراج ذلك القانون، ثم تمطيط مراحل أجرأته كما سبق القول، بل انضافت اليها حواجز أخرى تتمثل في الذرائع المالية واللوجستيكية حين يتعلق الأمر بالقطاعات التي من المفروض أن تكون، حسب القانون إياه، ضمن المرحلة الأولى من التفعيل، باعتبارها القطاعات ذات الأولوية؛ وعلى رأسها التعليم. إذْ يتطلب تعميم تعليم الأمازيغية بالوتيرة المعمول بها حاليا قرونا عددا! هذا دون الحديث عن حاجز العقليات المتكلسة والتعامل المزاجي لكثير من المسؤولين القطاعيين ومسيري المؤسسات وطنيا وجهويا ومحليا…

كل هذه الحواجز التي يراد بها عرقلة الأمازيغية معروفة مذكورة؛ ولا يكف المجتمع المدني الأمازيغي والديمقراطي عن فضحها والتنديد بها. لكن هناك مناسبات خاصة تكشف أمام العموم عن الذهنية التي تقف وراء عرقلة الادماج الفعلي للأمازيغية في المؤسسات والحياة العامة. آخر هذه المناسبات الكبرى: مونديال قطر.

المونديال يكشف المستور
لقد كان من شأن تأهل الفريق الوطني الى منافسات هذه المناسبة الرياضية العالمية والجماهيرية، وما أحرزه فيها من نتائج مشرفة، أن يجعل المسؤولين المغاربة يستغلونها لتعريف العالم بهوية المغرب الحقيقية، كما هي في الواقع وفي الدستور. لكن شيئا من ذلك لم يحدث! وما وقع هو عكسه! حيث ثم استبعاد الاعلام الناطق بالأمازيغية من تغطية المقابلات الثي شارك فيها الفريق الوطني! هذا الفريق الذي يتكون من لاعبين أكثرهم ناطق بالأمازيغية باعتبارها لغة الأم. وهي اللغة التي تربطهم بالوطن، حيث إنهم لا يعرفون غيرها، لكونهم ولدوا ونشأوا في مَهاجر آبائهم؛ فهم يتكلمون لغاتها؛ وليست العربية منها؛ ولا صلة لهم بها.

وباستبعاد الأمازيغية من التداول خلال المونديال فوّت المسؤولون فرصة إسماع العالم إحدى لغتيه الرسميتين، بما تمثله من بعد هُوّيتي للشعب والدولة المغربيين، مختزلين بذلك هذه الهوية، ومعطلين لحكم من أحكام الدستور، من جهة؛ ومن جهة أخرى حرموا جمهورا واسعا من الناطقين بالأمازيغية من فرصة التماهي مع الفريق الوطني عن طريق اللغة، التي يعرف الجميع قدرتها على خلق الحميمية وتعميق الشعور بالانتماء المشترك.

فكانت نتيجةُ ما سبق نوعين من المَشاهد، كل واحد منهما أسوأ من الآخر: مشاهدُ يخاطب فيها الصحفي العربفوني بعربية عُكاظية لاعبين لا صلة لهم ب”العربية” سوى ما حفظوا عن ظهر قلب من عربية القرآن دون أن يفقهوا معناها؛ فتراهم يُقَلّبون أعينهم في السماء وهم ينتظرون أن ينهي الصحفي الفصيح سؤاله ليبادروه بإحدى اللغتين اللتين يتكلمونهما في البلدان التي نشأوا فيها: and now in English please! أو en français s’il vous plait! (والآن بالإنجليزية أو الفرنسية من فضلك!). ومَشاهدُ مضحكة مبكية، أضحت موضوع تَندُّرٍ وتنكيت في وسائط التواصل الاجتماعي، نرى فيها لاعبا أمازيغيا وناطقا بالأمازيغية يجرب حظه مع كلمات من الدارجة، فيقلب مواضع الحروف فيها، ويغمغم بأصوات غير مفهومة، يبدو من تكرار حروف “فرح” ومشتقاته أنه يحاول التعبير عن فرحه بفوز فريقه، وعن فرحه لفرح المغاربة!

كل هذه الفظاعات، وللمغرب دستور ينص على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية؛ وله إذاعة ناطقة بالأمازيغية يقارب عمرها القرن؛ وقناة تلفزيونية أمازيغية أسالت الدموع يوم افتتاحها!…

لقد أقصيت الأمازيغية من التداول خلال المونديال، فلم يبق للاعبين الناطقين بها إلا أن يطلبوا من مستجوبيهم المغاربة ترجمة أسئلتهم إلى اللغات التي يعرفونها لكي يستطيعوا الإجابة عنها، أو أن يغامروا بالإجابة بأصوات غير مفهومة تُحرج المتلفظ بها وتَقْصُرُ عن أن تعبر عن مشاعر الفرح بالفوز وبالانتماء الى الوطن.

إن إقصاء الأمازيغية هو سبب تلك المشاهد “التواصلية” المحزنة؛ وليس ما ذهب إليه الأستاذ حسن أوريد، متأوِّلا، حين كتب: “إنني أنحني، تواضعا، أمام هؤلاء اللاعبين المغاربة الذين ترعرعوا خارج بلدهم الأصلي، ومع أنهم لا يحسنون الحديث بالعربية، فإنهم يحرصون على الحديث بها كلما تحدثوا إلى الصحافة” (!) (يُنظَر مقاله المترجم من الفرنسية في “أواصر.نت” awaser.net تحت عنوان: “سحر اللعبة المستديرة”),

“مُكْرَهٌ أخوك لا بطل” يا سيد أوريد! لا تَلْبِسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون! ولو أنهم أُستُجوِبوا بالأمازيغية لأجابوا بأمازيغية فصيحة، لعلها أفصحُ من أمازيغية الوطن الأم، لأنهم اكتسبوا معجمها داخل مجموعة لغوية لم يُعْدِها التعريب المدرسي والإعلامي بحكم العزلة اللغوية والثقافية المفروضة على الجماعات اللغوية المهاجرة.

ردّة إعلامية
لقد هبت على الاعلام المغربي، خلال المونديال، رياحُ قوميةٍ عروبية عاتية، عصفت بكل التَّعِلاّت (les alibis) والخطابات المناسباتية عن هوية المغرب. بحيث تم اختطافه من انتمائه البشري والقاري، لِإلحاقه – ضدا لقواعد الفيفا نفسها – بقارة ومجموعة بشرية أخريين، إنْ تَكُنْ تربطه بهما روابط التاريخ، فهي روابط تجمع بين شعوب لكل منها شخصيته غير القابلة للاختزال.

ختاما، إن الرِّدَّة الاعلامية التي شهدتها تغطية مجريات الفريق الوطني في المونديال تقتضي من الحركة الأمازيغية وكل الوطنيين المغاربة العمل على فرض احترام مؤسسات الدولة لهوية المغرب الحقيقية، أوّلا، ولدستور المملكة ثانيا.

ميمون أمسبريذ

شاهد أيضاً

صوت المرأة الأمازيغية تستنكر الهجوم الذي تعرضت له الفنانة فاطمة تابعمرانت

أصدرت جمعية صوت المرأة الأمازيغية بينانا تضامنيا مع الفنانة الأمازيغية فاطمة تابعمرانت، ورفضت الجمعية أن ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *