الأمازيغ المغاربة يفقدون رمزا من رموز النهضة الأمازيغية المعاصرة

بقلم: أنغير بوبكر*

فقدت الساحة الأمازيغية مؤخرا، رائدا من رواد النضال الأمازيغي، مناضلا ضحى بالغالي والنفيس من أجل وطنه ولغته وهويته، مناضلا جهر بالتعدد الثقافي في بلادنا، في وقت كان صوت القومية العربية يملأ ساحات العمل السياسي والوطني ببلادنا، وفي وقت كان النضال من أجل الأمازيغية شبهة وجريمة لا تغتفر، باعتبار أن الأمازيغية آنذاك كانت من مخلفات الاستعمار حسب دهاقنة الفكر السياسي الوطني السلفي والتقدمي ببلادنا  على حد سواء.

قام المرحوم ابراهيم اخياط بمغامرة تأسيس أول جمعية أمازيغية بالمغرب، في نونبر 1967، برفقة كل من الدكتور أحمد بوكوس وعبد الفاضل الغولي وعبد الله بونفور وعلي صدقي أزايكو وأحمد أكواو وعمر الخلفاوي وعلي الجاوي، وسموا جمعيتهم “الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي”، لأنه كان من غير المسموح آنذاك تسميتها بغير هذا الاسم المقبول. وفي إطار التقية النضالية للدفاع عن القضية الأمازيغية، ناضل المرحوم ابراهيم أخياط بكل ما أوتي من إمكانيات بسيطة من أجل إسماع صوت الأمازيغ في كل المحافل والملتقيات، وساهم بشكل كبير في انتقال النضال الأمازيغي من مرحلة البدايات الأولى المتسمة بالعفوية والعاطفية إلى مرحلة متقدمة، حيث بداية التأسيس لخطاب أمازيغي عقلاني بدأ يشق طريقه بسلاسة في ثنايا المجتمع المغربي وفي تلابيب الدولة المغربية.

فكان المرحوم ، وفقيد الأمازيغية، ابراهيم أخياط من الذين أسسوا تجربة نقل التراث الأمازيغي من الشفاهي إلى المكتوب وباللغة الأمازيغية، كما قام  في سنة 1973 بتسجيل مجموعة من الأشعار الخاصة بواقعة أيت باها ضد الاستعمار الفرنسي، وفي سنة 1974 قررت الجمعية المغربية للتبادل الثقافي إصدار أول دورية  أمازيغية سميت “اراتن” وقد لقيت استحسانا كبيرا في الأوساط الجامعية وأوساط المثقفين عموما، كما كان منزل الأستاذ الفقيد ابراهيم أخياط منارة متقدة للتأطير الثقافي والفكري لعقود من الزمن، كما كان للمرحوم ابراهيم أخياط الفضل في تكوين عدة فرق فنية أمازيغية استطاعت مقاومة التهميش والإقصاء الذي كانت تتعرض له الفنون الأمازيغية، فبفضل نضال ابراهيم أخياط ورفاقه ظهرت وتألقت فرق فنية موسيقية مثل أوسمان وغيرها وأصبح الوعي الأمازيغي يتدحرج شيئا فشيئا إلى أن وصل في أواسط التسعينات إلى مرحلة  طرح القضية الأمازيغية على أجندة الدولة المغربية .

كانت الحياة الشخصية للأستاذ الفقيد ابراهيم اخياط نموذجا لحياة مناضل غيور على قضيته، إنسان جعل كل رأسماله يتلخص في الدفاع عن مبادئه، لذلك نراه يقول في كتابه النهضة الأمازيغية ص 100: “هذه الصراحة التي واجهت بها خطيبتي، قصرت علي الطريق في الوصول إلى أعماق وجدانها، لأنني أحسست أنها تقاسمني أحاسيسي، كما أنها تحمل في وجدانها نفس ما أحمله اتجاه هويتنا الأمازيغية المشتركة، رغم أنها إلى ذلك الحين لم تستوعب بعد نظريا  ابعاد هذه القضية  لغة وثقافة وحضارة وما ستتطلبه من جهد  ووقت وتضحيات، لتحقيق مشاريعنا الهادفة إلى تعميق الوعي  بالذات الأمازيغية لدى كافة المغاربة”.

للمرحوم، وفقيد الأمازيغية، الكبير ابراهيم أخياط بصمات واضحة في الفعل الجمعوي والثقافي الأمازيغي فقدكان من مؤسسي جمعية الجامعة الصيفية باكادير سنة 1980، هذه الجامعة الصيفية التي مايزال صدى أنشطتها حاضرا في الانشطة الجمعوية الامازيغية الهادفة نظرا لتنوع المواضيع المطروحة في دوراتها ونظرا كذلك لعمق المداخلات ونوعية المشاركين في دوراتها المختلفة.

اتسم نضال المرحوم ابراهيم أخياط بالفعالية والاستمرارية حيث نجد بصماته ومساهماته القيمة في كل مفاصل العمل الجمعوي الامازيغي ، فقد كان مثالا للمناضل المخلص لقضيته ووطنه وساهم في ورش اعادة التوازن للشخصية المغربية ، فقد كان من المساهمين الرئيسيين في  اصدار  ميثاق اكادير سنة 1991 والتي توج العمل النضالي الوحدوي لاطارات امازيغية  مناضلة في تلك المرحلة، كما شارك في عملية التنسيق بين الاطارات الامازيغية في اطار مجلس التنسيق الوطني، كما ناضل في كل المحطات الرئيسية والحساسة من تاريخ القضية الامازيغية ببلادنا، حيث شارك بفعالية في المؤتمر الدولي لحقوق الانسان بفيينا 1993 كما شارك في نقاشات تأسيس الكونغريس العالمي الامازيغي وحاول فتح قنطرة تواصل مع احزاب التحالف الحكومي خلال مرحلة حكومة عبد الرحمان اليوسفي وقدمت جمعيته مذكرات إلى الأحزاب السياسية مطالبة بالحقوق الأمازيغية المشروعة كما كان نضال ابراهيم أخياط في قلب النضال الدستوري من أجل مكانة لائقة للأمازيغية في أي تعديل دستوري، كما ناضل الفقيد ابراهيم أخياط باستماتة ضد مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين التي كانت ضد الأمازيغية وكانت تعتبر  استعمال الامازيغية فقط لتسهيل التعلم بالعربية.

وفاة الأستاذ ابراهيم أخياط خسارة للعمل النضالي الأمازيغي، لكن عزاؤنا أنه ترك تجربة جمعوية أمازيغية غنية وأصدقاء سيكملون المشوار، فأملنا كبير في رفاقه الذين أسسوا معه التجربة النضالية الغنية ليواصلوا المشوار كل من موقعه، فتحية تقدير واحترام الى كل من الأساتذة الأجلاء: بوكوس أحمد ومجاهد الحسين وأيت باحسين الحسين والصافي مومن علي وبوراس وأحمد عصيد وغيرهم من رفاق الفقيد الكبير . إنكم مسؤولون على استكمال الطريق  الذي بدأه الفقيد ابراهيم أخياط لتحقيق النهضة الأمازيغية الواعدة.

فلترقد روحكم بسلام يا أستاذنا الكبير فما مات من ترك أجيالا من المناضلين والكتاب والفنانيين والمؤرخين عازمين على استكمال المشوار.

*أنغير بوبكر: المنسق الوطني للعصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان

Ounghirboubaker2012@gmail.com

شاهد أيضاً

“تمغربيت” و “تسياسيت” نقد و لكن من أجل مواصلة الطريق

النقد جزء لا يتجزأ منالعمل موضوع النقد. يكتسي أهمية كبيرة في إغنائه برؤية مغايرة، يوجه ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *