الأمازيغية في حاجة للعثماني وليس للقانون التنظيمي فقط

 

 ساعيد الفرواح

لم يعد مدعاة للزعم كون الأحداث السياسية ذات العلاقة بمؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان لا تهم الأمازيغ أو لا يكترثون لها، فهم لم يكونوا خارج اللعبة السياسة أبدا بالنسبة لمن لا يختزل الأمازيغ كشعب في جمعيات الحركة الأمازيغية فقط، وإن كان يفعل فلأن المعطيات المتوفرة لديه حول تلك الحركة ناقصة بشكل لا يجعله يدرك أن كثيرا من الفاعلين الأمازيغ كانوا أو لا زالوا ينتمون أو يرتبطون بأحزاب سياسية حتى إن اختلاف الانتماءات والارتباطات الحزبية لهؤلاء الفاعلين هي السر وراء كثير من الخلافات داخل تلك الحركة، وهي الخلافات التي تستمر مع تعيين سعد الدين العثماني كرئيس للحكومة، والتي لا يمكن أن نرجعها لدى جزء من معارضيه لمجرد قناعات لدى أشخاص غيورين على الأمازيغية فقط.

إن العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بين الحركة الأمازيغية والأحزاب متواجدة دائما سرا أو علانية، وتتأثر مسارات ووضعية القضية بها، وغير صحيح أن الأمازيغية في حاجة للترسيم وللقانون التنظيمي فقط، بل تحتاج قبل وبعد ذلك لسياسيين لن نقول أمازيغ وإنما مغاربة حقيقيين ينظرون إلى كل ما في هذه البلاد نظرة مساواة واحترام والأهم لديهم بعض الثقافة العامة حول بلدهم، وليس سياسيين مثل رئيس الحكومة السابق ومن شابهه في أحزاب اليسار الذي لا زال يردد شعارات “زغردي يا أمي يا أم الثوار”.

ولمن لم ينس فالأمر الذي يحز في النفس طوال ولاية الحكومة السابقة إلى جانب عدم تحقيق أي إنجاز لصالح الأمازيغية رغم ترسيمها، هو ذلك اللسان السليط لرئيس الحكومة وسياسيين آخرين، فمن “شحال كاع باش كايعيش السوسي” التي قالها بنكيران إلى “تامسنا لا تصلح إلا لشي شلح إبيع فيها الزريعة” التي قالها عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي، كانت لتندلع ثورة أمازيغية ضد التمييز والعنصرية، ولكن لم يحدث ذلك للأسف مما يزيد من مرارة الأمر، فلو كنا “سود” أمريكا ونطق سياسي أمريكي بمثل ذلك الكلام لاشتعلت البلاد، ولكننا لسنا كذلك.

وبما أننا لسنا كذلك ولا نشبه الشعوب التي تمتلك حسا وأنفة وقومية وعزا وكبرياء قوميا، فلن نزغرد مع أم ثوار اليسار الذي يجمع بين شرف المعارضة وحلاوة السلطة، ولن نعادي حزب العدالة والتنمية، بل سنضع مسافة مع اليسار واليمين بعيدا عن الوسط طبعا، ونرحب من باب اللباقة بأي سياسي يتموقع في إحدى مؤسسات الدولة سجلنا له فيما سبق مواقف مشرفة حول الأمازيغية لغة وثقافة، وخاصة إن كان الأمر يتعلق بسعد الدين العثماني الذي سواء شكل الحكومة أم لا، يبقى بكل موضوعية شخصا يستحق التقدير على مواقفه من الأمازيغية التي لم يخفها حتى حين تقلده منصب وزير الخارجية، وبالحديث عن منصب وزير فثمة من كانوا أو لا زالوا ينتمون إلى الحركة الأمازيغية  تناسوا قضيتهم مقابل مناصب أقل، وثمة متحزبين يتحدثون عنها فقط من باب التوظيف السياسي لابتزاز الدولة…

وبالتأكيد لا يمكن أن تعني الإشادة بمواقف سعد الدين العثماني إشادة بحزب العدالة والتنمية إن هو أضر بالأمازيغية، كما لا يمكن أن نطلب من العثماني عدم الانضباط لمواقف حزبه، بل يستحق الاحترام على ذلك حتى لو كانت مخالفة لقناعاته، لأن التنظيمات لا تبنى إلا بالانضباط للديمقراطية، خاصة أن حزب البيجيدي لا يتخذ من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مرجعية له بل من الشريعة “العربية” الإسلامية، ومن الشجاعة في حزب كهذا أن يمتلك المرء الجرأة للتعبير عن قناعات أمازيغية مخالفة لمرجعية الحزب.

وطبعا لا يمكن أن نختزل معاناة الأمازيغية في توجه معادي لحزب واحد إذ يجب تحديد حجم مسؤولية كل حزب وطرف، وفي هذا الباب لابد أن نستحضر قول رئيس الحكومة السابق أن الأمازيغية “بيد جهات عليا” لم يمتلك الشجاعة لتسميتها، وغير واضح ما إن كان يقصد جهات داخل القصر أم الملك في حد ذاته، ونفس الموقف عبر عنه مسؤولين في جميع الأحزاب بما فيها حزب الأصالة والمعاصرة.

هكذا “يتشابه علينا البقر” فيما يتعلق بمواقف الأحزاب من الأمازيغية لكن الأمر ليس كذلك بالتأكيد بالنسبة لأعضاء الأحزاب فضمنهم من تتوفر لديه قناعات أمازيغية لا تختلف عن قناعات مناضلي الحركة الأمازيغية، ومن هنا نعود لحاجة الأمازيغية لسياسيين ومسؤولين يمتلكون مثل تلك القناعات، ولكم في مسلسل إنصافها الذي تحول إلى مسلسل مكسيكي طويل أكثر من اللازم (16 سنة دون إنجازات) خير مثال، وعرقلة الأمازيغية طوال تلك الفترة في التعليم والإعلام لا يعزى لغياب القوانين بل إلى تجاهل المسؤولين للقانون، إذ مثلا لا توجد قناة غير “الأمازيغية” تحترم نسبيا نسب البث بالأمازيغية الواردة في دفاتر التحملات الخاصة بالإعلام العمومي، كما لا يوجد ما يمنع رؤساء الجهات والبلديات والمجالس الإقليمية من اتخاذ قرارات لصالح الأمازيغية بما في ذلك الدعم المالي المخصص للثقافة، كما لا يوجد ما يمنع وسائل الإعلام من عدم استعمال مصطلح “المغرب العربي” وتعويضه بمصطلح المغرب الكبير كما هو الشأن في ديباجة الدستور المغربي… كل ذلك وغيره لا يوجد ما يمنعه بل ثمة قوانين تفرضه لكن المشكلة في تجاهل التطبيق.

الأمازيغية إذا لا يمكن أن تنصف فقط بالقوانين، هذه الأخيرة التي يحتاج صدورها وتنفيذها أولا وأخيرا لسياسيين ومسؤولين ليس “متعاطفين مع الأمازيغية” بل فقط “غير معادين لها”، لأن المعادين لها نجحوا في عرقلتها إلى حد الآن، وفي هذا الجانب حان الوقت للقطع مع الكلام الأمازيغي السهل لإثارة الإعجاب بالمواقع الإجتماعية…، ذلك الكلام الذي يلعن الأحزاب والمخزن والمؤسسات ويصرخ بأن ليس في القنافذ أملس…، كلام سهل لا يتطلب أي مجهود لكنه بالتأكيد لن يؤدي إلى أي نتيجة بل يحرم القضية الأمازيغية من مسانديها ويفقد الحركة الأمازيغية احترام الآخرين، والاحترام واجب حتى لمن يعادينا شريطة أن يكون متبادلا.

 

شاهد أيضاً

إلى السيد أبو يعرب المرزوقي: من حقنا أن نختار “أخف الضررين”

لدكتور أبو يعرب المرزوقي رمز من رموز الثقافة الإسلامية في تونس، وإن كان البعض ينسبه ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *